ذكر من أرتج عليهم أو حصروا عند الكلام

و اعلم أن هذا الكلام قاله أمير المؤمنين ع في واقعة اقتضت أن يقوله و ذلك أنه أمر ابن أخته جعدة بن هبيرة المخزومي أن يخطب الناس يوما فصعد المنبر فحصر و لم يستطع الكلام فقام أمير المؤمنين ع فتسنم ذروة المنبر و خطب خطبة طويلة ذكر الرضي رحمه الله منها هذه الكلمات و روى شيخنا أبو عثمان في كتاب البيان و التبيين أن عثمان صعد المنبر فأرتج عليه فقال إن أبا بكر و عمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا و أنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب و ستأتيكم الخطبة على وجهها ثم نزل . قال أبو عثمان و روى أبو الحسن المدائني قال صعد ابن لعدي بن أرطاة المنبر فلما رأى الناس حصر فقال الحمد لله الذي يطعم هؤلاء و يسقيهم و صعد روح بن حاتم المنبر فلما رأى الناس قد رشقوه بأبصارهم و صرفوا أسماعهم

[ 14 ]

نحوه قال نكسوا رءوسكم و غضوا أبصاركم فإن أول مركب صعب فإذا يسر الله عز و جل فتح قفل تيسر ثم نزل . و خطب مصعب بن حيان أخو مقاتل بن حيان خطبة نكاح فحصر فقال لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فقالت أم الجارية عجل الله موتك أ لهذا دعوناك . و خطب مروان بن الحكم فحصر فقال اللهم إنا نحمدك و نستعينك و لا نشرك بك . و لما حصر عبد الله بن عامر بن كريز على المنبر بالبصرة و كان خطيبا شق عليه ذلك فقال له زياد ابن أبيه و كان خليفته أيها الأمير لا تجزع فلو أقمت على المنبر عامة من ترى أصابهم أكثر مما أصابك فلما كانت الجمعة تأخر عبد الله بن عامر و قال زياد للناس إن الأمير اليوم موعوك فقيل لرجل من وجوه أمراء القبائل قم فاصعد المنبر فلما صعد حصر فقال الحمد لله الذي يرزق هؤلاء و بقي ساكتا فأنزلوه و أصعدوا آخر من الوجوه فلما استوى قائما قابل بوجهه الناس فوقعت عينه على صلعة رجل فقال أيها الناس إن هذا الأصلع قد منعني الكلام اللهم فالعن هذه الصلعة فأنزلوه و قالوا لوازع اليشكري قم إلى المنبر فتكلم فلما صعد و رأى الناس قال أيها الناس إني كنت اليوم كارها لحضور الجمعة و لكن امرأتي حملتني على إتيانها و أنا أشهدكم أنها طالق ثلاثا فأنزلوه فقال زياد لعبد الله بن عامر كيف رأيت قم الآن فاخطب الناس .

[ 15 ]

و قال سهل بن هارون دخل قطرب النحوي على المخلوع فقال يا أمير المؤمنين كانت عدتك أرفع من جائزتك و هو يتبسم فاغتاظ الفضل بن الربيع فقلت له إن هذا من الحصر و الضعف و ليس من الجلد و القوة أما تراه يفتل أصابعه و يرشح جبينه . و دخل معبد بن طوق العنبري على بعض الأمراء فتكلم و هو قائم فأحسن فلما جلس تلهيع في كلامه فقال له ما أظرفك قائما و أموقك قاعدا قال إني إذا قمت جددت و إذا قعدت هزلت فقال ما أحسن ما خرجت منها . و كان عمرو بن الأهتم المنقري و الزبرقان بن بدر عند رسول الله ص فسأل ع عمرا عن الزبرقان فقال يا رسول الله إنه لمانع لحوزته مطاع في أدانيه فقال الزبرقان حسدني يا رسول الله فقال عمرو يا رسول الله إنه لزمر المروءة ضيق العطن لئيم الخال فنظر رسول الله ص إلى وجه عمرو فقال يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت و غضبت فقلت أقبح ما علمت و ما كذبت في الأولى و لقد صدقت في الأخرى

فقال ع إن من البيان لسحرا . و قال خالد بن صفوان ما الإنسان لو لا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة

[ 16 ]

و قال ابن أبي الزناد كنت كاتبا لعمر بن عبد العزيز فكان يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب في المظالم فيراجعه فكتب إليه إنه يخيل إلي أني لو كتبت إليك أن تعطي رجلا شاة لكتبت إلي أ ضأنا أم معزا فإذا كتبت إليك بأحدهما كتبت إلي أ ذكرا أم أنثى و إذا كتبت إليك بأحدهما كتبت إلي صغيرا أم كبيرا فإذا كتبت إليك في مظلمة فلا تراجعني و السلام . و أخذ المنصور هذا فكتب إلى سلم بن قتيبة عامله بالبصرة يأمره بهدم دور من خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن و عقر نخلهم فكتب إليه بأيهما أبدأ بالدور أم بالنخل يا أمير المؤمنين فكتب إليه لو قلت لك بالنخل لكتبت إلي بما ذا أبدأ بالشهريز أم بالبرني و عزله و ولى محمد بن سليمان . و خطب عبد الله بن عامر مرة فأرتج عليه و كان ذلك اليوم يوم الأضحى فقال لا أجمع عليكم عيا و لؤما من أخذ شاة من السوق فهي له و ثمنها علي . و خطب السفاح أول يوم صعد فيه المنبر فأرتج عليه فقام عمه داود بن علي فقال أيها الناس إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدم قوله فيكم فعله و لأثر الأفعال أجدى عليكم من تشقيق المقال و حسبكم كتاب الله علما فيكم و ابن عم رسول الله ص خليفة عليكم . قال الشاعر

[ 17 ]

و ما خير من لا ينفع الدهر عيشه
و إن مات لم يحزن عليه أقاربه
كهام على الأقصى كليل لسانه
و في بشر الأدنى حديد مخالبه

و قال أحيحة بن الجلاح

و الصمت أجمل بالفتى
ما لم يكن عي يشينه
و القول ذو خطل إذا
ما لم يكن لب يزينه

[ 18 ]