من أشعار الشارح في المناجاة

و من شعري الذي أسلك فيه مسلك المناجاة عند خلواتي و انقطاعي بالقلب إليه سبحانه قولي

و الله لا موسى و لا عيسى
المسيح و لا محمد
علموا و لا جبريل و هو
إلى محل القدس يصعد
كلا و لا النفس البسيطة
لا و لا العقل المجرد
من كنه ذاتك غير أنك
واحدي الذات سرمد
وجدوا إضافات و سلبا
و الحقيقة ليس توجد
و رأوا وجودا واجبا
يفنى الزمان و ليس ينفد
فلتخسأ الحكماء عن
جرم له الأفلاك تسجد
من أنت يا رسطو و من
أفلاط قبلك يا مبلد
و من ابن سينا حين قرر
ما بنيت له و شيد
هل أنتم إلا الفراش
رأى الشهاب و قد توقد
فدنا فأحرق نفسه
و لو اهتدى رشدا لأبعد

[ 51 ]

و مما قلته أيضا في قصور العقل عن معرفته سبحانه و تعالى

فيك يا أعجوبة الكون
غدا الفكر كليلا
أنت حيرت ذوي اللب
و بلبلت العقولا
كلما أقدم فكري
فيك شبرا فر ميلا
ناكصا يخبط في عمياء
لا يهدى السبيلا

و لي في هذا المعنى

فيك يا أغلوطة الفكر
تاه عقلي و انقضى عمري
سافرت فيك العقول فما
ربحت إلا أذى السفر
رجعت حسرى و ما وقفت
لا على عين و لا أثر
فلحى الله الألى زعموا
أنك المعلوم بالنظر
كذبوا إن الذي طلبوا
خارج عن قوة البشر

و قلت أيضا في المعنى

أفنيت خمسين عاما معملا نظري
فيه فلم أدر ما آتي و ما أذر
من كان فوق عقول القائسين فما
ذا يدرك الفكر أو ما يبلغ النظر

و لي أيضا

حبيبي أنت لا زيد و عمرو
و إن حيرتني و فتنت ديني
طلبتك جاهدا خمسين عاما
فلم أحصل على برد اليقين

[ 52 ]

فهل بعد الممات بك اتصال
فأعلم غامض السر المصون
نوى قذف و كم قد مات قبلي
بحسرته عليك من القرون

و من شعري أيضا في المعنى و كنت أنادي به ليلا في مواضع مقفرة خالية من الناس بصوت رفيع و أجدح قلبي أيام كنت مالكا أمري مطلقا من قيود الأهل و الولد و علائق الدنيا

يا مدهش الألباب و الفطن
و محير التقوالة اللسن
أفنيت فيك العمر أنفقه
و المال مجانا بلا ثمن
أتتبع العلماء أسألهم
و أجول في الآفاق و المدن
و أخالط الملل التي اختلفت
في الدين حتى عابد الوثن
و ظننت أني بالغ غرضي
لما اجتهدت و مبرئ شجني
و مطهر من كل رجس هوى
قلبي بذاك و غاسل درني
فإذا الذي استكثرت منه هو
الجاني علي عظائم المحن
فضللت في تيه بلا علم
و غرقت في يم بلا سفن
و رجعت صفر الكف مكتئبا
حيران ذا هم و ذا حزن
أبكي و أنكت في الثرى بيدي
طورا و أدعم تارة ذقني
و أصيح يا من ليس يعرفه
أحد مدى الأحقاب و الزمن
يا من له عنت الوجوه و من
قرنت له الأعناق في قرن
آمنت يا جذر الأصم من الأعداد
بل يا فتنة الفتن
أن ليس تدركك العيون و أن
الرأي ذو أفن و ذو غبن

[ 53 ]

و الكل أنت فكيف يدركه
بعض و أنت السر في العلن

و مما قلته في المعنى

ناجيته و دعوته اكشف عن عشا
قلبي و عن بصري و أنت النور
و ارفع حجابا قد سدلت ستوره
دوني و هل دون المحب ستور
فأجابني صه يا ضعيف فبعض ذا
قد رامه موسى فدك الطور

أعجبني هذا المعنى فنقلته إلى لفظ آخر فقلت

حبيبي أنت من دون البرايا
و إن لم أحظ منك بما أريد
قنعت من الوصال بكشف حال
فقيل ارجع فمطلبها بعيد
أ لم تسمع جواب سؤال موسى
و ليس على مكانته مزيد
تعرض للذي حاولت يوما
فدك الصخر و اضطرم الصعيد

و لي في هذا المعنى أيضا

قد حار في النفس جميع الورى
و الفكر فيها قد غدا ضائعا
و برهن الكل على ما ادعوا
و ليس برهانهم قاطعا
من جهل الصنعة عجزا فما
أجدره أن يجهل الصانعا

و لي أيضا في الرد على الفلاسفة الذين عللوا حركة الفلك بأنه أراد استخراج الوضع أولا ليتشبه بالعقل المجرد في كماله و أن كل ما له بالقوة فهو خارج إلى الفعل

تحير أرباب النهى و تعجبوا
من الفلك الأقصى لما ذا تحركا
فقيل بطبع كالثقيل إذا هوى
و قيل اختيارا و المحقق شككا
فرد حديث الطبع إذ كان دائرا
و ليس على سمت قويم فيسلكا

[ 54 ]

و قيل لمن قال اختيارا فما الذي
دعاه إلى أن دار ركضا فأوشكا
فقالوا لوضع حادث يستجده
يعاقب منه مطلبا ثم متركا
فقيل لهم هذا الجنون بعينه
و لو رامه منا امرؤ كان أعفكا
و لو أن إنسانا غدا ليس قصده
سوى الوضع و استخراجه عد مضحكا

و لي أيضا في الرد على من زعم أن النبي ص رأى الله سبحانه بالعين و هو الذي أنكرته عائشة و العجب لقوم من أرباب النظر جهلوا ما أدركته امرأة من نساء العرب

عجبت لقوم يزعمون نبيهم
رأى ربه بالعين تبا لهم تبا
و هل تدرك الأبصار غير مكيف
و كيف تبيح العين ما يمنع القلبا
إذا كان طرف القلب عن كنهه نبا
حسيرا فطرف العين عن كنهه أنبى

و المقطعات التي نظمتها في إجلال الباري سبحانه عن أن تحيط به العقول كثيرة موجودة في كتبي و مصنفاتي فلتلمح من مظانها و غرضنا بإيراد بعضها أن لها هنا تشييدا لما قاله أمير المؤمنين ع علي في هذا الباب . قوله ع ليس بذي كبر إلى قوله و عظم سلطانا معناه أنه تعالى يطلق عليه من أسمائه الكبير و العظيم و قد ورد بهما القرآن العزيز و ليس المراد بهما ما يستعمله الجمهور من قولهم هذا الجسم أعظم و أكبر مقدارا من هذا الجسم بل المراد عظم شأنه و جلالة سلطانه . و الفلج النصرة و أصله سكون العين و إنما حركه ليوازن بين الألفاظ و ذلك

[ 55 ]

لأن الماضي منه فلج الرجل على خصمه بالفتح و مصدره الفلج بالسكون فأما من روى و ظهور الفلج بضمتين فقد سقط عنه التأويل لأن الاسم من هذا اللفظ الفلج بضم أول الكلمة فإذا استعملها الكاتب أو الخطيب جاز له ضم الحرف الثاني . و صادعا بهما مظهرا مجاهدا و أصله الشق . و الأمراس الحبال و الواحد مرس بفتح الميم و الراء مِنْهَا فِي صِفَةِ عَجِيبِ خَلْقِ أَصْنَافٍ مِنَ اَلْحَيَوَانِ : وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ اَلْقُدْرَةِ وَ جَسِيمِ اَلنِّعْمَةِ لَرَجَعُوا إِلَى اَلطَّرِيقِ وَ خَافُوا عَذَابَ اَلْحَرِيقِ وَ لَكِنِ اَلْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ وَ اَلْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ أَ لاَ يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ وَ أَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ سَوَّى لَهُ اَلْعَظْمَ وَ اَلْبَشَرَ اُنْظُرُوا إِلَى اَلنَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لَطَافَةِ هَيْئَتِهَا لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ اَلْبَصَرِ وَ لاَ بِمُسْتَدْرَكِ اَلْفِكَرِ كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا تَنْقُلُ اَلْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا لاَ يُغْفِلُهَا اَلْمَنَّانُ وَ لاَ يَحْرِمُهَا اَلدَّيَّانُ وَ لَوْ فِي اَلصَّفَا اَلْيَابِسِ وَ اَلْحَجَرِ اَلْجَامِسِ وَ لَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا وَ فِي عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا وَ مَا فِي اَلْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا وَ مَا فِي اَلرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَ أُذُنِهَا لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً

[ 56 ]

فَتَعَالَى اَلَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ وَ لَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ اَلدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ اَلنَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ اَلنَّخْلَةِ لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ غَامِضِ اِخْتِلاَفِ كُلِّ حَيٍّ وَ مَا اَلْجَلِيلُ وَ اَللَّطِيفُ وَ اَلثَّقِيلُ وَ اَلْخَفِيفُ وَ اَلْقَوِيُّ وَ اَلضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ وَ كَذَلِكَ اَلسَّمَاءُ وَ اَلْهَوَاءُ وَ اَلرِّيَاحُ وَ اَلْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى اَلشَّمْسِ وَ اَلْقَمَرِ وَ اَلنَّبَاتِ وَ اَلشَّجَرِ وَ اَلْمَاءِ وَ اَلْحَجَرِ وَ اِخْتِلاَفِ هَذَا اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ اَلْبِحَارِ وَ كَثْرَةِ هَذِهِ اَلْجِبَالِ وَ طُولِ هَذِهِ اَلْقِلاَلِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اَللُّغَاتِ وَ اَلْأَلْسُنِ اَلْمُخْتَلِفَاتِ فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ اَلْمُقَدِّرَ وَ جَحَدَ اَلْمُدَبِّرَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ وَ لاَ لاِخْتِلاَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا اِدَّعَوْا وَ لاَ تَحْقِيقٍ لِمَا دَعَوْا أَوْعَوْا وَ هَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ مدخولة معيبة و فلق شق و خلق و البشر ظاهر الجلد . قوله ع و صبت على رزقها قيل هو على العكس أي و صب رزقها عليها و الكلام صحيح و لا حاجة فيه إلى هذا و المراد كيف همت حتى انصبت على رزقها انصبابا أي انحطت عليه و يروى و ضنت على رزقها بالضاد المعجمة و النون أي بخلت و جحرها بيتها .

[ 57 ]

قوله ع و في وردها لصدرها أي تجمع في أيام التمكن من الحركة لأيام العجز عنها و ذلك لأن النمل يظهر صيفا و يخفى في شدة الشتاء لعجزه عن ملاقاة البرد . قوله ع رزقها وفقها أي بقدر كفايتها و يروى مكفول برزقها مرزوقة بوفقها . و المنان من أسماء الله تعالى العائد إلى صفاته الفعلية أي هو كثير المن و الإنعام على عباده . و الديان المجازي للعباد على أفعالهم قال تعالى إِنَّا لَمَدِينُونَ أي مجزيون و الحجر الجامس الجامد و الشراسيف أطراف الأضلاع المشرفة على البطن