238 و من خطبة له ع و من الناس من يسمي هذه الخطبة بالقاصعة

و هي تتضمن ذم إبليس لعنه الله على استكباره و تركه السجود لآدم ع و أنه أول من أظهر العصبية و تبع الحمية و تحذير الناس من سلوك طريقته : اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لَبِسَ اَلْعِزَّ وَ اَلْكِبْرِيَاءَ وَ اِخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ وَ جَعَلَهُمَا حِمًى وَ حَرَماً عَلَى غَيْرِهِ وَ اِصْطَفَاهُمَا لِجَلاَلِهِ وَ جَعَلَ اَللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ ثُمَّ اِخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلاَئِكَتَهُ اَلْمُقَرَّبِينَ لِيَمِيزَ اَلْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ هُوَ اَلْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ اَلْقُلُوبِ وَ مَحْجُوبَاتِ اَلْغُيُوبِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَسَجَدَ اَلْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ اِعْتَرَضَتْهُ اَلْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ وَ تَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ فَعَدُوُّ اَللَّهِ إِمَامُ اَلْمُتَعَصِّبِينَ وَ سَلَفُ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ اَلَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ اَلْعَصَبِيَّةِ وَ نَازَعَ اَللَّهَ رِدَاءَ اَلْجَبَرِيَّةِ وَ اِدَّرَعَ لِبَاسَ اَلتَّعَزُّزِ وَ خَلَعَ قِنَاعَ اَلتَّذَلُّلِ أَلاَ يَرَوْنَ تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اَللَّهُ بِتَكَبُّرِهِ وَ وَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ فَجَعَلَهُ فِي اَلدُّنْيَا مَدْحُوراً وَ أَعَدَّ لَهُ فِي اَلآْخِرَةِ سَعِيراً

[ 128 ]

يجوز أن تسمى هذه الخطبة القاصعة من قولهم قصعت الناقة بجرتها و هو أن تردها إلى جوفها أو تخرجها من جوفها فتملأ فاها فلما كانت الزواجر و المواعظ في هذه الخطبة مرددة من أولها إلى آخرها شبهها بالناقة التي تقصع الجرة و يجوز أن تسمى القاصعة لأنها كالقاتلة لإبليس و أتباعه من أهل العصبية من قولهم قصعت القملة إذا هشمتها و قتلتها و يجوز أن تسمى القاصعة لأن المستمع لها المعتبر بها يذهب كبره و نخوته فيكون من قولهم قصع الماء عطشه أي أذهبه و سكنه قال ذو الرمة بيتا في هذا المعنى

فانصاعت الحقب لم تقصع صرائرها
و قد تشح فلا ري و لا هيم

الصرائر جمع صريرة و هي العطش و يجوز أن تسمى القاصعة لأنها تتضمن تحقير إبليس و أتباعه و تصغيرهم من قولهم قصعت الرجل إذا امتهنته و حقرته و غلام مقصوع أي قمي‏ء لا يشب و لا يزداد . و العصبية على قسمين عصبية في الله و هي محمودة و عصبية في الباطل و هي مذمومة و هي التي نهى أمير المؤمنين ع عنها و كذلك الحمية و

جاء في الخبر العصبية في الله تورث الجنة و العصبية في الشيطان تورث النار . و

جاء في الخبر العظمة إزاري و الكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته و هذا معنى قوله ع اختارهما لنفسه دون خلقه إلى آخر قوله من عباده . قال ع ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين مع علمه بمضمراتهم و ذلك لأن اختباره سبحانه ليس ليعلم بل ليعلم غيره من خلقه طاعة من يطيع و عصيان من يعصي و كذلك قوله سبحانه وَ ما جَعَلْنَا اَلْقِبْلَةَ اَلَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ

[ 129 ]

اَلرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى‏ عَقِبَيْهِ النون في لنعلم نون الجمع لا نون العظمة أي لتصير أنت و غيرك من المكلفين عالمين لمن يطيع و من يعصي كما أنا عالم بذلك فتكونوا كلكم مشاركين لي في العلم بذلك . فإن قلت و ما فائدة وقوفهم على ذلك و علمهم به قلت ليس بممتنع أن يكون ظهور حال العاصي و المطيع و علم المكلفين أو أكثرهم أو بعضهم به يتضمن لطفا في التكليف . فإن قلت إن الملائكة لم تكن تعلم ما البشر و لا تتصور ماهيته فكيف قال لهم إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ قلت قد كان قال لهم إني خالق جسما من صفته كيت و كيت فلما حكاه اقتصر على الاسم و يجوز أن يكون عرفهم من قبل أن لفظة بشر على ما ذا تقع ثم قال لهم إني خالق هذا الجسم المخصوص الذي أعلمتكم أن لفظة بشر واقعة عليه من طين . قوله تعالى فَإِذا سَوَّيْتُهُ أي إذا أكملت خلقه . فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ أمرهم بالسجود له و قد اختلف في ذلك فقال قوم كان قبلة كما الكعبة اليوم قبلة و لا يجوز السجود إلا لله و قال آخرون بل كان السجود له تكرمة و محنة و السجود لغير الله غير قبيح في العقل إذا لم يكن عبادة و لم يكن فيه مفسدة . و قوله تعالى وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي أي أحللت فيه الحياة و أجريت الروح إليه في عروقه و أضاف الروح إليه تبجيلا لها و سمى ذلك نفخا على وجه الاستعارة لأن العرب تتصور من الروح معنى الريح و النفخ يصدق على الريح فاستعار لفظة النفخ توسعا .

[ 130 ]

و قالت الحكماء هذا عبارة عن النفس الناطقة . فإن قلت هل كان إبليس من الملائكة أم لا قلت قد اختلف في ذلك فمن جعله منهم احتج بالاستثناء و من جعله من غيرهم احتج بقوله تعالى كانَ مِنَ اَلْجِنِّ و جعل الاستثناء منقطعا و بأن له نسلا و ذرية قال تعالى أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي و الملائكة لا نسل لهم و لا ذرية و بأن أصله نار و الملائكة أصلها نور و قد مر لنا كلام في هذا في أول الكتاب . قوله فافتخر على آدم بخلقه و تعصب عليه لأصله كانت خلقته أهون من خلقة آدم ع و كان أصله من نار و أصل آدم ع من طين . فإن قلت كيف حكم على إبليس بالكفر و لم يكن منه إلا مخالفة الأمر و معلوم أن تارك الأمر فاسق لا كافر قلت إنه اعتقد أن الله أمره بالقبيح و لم ير أمره بالسجود لآدم ع حكمة و امتنع من السجود تكبرا و رد على الله أمره و استخف بمن أوجب الله إجلاله و ظهر أن هذه المخالفة عن فساد عقيدة فكان كافرا . فإن قلت هل كان كافرا في الأصل أم كان مؤمنا ثم كفر قلت أما المرجئة فأكثرهم يقول كان في الأصل كافرا لأن المؤمن عندهم لا يجوز أن يكفر و أما أصحابنا فلما كان هذا الأصل عندهم باطلا توقفوا في حال إبليس و جوزوا كلا الأمرين .

[ 131 ]

قوله ع رداء الجبرية الباء مفتوحة يقال فيه جبرية و جبروة و جبروت و جبورة كفروجة أي كبر و أنشدوا

فإنك إن عاديتني غضب الحصا
عليك و ذو الجبورة المتغطرف

و جعله مدحورا أي مطرودا مبعدا دحره الله دحورا أي أقصاه و طرده : وَ لَوْ أَرَادَ اَللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ اَلْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ وَ يَبْهَرُ اَلْعُقُولَ رُوَاؤُهُ وَ طِيبٍ يَأْخُذُ اَلْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ لَفَعَلَ وَ لَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ اَلْأَعْنَاقُ خَاضِعَةً وَ لَخَفَّتِ اَلْبَلْوَى فِيهِ عَلَى اَلْمَلاَئِكَةِ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ تَمْيِيزاً بِالاِخْتِبَارِ لَهُمْ وَ نَفْياً لِلاِسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ وَ إِبْعَاداً لِلْخُيَلاَءِ مِنْهُمْ فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اَللَّهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ اَلطَّوِيلَ وَ جَهْدَهُ اَلْجَهِيدَ وَ كَانَ قَدْ عَبَدَ اَللَّهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَةٍ لاَ يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي اَلدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي اَلآْخِرَةِ عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اَللَّهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ كَلاَّ مَا كَانَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً إِنْ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ لَوَاحِدٌ وَ مَا بَيْنَ اَللَّهِ وَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمًى حَرَّمَهُ عَلَى اَلْعَالَمِينَ خطفت الشي‏ء بكسر الطاء أخطفه إذا أخذته بسرعة استلابا و فيه لغة أخرى

[ 132 ]

خطف بالفتح و يخطف بالفتح و يخطف بالكسر و هي لغة رديئة قليلة لا تكاد تعرف و قد قرأ بها يونس في قوله تعالى يَكادُ اَلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ . و الرواء بالهمزة و المد المنظر الحسن و العرف الريح الطيبة . و الخيلاء بضم الخاء و كسرها الكبر و كذلك الخال و المخيلة تقول اختال الرجل و خال أيضا أي تكبر . و أحبط عمله أبطل ثوابه و قد حبط العمل حبطا بالتسكين و حبوطا و المتكلمون يسمون إبطال الثواب إحباطا و إبطال العقاب تكفيرا . و جهده بفتح الجيم اجتهاده و جده و وصفه بقوله الجهيد أي المستقصى من قولهم مرعى جهيد أي قد جهده المال الراعي و استقصى رعية . و كلامه ع يدل على أنه كان يذهب إلى أن إبليس من الملائكة لقوله أخرج منها ملكا و الهوادة الموادعة و المصالحة يقول إن الله تعالى خلق آدم من طين و لو شاء أن يخلقه من النور الذي يخطف أو من الطيب الذي يعبق لفعل و لو فعل لهال الملائكة أمره و خضعوا له فصار الابتلاء و الامتحان و التكليف بالسجود له خفيفا عليهم لعظمته في نفوسهم فلم يستحقوا ثواب العمل الشاق و هذا يدل على أن الملائكة تشم الرائحة كما نشمها نحن و لكن الله تعالى يبتلي عباده بأمور يجهلون أصلها اختبارا لهم . فإن قلت ما معنى قوله ع تمييزا بالاختبار لهم قلت لأنه ميزهم عن غيرهم من مخلوقاته كالحيوانات العجم و أبانهم عنهم و فضلهم عليهم بالتكليف و الامتحان .

[ 133 ]

قال و نفيا للاستكبار عنهم لأن العبادات خضوع و خشوع و ذلة ففيها نفي الخيلاء و التكبر عن فاعليها فأمرهم بالاعتبار بحال إبليس الذي عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أ من سني الدنيا أم من سني الآخرة و هذا يدل على أنه قد سمع فيه نصا من رسول الله ص مجملا لم يفسره له أو فسره له خاصة و لم يفسره أمير المؤمنين ع للناس لما يعلمه في كتمانه عنهم من المصلحة . فإن قلت قوله لا يدرى على ما لم يسم فاعله يقتضي أنه هو لا يدري قلت إنه لا يقتضي ذلك و يكفي في صدق الخبر إذا ورد بهذه الصيغة أن يجهله الأكثرون . فأما القول في سني الآخرة كم هي فاعلم أنه قد ورد في الكتاب العزيز آيات مختلفات إحداهن قوله تَعْرُجُ اَلْمَلائِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . و الأخرى قوله يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّماءِ إِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ . و الثالثة قوله وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ . و أولى ما قيل فيها أن المراد بالآية الأولى مدة عمر الدنيا و سمي ذلك يوما و قال إن الملائكة لا تزال تعرج إليه بأعمال البشر طول هذه المدة حتى ينقضي التكليف و ينتقل الأمر إلى دار أخرى و أما الآيتان الأخيرتان فمضمونهما بيان كمية أيام الآخرة و هو أن كل يوم منها مثل ألف سنة من سني الدنيا .

[ 134 ]

فإن قلت فعلى هذا كم تكون مدة عبادة إبليس إذا كانت ستة آلاف سنة من سني الآخرة قلت يكون ما يرتفع من ضرب أحد المضروبين في الآخرة و هو ألفا ألف ألف ثلاث لفظات الأولى منهم مثناة و مائة ألف ألف لفظتان و ستون ألف ألف سنة لفظتان أيضا من سني الدنيا و لما رأى أمير المؤمنين ع هذا المبلغ عظيما جدا علم أن أذهان السامعين لا تحتمله فلذلك أبهم القول عليهم و قال لا يدرى أ من سني الدنيا أم من سني الآخرة . فإن قلت فإذا كنتم قد رجحتم قول من يقول إن عمر الدنيا خمسون ألف سنة فكم يكون عمرها إن كان الله تعالى أراد خمسين ألف سنة من سني الآخرة لأنه لا يؤمن أن يكون أراد ذلك إذا كانت السنة عنده عبارة عن مدة غير هذه المدة التي قد اصطلح عليها الناس قلت يكون ما يرتفع من ضرب خمسين ألفا في ثلاثمائة و ستين ألف من سني الدنيا و مبلغ ذلك ثمانية عشر ألف ألف ألف سنة من سني الدنيا ثلاث لفظات و هذا القول قريب من القول المحكي عن الهند . و روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه روايات كثيرة بأسانيد أوردها عن جماعة من الصحابة أن إبليس كان إليه ملك السماء و ملك الأرض و كان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن و إنما سموا الجن لأنهم كانوا خزان الجنان و كان إبليس رئيسهم و مقدمهم و كان أصل خلقهم من نار السموم و كان اسمه الحارث قال و قد روي أن الجن كانت في الأرض و أنهم أفسدوا فيها فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم و طردهم إلى جزائر البحار ثم تكبر في نفسه و رأى أنه قد صنع شيئا عظيما لم يصنعه غيره قال و كان شديد الاجتهاد في العبادة .

[ 135 ]

و قيل كان اسمه عزازيل و أن الله تعالى جعله حكما و قاضيا بين سكان الأرض قبل خلق آدم فدخله الكبر و العجب لعبادته و اجتهاده و حكمه في سكان الأرض و قضائه بينهم فانطوى على المعصية حتى كان من أمره مع آدم ع ما كان قلت و لا ينبغي أن نصدق من هذه الأخبار و أمثالها إلا ما ورد في القرآن العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه أو في السنة أو نقل عمن يجب الرجوع إلى قوله و كل ما عدا ذلك فالكذب فيه أكثر من الصدق و الباب مفتوح فليقل كل أحد في أمثال هذه القصص ما شاء و اعلم أن كلام أمير المؤمنين في هذا الفصل يطابق مذهب أصحابنا في أن الجنة لا يدخلها ذو معصية أ لا تسمع قوله فمن بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته كلا ما كان الله ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا إن حكمه في أهل السماء و الأرض لواحد . فإن قلت أ ليس من قولكم إن صاحب الكبيرة إذا تاب دخل الجنة فهذا صاحب معصية و قد حكمتم له بالجنة قلت إن التوبة أحبطت معصيته فصار كأنه لم يعص . فإن قلت إن أمير المؤمنين ع إنما قال فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته و لم يقل بالمعصية المطلقة و المرجئة لا تخالف في أن من وافى القيامة بمثل معصية إبليس لم يكن من أهل الجنة قلت كل معصية كبيرة فهي مثل معصيته و لم يكن إخراجه من الجنة لأنه كافر بل لأنه عاص مخالف للأمر أ لا ترى أنه قال سبحانه قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فعلل إخراجه من الجنة بتكبره لا بكفره . فإن قلت هذا مناقض لما قدمت في شرح الفصل الأول

[ 136 ]

قلت كلا لأني في الفصل الأول عللت استحقاقه اسم الكفر بأمر زائد على المعصية المطلقة و هو فساد اعتقاده و لم أجعل ذلك علة في خروجه من الجنة و هاهنا عللت خروجه من الجنة بنفس المعصية فلا تناقض . فإن قلت ما معنى قول أمير المؤمنين ع ما كان الله ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا و هل يظن أحد أو يقول إن الله تعالى يدخل الجنة أحدا من البشر بالأمر الذي أخرج به هاهنا إبليس كلا هذا ما لا يقوله أحد و إنما الذي يقوله المرجئة إنه يدخل الجنة من قد عصى و خالف الأمر كما خالف الأمر إبليس برحمته و عفوه و كما يشاء لا أنه يدخله الجنة بالمعصية و كلام أمير المؤمنين ع يقتضي نفي دخول أحد الجنة بالمعصية لأن الباء للسببية قلت الباء هاهنا ليست للسببية كما يتوهمه هذا المعترض بل هي كالباء في قولهم خرج زيد بثيابه و دخل زيد بسلاحه أي خرج لابسا و دخل متسلحا أي يصحبه الثياب و يصحبه السلاح فكذلك قوله ع بأمر أخرج به منها ملكا معناه أن الله تعالى لا يدخل الجنة بشرا يصحبه أمر أخرج الله به ملكا منها : فَاحْذَرُوا عِبَادَ اَللَّهِ عَدُوَّ اَللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ وَ أَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ وَ أَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ رَجْلِهِ فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ اَلْوَعِيدِ وَ أَغْرَقَ إِلَيْكُمْ بِالنَّزْعِ اَلشَّدِيدِ وَ رَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ فَقَالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ قَذْفاً بِغَيْبٍ بَعِيدٍ وَ رَجْماً بِظَنٍّ

[ 137 ]

غَيْرِ مُصِيبٍ صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ اَلْحَمِيَّةِ وَ إِخْوَانُ اَلْعَصَبِيَّةِ وَ فُرْسَانُ اَلْكِبْرِ وَ اَلْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى إِذَا اِنْقَادَتْ لَهُ اَلْجَامِحَةُ مِنْكُمْ وَ اِسْتَحْكَمَتِ اَلطَّمَاعِيَةُ مِنْهُ فِيكُمْ فَنَجَمَتِ فَنَجَمَتْ فِيهِ اَلْحَالُ مِنَ اَلسِّرِّ اَلْخَفِيِّ إِلَى اَلْأَمْرِ اَلْجَلِيِّ اِسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ وَ دَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ اَلذُّلِّ وَ أَحَلُّوكُمْ وَرَطَاتِ اَلْقَتْلِ وَ أَوْطَئُوكُمْ إِثْخَانَ اَلْجِرَاحَةِ طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ وَ حَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ وَ دَقّاً لِمَنَاخِرِكُمْ وَ قَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ وَ سَوْقاً بِخَزَائِمِ اَلْقَهْرِ إِلَى اَلنَّارِ اَلْمُعَدَّةِ لَكُمْ فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ حَرْجاً وَ أَوْرَى فِي دُنْيَاكُمْ قَدْحاً مِنَ اَلَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ وَ عَلَيْهِمْ مُتَأَلِّبِينَ فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ وَ لَهُ جِدَّكُمْ فَلَعَمْرُ اَللَّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ وَ وَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ وَ دَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ وَ أَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ وَ قَصَدَ بِرَجْلِهِ سَبِيلَكُمْ يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ وَ يَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانٍ لاَ تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ وَ لاَ تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ فِي حَوْمَةِ ذُلٍّ وَ حَلْقَةِ ضِيقٍ وَ عَرْصَةِ مَوْتٍ وَ جَوْلَةِ بَلاَءٍ فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ اَلْعَصَبِيَّةِ وَ أَحْقَادِ اَلْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّمَا تِلْكَ اَلْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي اَلْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ اَلشَّيْطَانِ وَ نَخَوَاتِهِ وَ نَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ وَ اِعْتَمِدُوا وَضْعَ اَلتَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِكُمْ وَ إِلْقَاءَ اَلتَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ وَ خَلْعَ اَلتَّكَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ وَ اِتَّخِذُوا اَلتَّوَاضُعَ مَسْلَحَةً بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَ جُنُودِهِ فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَ أَعْوَاناً وَ رَجِلاً رَجْلاً وَ فُرْسَاناً وَ لاَ تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى اِبْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اَللَّهُ فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ اَلْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ اَلْحَسَدِ اَلْحَسَبِ وَ قَدَحَتِ اَلْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ اَلْغَضَبِ وَ نَفَخَ اَلشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ اَلْكِبْرِ اَلَّذِي أَعْقَبَهُ اَللَّهُ بِهِ اَلنَّدَامَةَ وَ أَلْزَمَهُ آثَامَ اَلْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ

[ 138 ]

موضع أن يعديكم نصب على البدل من عدو الله و قال الراوندي يجوز أن يكون مفعولا ثانيا و هذا ليس بصحيح لأن حذر لا يتعدى إلى المفعولين و العدوى ما يعدي من جرب أو غيره أعدى فلان فلانا من خلقه أو من علته و هو مجاوزته من صاحبه إلى غيره و

في الحديث لا عدوى في الإسلام . فإن قلت فإذا كان النبي ص قد أبطل أمر العدوى فكيف قال أمير المؤمنين فاحذروه أن يعديكم قلت إن النبي ص أبطل ما كانت العرب تزعمه من عدوى الجرب في الإبل و غيرها و أمير المؤمنين ع حذر المكلفين من أن يتعلموا من إبليس الكبر و الحمية و شبه تعلمهم ذلك منه بالعدوى لاشتراك الأمرين في الانتقال من أحد الشخصين إلى الآخر . قوله ع يستفزكم أي يستخفكم و هو من ألفاظ القرآن وَ اِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ أي أزعجه و استخفه و أطر قلبه و الخيل الخيالة و منه

الحديث يا خيل الله اركبي . و الرجل اسم جمع لراجل كركب اسم جمع لراكب و صحب اسم جمع لصاحب و هذه أيضا من ألفاظ القرآن العزيز وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ و قرئ و رجلك بكسر الجيم على أن فعلا بالكسر بمعنى فاعل نحو تعب و تاعب

[ 139 ]

و معناه و قد تضم الجيم أيضا فيكون مثل قولك رجل حدث و حدث و ندس و ندس . فإن قلت فهل لإبليس خيل تركبها جنده قلت يجوز أن يكون ذلك و قد فسره قوم بهذا و الصحيح أنه كلام خرج مخرج المثل شبهت حاله في تسلطه على بني آدم بمن يغير على قوم بخيله فيستأصلهم و قيل بصوتك أي بدعائك إلى القبيح و خيله و رجله كل ماش و راكب من أهل الفساد من بني آدم قوله و فوقت السهم جعلت له فوقا و هو موضع الوتر و هذا كناية عن الاستعداد و لا يجوز أن يفسر قوله فقد فوق لكم سهم الوعيد بأنه وضع الفوق في الوتر ليرمي به لأن ذلك لا يقال فيه قد فوق بل يقال أفقت السهم و أوفقته أيضا و لا يقال أفوقته و هو من النوادر . و قوله و أغرق إليكم بالنزع أي استوفى مد القوس و بالغ في نزعها ليكون مرماه أبعد و وقع سهامه أشد . قوله و رماكم من مكان قريب لأنه كما جاء

في الحديث يجري من ابن آدم مجرى الدم و يخالط القلب و لا شي‏ء أقرب من ذلك . و الباء في قوله بِما أَغْوَيْتَنِي متعلق بفعل محذوف تقديره أجازيك بما أغويتني تزييني لهم القبيح فما على هذا مصدرية أي أجازيك بإغوائك لي تزييني لهم القبيح فحذف المفعول و يجوز أن تكون الباء قسما كأنه أقسم بإغوائه إياه ليزينن لهم . فإن قلت و أي معنى في أن يقسم بإغوائه و هل هذا مما يقسم به قلت نعم لأنه ليس إغواء الله تعالى إياه خلق الغي و الضلال في قلبه بل تكليفه

[ 140 ]

إياه السجود الذي وقع الغي عنده من الشيطان لا من الله فصار حيث وقع عنده كأنه موجب عنه فنسب إلى الباري و التكليف تعريض للثواب و لذة الأبد فكان جديرا أن يقسم به و قد أقسم في موضع آخر فقال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ فأقسم بالعزة و هاهنا أقسم بالأمر و التكليف و يجوز فيه وجه ثالث و هو ألا تكون الباء قسما و يقدر قسم محذوف و يكون المعنى بسبب ما كلفتني فأفضى إلى غوايتي أقسم لأفعلن بهم نحو ما فعلت بي و هو أن أزين لهم المعاصي التي تكون سبب هلاكهم . فإن قلت ليس هذا نحو ما فعله الباري به لأن الباري أمره بالحسن فأباه و عدل عنه إلى القبيح و الشيطان لا يأمرنا بالحسن فنكرهه و نعدل عنه إلى القبيح فكيف يكون ذلك نحو واقعته مع الباري قلت المشابهة بين الواقعتين في أن كل واحدة منهما تقع عندها المعصية لا على وجه الإجبار و القسر بل على قصد الاختيار لأن معصية إبليس كانت من نفسه و وقعت عند الأمر بالسجود اختيارا منه لا فعلا من الباري و معصيتنا نحن عند التزيين و الوسوسة تقع اختيارا منا لا اضطرارا يضطرنا إبليس إليه فلما تشابهت الصورتان في هذا المعنى حسن قوله بما فعلت بي كذا لأفعلن بهم نحوه . فإن قلت ما معنى قوله فِي اَلْأَرْضِ و من أين كان يعلم إبليس أن آدم سيصير له ذرية في الأرض قلت أما علمه بذلك فمن قول الله تعالى له و للملائكة إِنِّي جاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً و أما لفظة الأرض فالمراد بها هاهنا الدنيا التي هي دار التكليف كقوله تعالى

[ 141 ]

وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ ليس يريد به الأرض بعينها بل الدنيا و ما فيها من الملاذ و هوى الأنفس . قوله ع قذفا بغيب بعيد أي قال إبليس هذا القول قذفا بغيب بعيد و العرب تقول للشي‏ء المتوهم على بعد هذا قذف بغيب بعيد و القذف في الأصل رمي الحجر و أشباهه و الغيب الأمر الغائب و هذه اللفظة من الألفاظ القرآنية قال الله تعالى في كفار قريش وَ يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أي يقولون هذا سحر أو هذا من تعليم أهل الكتاب أو هذه كهانة و غير ذلك مما كانوا يرمونه ع به و انتصب قذفا على المصدر الواقع موقع الحال و كذلك رجما و قال الراوندي انتصبا لأنهما مفعول له و ليس بصحيح لأن المفعول له ما يكون عذرا و علة لوقوع الفعل و إبليس ما قال ذلك الكلام لأجل القذف و الرجم فلا يكون مفعولا له . فإن قلت كيف قال ع قذفا من مكان بعيد و رجما بظن غير مصيب و قد صح ما توهمه و أصاب في ظنه فإن إغواءه و تزيينه تم على الناس كلهم إلا على المخلصين قلت أما أولا فقد روي و رجما بظن مصيب بحذف غير و يؤكد هذه الرواية قوله تعالى وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً و أما ثانيا على الرواية التي هي أشهر فنقول أما قذفا من مكان بعيد فإنه قال ما قال على سبيل التوهم و الحسبان لأمر مستبعد لا يعلم صحته و لا يظنها و ليس وقوع ما وقع من المعاصي و صحة ما توهمه بمخرج لكون قوله الأول قذفا بغيب بعيد و أما رجما بظن غير مصيب

[ 142 ]

فيجب أن يحمل قوله لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ على الغواية بمعنى الشرك أو الكفر و يكون الاستثناء و هو قوله إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ معناه إلا المعصومين من كل معصية و هذا ظن غير مصيب لأنه ما أغوى كل البشر الغواية التي هي الكفر و الشرك إلا المعصومين العصمة المطلقة بل أغوى بعضهم كذلك و بعضهم بأن زين له الفسق دون الكفر فيكون ظنه أنه قادر على إغواء البشر كافة بمعنى الضلال بالكفر ظنا غير مصيب . قوله صدقه به أبناء الحمية موضع صدقه جر لأنه صفة ظن و قد روي صدقه أبناء الحمية من غير ذكر الجار و المجرور و من رواه بالجار و المجرور كان معناه صدقه في ذلك الظن أبناء الحمية فأقام الباء مقام في . قوله حتى إذا انقادت له الجامحة منكم أي الأنفس الجامحة أو الأخلاق الجامحة . قوله فنجمت فيه الحال أي ظهرت و قد روي فنجمت الحال من السر الخفي من غير ذكر الجار و المجرور و من رواه بالجار و المجرور فالمعنى فنجمت الحال في هذا الشأن المذكور بينه و بينكم من الخفاء إلى الجلاء . و استفحل سلطانه قوي و اشتد و صار فحلا و استفحل جواب قوله حتى إذا . دلف بجنوده تقدم بهم . و الولجات جمع ولجة بالتحريك و هي موضع أو كهف يستتر فيه المارة من مطر أو غيره . و أقحموكم أدخلوكم و الورطة الهلكة . قوله و أوطئوكم إثخان الجراحة أي جعلوكم واطئين لذلك و الإثخان مصدر أثخن في القتل أي أكثر منه و بالغ حتى كثف شأنه و صار كالشي‏ء الثخين و معنى

[ 143 ]

إيطاء الشيطان ببني آدم ذلك إلقاؤه إياهم فيه و توريطهم و حمله لهم عليه فالإثخان على هذا منصوب لأنه مفعول ثان لا كما زعم الراوندي أنه انتصب بحذف حرف الخفض . قوله ع طعنا في عيونكم انتصب طعنا على المصدر و فعله محذوف أي فعلوا بكم هذه الأفعال فطعنوكم في عيونكم طعنا فأما من روى و أوطئوكم لإثخان الجراحة باللام فإنه يجعل طعنا منصوبا على أنه مفعول به أي أوطئوكم طعنا و حزا كقولك أوطأته نارا و أوطأته عشوة و يكون لإثخان الجراحة مفعولا له أي أوطئوكم الطعن ليثخنوا جراحكم و ينبغي أن يكون قصدا و سوقا خالصين للمصدرية لأنه يبعد أن يكون مفعولا به . و اعلم أنه لما ذكر الطعن نسبه إلى العيون و لما ذكر الحز و هو الذبح نسبه إلى الحلوق و لما ذكر الدق و هو الصدم الشديد أضافه إلى المناخر و هذا من صناعة الخطابة التي علمه الله إياها بلا تعليم و تعلمها الناس كلهم بعده منه . و الخزائم جمع خزامة و هي حلقة من شعر تجعل في وتره أنف البعير فيشد فيها الزمام . و تقول قد ورى الزند أي خرجت ناره و هذا الزند أورى من هذا أي أكثر إخراجا للنار يقول فأصبح الشيطان أضر عليكم و أفسد لحالكم من أعدائكم الذين أصبحتم مناصبين لهم أي معادين و عليهم متألبين أي مجتمعين . فإن قلت أما أعظم في الدين حرجا فمعلوم فأي معنى لقوله و أورى في دنياكم قدحا و هل يفسد إبليس أمر الدنيا كما يفسد أمر الدين قلت نعم لأن أكثر القبائح الدينية مرتبطة بالمصالح و المفاسد الدنيوية أ لا ترى أنه إذا أغرى السارق بالسرقة أفسد حال السارق من جهة الدين و حال المسروق منه من جهة الدنيا

[ 144 ]

و كذلك القول في الغصب و القتل و ما يحدث من مضار الشرور الدنيوية من اختلاط الأنساب و اشتباه النسل و ما يتولد من شرب الخمر و السكر الحاصل عنها من أمور يحدثها السكران خبطا بيده و قذفا بلسانه إلى غير ذلك من أمثال هذه الأمور و أشباهها . قوله ع فاجعلوا عليه حدكم أي شباتكم و بأسكم . و له جدكم من جددت في الأمر جدا أي اجتهدت فيه و بالغت . ثم ذكر أنه فخر على أصل بني آدم يعني أباهم آدم ع حيث امتنع من السجود له و قال أنا خير منه . و وقع في حسبكم أي عاب حسبكم و هو الطين فقال إن النار أفضل منه و دفع في نسبكم مثله و أجلب بخيله عليكم أي جمع خيالته و فرسانه و ألبها . و يقتنصونكم يتصيدونكم و البنان أطراف الأصابع و هو جمع واحدته بنانة و يجمع في القلة على بنانات و يقال بنان مخضب لأن كل جمع ليس بينه و بين واحدة إلا الهاء فإنه يذكر و يوحد . و الحومة معظم الماء و الحرب و غيرهما و موضع هذا الجار و المجرور نصب على الحال أي يقتنصونكم في حومة ذل . و الجولة الموضع الذي تجول فيه . و كمن في قلوبكم استتر و منه الكمين في الحرب . و نزغات الشيطان وساوسه التي يفسد بها و نفثاته مثله . قوله و اعتمدوا وضع التذلل على رءوسكم و إلقاء التعزز تحت أقدامكم كلام شريف جليل المحل و كذلك قوله ع و اتخذوا التواضع مسلحة بينكم و بين عدوكم إبليس و جنوده و المسلحة خيل معدة للحماية و الدفاع .

[ 145 ]

ثم نهاهم أن يكونوا كقابيل الذي حسد أخاه هابيل فقتله و هما أخوان لأب و أم و إنما قال ابن أمه فذكر الأم دون الأب لأن الأخوين من الأم أشد حنوا و محبة و التصاقا من الأخوين من الأب لأن الأم هي ذات الحضانة و التربية . و قوله من غير ما فضل ما هاهنا زائدة و تعطي معنى التأكيد نهاهم ع أن يحسدوا النعم و أن يبغوا و يفسدوا في الأرض فإن آدم لما أمر ولده بالقربان قرب قابيل شر ماله و كان كافرا و قرب هابيل خير ماله و كان مؤمنا فتقبل الله تعالى من هابيل و أهبط من السماء نارا فأكلته قالوا لأنه لم يكن في الأرض حينئذ فقير يصل القربان إليه فحسده قابيل و كان أكبر منه سنا فقال لأقتلنك قال هابيل إنما يتقبل الله من المتقين أي بذنبك و جرمك كان عدم قبول قربانك لانسلاخك من التقوى فقتله فأصبح نادما لا ندم التوبة بل ندم الحير و رقة الطبع البشري و لأنه تعب في حمله كما ورد في التنزيل أنه لم يفهم ما ذا يصنع به حتى بعث الله الغراب . قوله ع و ألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة لأنه كان ابتدأ بالقتل و من سن سنة شر كان عليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة كما أن من سن سنة خير كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة و روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن الروايات اختلفت في هذه الواقعة فروى قوم أن الرجلين كانا من بني إسرائيل و ليسا من ولد آدم لصلبه و الأكثرون خالفوا في ذلك . ثم اختلف الأكثرون فروى قوم أن القربان من قابيل و هابيل كان ابتداء و الأكثرون قالوا بل أراد آدم ع أن يزوج هابيل أخت قابيل توأمته و يزوج

[ 146 ]

قابيل أخت هابيل توأمته فأبى قابيل لأن توأمته كانت أحسن فأمرهما أبوهما بالقربان فمن تقبل قربانه نكح الحسناء فتقبل قربان هابيل فقتله أخوه كما ورد في الكتاب العزيز . و

روى الطبري مرفوعا أنه ص قال ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم ع الأول كفل منها و ذلك بأنه أول من سن القتل و هذا يشيد قول أمير المؤمنين ع : أَلاَ وَ قَدْ أَمْعَنْتُمْ فِي اَلْبَغْيِ وَ أَفْسَدْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُصَارَحَةً لِلَّهِ بِالْمُنَاصَبَةِ وَ مُبَارَزَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْمُحَارَبَةِ فَاللَّهَ اَللَّهَ فِي كِبْرِ اَلْحَمِيَّةِ وَ فَخْرِ اَلْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مَلاَقِحُ اَلشَّنَئَانِ وَ مَنَافِخُ اَلشَّيْطَانِ اَلَّتِي خَدَعَ بِهَا اَلْأُمَمَ اَلْمَاضِيَةَ وَ اَلْقُرُونَ اَلْخَالِيَةَ حَتَّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ وَ مَهَاوِي ضَلاَلَتِهِ ذُلُلاً عَنْ سِيَاقِهِ سُلُساً فِي قِيَادِهِ أَمْراً تَشَابَهَتِ اَلْقُلُوبُ فِيهِ وَ تَتَابَعَتِ اَلْقُرُونُ عَلَيْهِ وَ كِبْراً تَضَايَقَتِ اَلصُّدُورُ بِهِ أَلاَ فَالْحَذَرَ اَلْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَ كُبَرَائِكُمْ اَلَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَ تَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ وَ أَلْقَوُا اَلْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ وَ جَاحَدُوا اَللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ وَ مُغَالَبَةً لآِلاَئِهِ فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ آسَاسِ اَلْعَصَبِيَّةِ وَ دَعَائِمُ أَرْكَانِ اَلْفِتْنَةِ وَ سُيُوفُ اِعْتِزَاءِ اَلْجَاهِلِيَّةِ فَاتَّقُوا اَللَّهَ وَ لاَ تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً وَ لاَ لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً

[ 147 ]

وَ لاَ تُطِيعُوا اَلْأَدْعِيَاءَ اَلَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ وَ خَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ وَ أَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ وَ هُمْ أَسَاسُ آسَاسُ اَلْفُسُوقِ وَ أَحْلاَسُ اَلْعُقُوقِ اِتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلاَلٍ وَ جُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى اَلنَّاسِ وَ تَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ اِسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ وَ دُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ وَ نَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ وَ مَوْطِئَ قَدَمِهِ وَ مَأْخَذَ يَدِهِ فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ اَلْأُمَمَ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اَللَّهِ وَ صَوْلاَتِهِ وَ وَقَائِعِهِ وَ مَثُلاَتِهِ وَ اِتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ وَ مَصَارِعُ جُنُوبِهِمْ وَ اِسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِحِ اَلْكِبْرِ كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ اَلدَّهْرِ أمعنتم في البغي بالغتم فيه من أمعن في الأرض أي ذهب فيها بعيدا و مصارحة لله أي مكاشفة . و المناصبة المعاداة . و ملاقح الشنئان قال الراوندي الملاقح هي الفحول التي تلقح و ليس بصحيح نص الجوهري على أن الوجه لواقح كما جاء في القرآن وَ أَرْسَلْنَا اَلرِّياحَ لَواقِحَ و قال هو من النوادر لأن الماضي رباعي و الصحيح أن ملاقح هاهنا جمع ملقح و هو المصدر من لقحت كضربت مضربا و شربت مشربا و يجوز فتح النون من الشنئان و تسكينها و هو البغض . و منافخ الشيطان جمع منفخ و هو مصدر أيضا من نفخ و نفخ الشيطان و نفثه

[ 148 ]

واحد و هو وسوسته و تسويله و يقال للمتطاول إلى ما ليس له قد نفخ الشيطان في أنفه . و

في كلامه ع يقوله لطلحة و هو صريع و قد وقف عليه و أخذ سيفه سيف طالما جلى به الكرب عن وجه رسول الله ص و لكن الشيطان نفخ في أنفه . قوله و أعنقوا أصرعوا و فرس معناق و السير العنق قال الراجز

يا ناق سيري عنقا فسيحا
إلى سليمان فنستريحا

و الحنادس الظلم . و المهاوي جمع مهواة بالفتح و هي الهوة يتردى الصيد فيها و قد تهاوى الصيد في المهواة إذا سقط بعضه في أثر بعض . قوله ع ذللا عن سياقه انتصب على الحال جمع ذلول و هو السهل المقادة و هو حال من الضمير في أعنقوا أي أسرعوا منقادين لسوقه إياهم . و سلسا جمع سلس و هو السهل أيضا و إنما قسم ذللا و سلسا بين سياقه و قياده لأن المستعمل في كلامهم قدت الفرس فوجدته سلسا أو صعبا و لا يستحسنون سقته فوجدته سلسا أو صعبا و إنما المستحسن عندهم سقته فوجدته ذلولا أو شموسا . قوله ع أمرا منصوب بتقدير فعل أي اعتمدوا أمرا و كبرا معطوف عليه أو ينصب كبرا على المصدر بأن يكون اسما واقعا موقعه كالعطاء موضع الإعطاء . و قال الراوندي أمرا منصوب هاهنا لأنه مفعول به و ناصبه المصدر الذي هو سياقه و قياده تقول سقت و قدت قيادا و هذا غير صحيح لأن مفعول هذين المصدرين محذوف تقديره عن سياقه إياهم و قياده إياهم و هذا هو معنى الكلام و لو فرضنا مفعول

[ 149 ]

أحد هذين المصدرين أمرا لفسد معنى الكلام و قال الراوندي أيضا و يجوز أن يكون أمرا حالا و هذا أيضا ليس بشي‏ء لأن الحال وصف هيئة الفاعل أو المفعول و أمرا ليس كذلك . قوله ع تشابهت القلوب فيه أي أن الحمية و الفخر و الكبر و العصبية ما زالت القلوب متشابهة متماثلة فيها . و تتابعت القرون عليه جمع قرن بالفتح و هي الأمة من الناس . و كبرا تضايقت الصدور به أي كبر في الصدور حتى امتلأت به و ضاقت عنه لكثرته . ثم أمر بالحذر من طاعة الرؤساء أرباب الحمية و فيه إشارة إلى قوله تعالى إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ . و قد كان أمر في الفصل الأول بالتواضع لله و نهى هاهنا عن التواضع للرؤساء و قد جاء

في الخبر المرفوع ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء و أحسن منه تكبر الفقراء على الأغنياء . الذين تكبروا عن حسبهم أي جهلوا أنفسهم و لم يفكروا في أصلهم من النطف المستقذرة من الطين المنتن قال الشاعر

ما بال من أوله نطفة
و جيفة آخره يفخر
يصبح لا يملك تقديم ما
يرجو و لا تأخير ما يحذر

قوله ع و ألقوا الهجينة على ربهم روي الهجينة على فعيلة كالطبيعة و الخليقة و روي الهجنة على فعلة كالمضغة و اللقمة و المراد بهما الاستهجان من قولك هو يهجن كذا أي يقبحه و يستهجنه أي يستقبحه أي نسبوا ما في الأنساب

[ 150 ]

من القبح بزعمهم إلى ربهم مثل أن يقولوا للرجل أنت عجمي و نحن عرب فإن هذا ليس إلى الإنسان بل هو إلى الله تعالى فأي ذنب له فيه . قوله و جاحدوا الله أي كابروه و أنكروا صنعه إليهم . و آساس بالمد جمع أساس . و اعتزاء الجاهلية قولهم يا لفلان و سمع أبي بن كعب رجلا يقول يا لفلان فقال عضضت بهن أبيك فقيل له يا أبا المنذر ما كنت فحاشا

قال سمعت رسول الله ص يقول من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه و لا تكنوا . قوله فلا تكونوا لنعمة الله أضدادا لأن البغي و الكبر يقتضيان زوال النعمة و تبدلها بالنقمة . قوله و لا تطيعوا الأدعياء مراده هاهنا بالأدعياء الذين ينتحلون الإسلام و يبطنون النفاق . ثم وصفهم فقال الذين شربتم بصفوكم كدرهم أي شربتم كدرهم مستبدلين ذلك بصفوكم و يروى الذين ضربتم أي مزجتم و يروى شريتم أي بعتم و استبدلتم . و الأحلاس جمع حلس و هو كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازما له فقيل لكل ملازم أمر هو حلس ذلك الأمر . و الترجمان بفتح التاء هو الذي يفسر لسانا بلسان غيره و قد تضم التاء و يروى و نثا في أسماعكم من نث الحديث أي أفشاه

[ 151 ]

فَلَوْ رَخَّصَ اَللَّهُ فِي اَلْكِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ اَلتَّكَابُرَ وَ رَضِيَ لَهُمُ اَلتَّوَاضُعَ فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ وَ عَفَّرُوا فِي اَلتُّرَابِ وُجُوهَهُمْ وَ خَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ كَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ قَدِ اِخْتَبَرَهُمُ اَللَّهُ بِالْمَخْمَصَةِ وَ اِبْتَلاَهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ وَ اِمْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ وَ مَخَضَهُمْ مَحَّصَهُمْ بِالْمَكَارِهِ فَلاَ تَعْتَبِرُوا اَلرِّضَا اَلرِّضَى وَ اَلسُّخْطَ بِالْمَالِ وَ اَلْوَلَدِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ اَلْفِتْنَةِ وَ اَلاِخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ اَلْغِنَى وَ اَلْإِقْتِدَارِ اَلْإِقْتَارِ فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي اَلْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ التكابر التعاظم و الغرض مقابلة لفظة التواضع لتكون الألفاظ مزدوجة . و عفر وجهه ألصقه بالعفر . و خفضوا أجنحتهم ألانوا جانبهم . و المخمصة الجوع و المجهدة المشقة و أمير المؤمنين ع كثير الاستعمال لمفعل و مفعلة بمعنى المصدر إذا تصفحت كلامه عرفت ذلك . و محصهم أي طهرهم و روي مخضهم بالخاء و الضاد المعجمة أي حركهم و زلزلهم .

[ 152 ]

ثم نهى أن يعتبر رضا الله و سخطه بما نراه من إعطائه الإنسان مالا و ولدا فإن ذلك جهل بمواقع الفتنة و الاختبار . و قوله تعالى أَ يَحْسَبُونَ الآية دليل على ما قاله ع و الأدلة العقلية أيضا دلت على أن كثيرا من الآلام و الغموم و البلوى إنما يفعله الله تعالى للألطاف و المصالح و ما الموصولة في الآية يعود إليها محذوف و مقدر لا بد منه و إلا كان الكلام غير منتظم و غير مرتبط بعضه ببعض و تقديره نسارع لهم في الخيرات : فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ وَ لَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَ مَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ ع عَلَى فِرْعَوْنَ وَ عَلَيْهِمَا مَدَارِعُ اَلصُّوفِ وَ بِأَيْدِيهِمَا اَلْعِصِيُّ فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بَقَاءَ مُلْكِهِ وَ دَوَامِ عِزِّهِ فَقَالَ أَ لاَ تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ اَلْعِزِّ وَ بَقَاءَ اَلْمُلْكِ وَ هُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ اَلْفَقْرِ وَ اَلذُّلِّ فَهَلاَّ أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَ جَمْعِهِ وَ اِحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَ لُبْسِهِ وَ لَوْ أَرَادَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ اَلذِّهْبَانِ وَ مَعَادِنَ اَلْعِقْيَانِ وَ مَغَارِسَ اَلْجِنَانِ وَ أَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ اَلسَّمَاءِ وَ وُحُوشَ اَلْأَرَضِينَ لَفَعَلَ وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ اَلْبَلاَءُ وَ بَطَلَ اَلْجَزَاءُ وَ اِضْمَحَلَّتِ اَلْأَنْبَاءُ وَ لَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ اَلْمُبْتَلَيْنَ وَ لاَ اِسْتَحَقَّ اَلْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ اَلْمُحْسِنِينَ وَ لاَ لَزِمَتِ اَلْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا وَ لَكِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ وَ ضَعَفَةً فِيمَا

[ 153 ]

تَرَى اَلْأَعْيُنُ مِنْ حَالاَتِهِمْ مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ اَلْقُلُوبَ وَ اَلْعُيُونَ غِنًى وَ خَصَاصَةٍ تَمْلَأُ اَلْأَبْصَارَ وَ اَلْأَسْمَاعَ أَذًى مدارع الصوف جمع مدرعة بكسر الميم و هي كالكساء و تدرع الرجل و تمدرع إذا لبسها و العصي جمع عصا . و تقول هذا سوار المرأة و الجمع أسورة و جمع الجمع أساورة و قرئ فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ و قد يكون جمع أساور قال سبحانه يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ قال أبو عمرو بن العلاء أساور هاهنا جمع إسوار و هو السوار . و الذهبان بكسر الذال جمع ذهب كخرب لذكر الحبارى و خربان و العقيان الذهب أيضا قوله ع و اضمحلت الأنباء أي تلاشت و فنيت و الأنباء جمع نبأ و هو الخبر أي لسقط الوعد و الوعيد و بطلا . قوله ع و لا لزمت الأسماء معانيها أي من يسمى مؤمنا أو مسلما حينئذ فإن تسميته مجاز لا حقيقة لأنه ليس بمؤمن إيمانا من فعله و كسبه بل يكون ملجأ إلى الإيمان بما يشاهده من الآيات العظيمة . و المبتلين بفتح اللام جمع مبتلى كالمعطين و المرتضين جمع معطى و مرتضى . و الخصاصة الفقر .

[ 154 ]

و هذا الكلام هو ما يقوله أصحابنا بعينه في تعليل أفعال الباري سبحانه بالحكمة و المصلحة و أن الغرض بالتكليف هو التعريض للثواب و أنه يجب أن يكون خالصا من الإلجاء و من أن يفعل الواجب بوجه غير وجه وجوبه يرتدع عن القبيح لوجه غير وجه قبحه . و روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ أن موسى قدم هو و أخوه هارون مصر على فرعون لما بعثهما الله تعالى إليه حتى وقفا على بابه يلتمسان الإذن عليه فمكثا سنين يغدوان على بابه و يروحان لا يعلم بهما و لا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما و قد كانا قالا لمن بالباب إنا رسولا رب العالمين إلى فرعون حتى دخل عليه بطال له يلاعبه و يضحكه فقال له أيها الملك إن على الباب رجلا يقول قولا عجيبا عظيما و يزعم أن له إلها غيرك قال ببابي قال نعم قال أدخلوه فدخل و بيده عصاه و معه هارون أخوه فقال أنا رسول رب العالمين إليك و ذكر تمام الخبر . فإن قلت أي خاصية في الصوف و لبسه و لم اختاره الصالحون على غيره قلت ورد في الخبر أن أول لباس لبسه آدم لما هبط إلى الأرض صوف كبش قيضه الله له و أمره أن يذبحه فيأكل لحمه و يلبس صوفه لأنه أهبط عريان من الجنة فذبحه و غزلت حواء صوفه فلبس آدم منه ثوبا و ألبس حواء ثوبا آخر فلذلك صار شعار الأولياء و انتسبت إليه الصوفية

[ 155 ]

وَ لَوْ كَانَتِ اَلْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لاَ تُرَامُ وَ عِزَّةٍ لاَ تُضَامُ وَ مُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ اَلرِّجَالِ وَ تُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ اَلرِّحَالِ لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى اَلْخَلْقِ فِي اَلاِعْتِبَارِ وَ أَبْعَدَ لَهُمْ مِنَ فِي اَلاِسْتِكْبَارِ وَ لآَمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ فَكَانَتِ اَلنِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً وَ اَلْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً وَ لَكِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ اَلاِتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ وَ اَلتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ وَ اَلْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ وَ اَلاِسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ وَ اَلاِسْتِسْلاَمُ لِطَاعَتِهِ أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لاَ تَشُوبُهَا يَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ تمد نحوه أعناق الرجال أي لعظمته أي يؤمله المؤملون و يرجوه الراجون و كل من أمل شيئا فقد طمح ببصره إليه معنى لا صورة فكنى عن ذلك بمد العنق . و تشد إليه عقد الرحال يسافر أرباب الرغبات إليه يقول لو كان الأنبياء ملوكا ذوي بأس و قهر لم يمكن إيمان الخلق و انقيادهم إليهم لأن الإيمان في نفسه واجب عقلا بل كان لرهبة لهم أو رغبة فيهم فكانت النيات مشتركة هذا فرض سؤال و جواب عنه كأنه قال لنفسه لم لا يجوز أن يكون إيمانهم على هذا التقدير لوجوبه و لخوف ذلك النبي أو لرجاء نفع ذلك النبي ص فقال لأن النيات تكون حينئذ مشتركة أي يكون المكلف قد فعل الإيمان لكلا الأمرين و كذلك تفسير قوله و الحسنات مقتسمة قال و لا يجوز أن تكون طاعة الله تعالى تعلو إلا لكونها طاعة له لا غير و لا يجوز أن يشوبها و يخالطها من غيرها شائبة .

[ 156 ]

فإن قلت ما معنى قوله لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار و أبعد لهم من الاستكبار قلت أي لو كان الأنبياء كالملوك في السطوة و البطش لكان المكلف لا يشق عليه الاعتبار و الانزجار عن القبائح مشقته عليه إذا تركه لقبحه لا لخوف السيف و كان بعد المكلفين عن الاستكبار و البغي لخوف السيف و التأديب أعظم من بعدهم عنهما إذا تركوهما لوجه قبحهما فكان يكون ثواب المكلف إما ساقطا و إما ناقصا : وَ كُلَّمَا كَانَتِ اَلْبَلْوَى وَ اَلاِخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ اَلْمَثُوبَةُ وَ اَلْجَزَاءُ أَجْزَلَ أَ لاَ تَرَوْنَ أَنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ اِخْتَبَرَ اَلْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ص إِلَى اَلآْخِرِينَ مِنْ هَذَا اَلْعَالَمِ بِأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَ لاَ تَنْفَعُ وَ لاَ تُبْصِرُ وَ لاَ تَسْمَعُ فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ اَلْحَرَامَ اَلَّذِي جَعَلَهُ اَللَّهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ اَلْأَرْضِ حَجَراً وَ أَقَلِّ نَتَائِقِ اَلدُّنْيَا مَدَراً وَ أَضْيَقِ بُطُونِ اَلْأَوْدِيَةِ قُطْراً بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ وَ رِمَالٍ دَمِثَةٍ وَ عُيُونٍ وَشِلَةٍ وَ قُرًى مُنْقَطِعَةٍ لاَ يَزْكُو بِهَا خُفٌّ وَ لاَ حَافِرٌ وَ لاَ ظِلْفٌ ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ ع وَ وَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ وَ غَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ اَلْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ وَ مَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ وَ جَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ وَ يَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ قَدْ نَبَذُوا اَلسَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ شَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ اَلشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ اِبْتِلاَءً عَظِيماً وَ اِمْتِحَاناً شَدِيداً وَ اِخْتِبَاراً مُبِيناً وَ تَمْحِيصاً بَلِيغاً جَعَلَهُ اَللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ وَ وُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ

[ 157 ]

وَ لَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ اَلْحَرَامَ وَ مَشَاعِرَهُ اَلْعِظَامَ بَيْنَ جَنَّاتٍ وَ أَنْهَارٍ وَ سَهْلٍ وَ قَرَارٍ جَمَّ اَلْأَشْجَارِ دَانِيَ اَلثِّمَارِ مُلْتَفَّ اَلْبُنَى مُتَّصِلَ اَلْقُرَى بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ وَ رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ وَ أَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ وَ عِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ وَ زُرُوعٍ رِيَاضٍ نَاضِرَةٍ وَ طُرُقٍ عَامِرَةٍ لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ اَلْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ اَلْبَلاَءِ وَ لَوْ كَانَ اَلْأَسَاسُ اَلْإِسَاسُ اَلْمَحْمُولُ عَلَيْهَا وَ اَلْأَحْجَارُ اَلْمَرْفُوعُ بِهَا مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ وَ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَ نُورٍ وَ ضِيَاءٍ لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ اَلشَّكِّ فِي اَلصُّدُورِ وَ لَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ اَلْقُلُوبِ وَ لَنَفَى مُعْتَلَجَ اَلرَّيْبِ مِنَ اَلنَّاسِ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ اَلشَّدَائِدِ وَ يَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ اَلْمَجَاهِدِ وَ يَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ اَلْمَكَارِهِ إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَ إِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ وَ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ وَ أَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِهِ كانت المثوبة أي الثواب . و أجزل أكثر و الجزيل العظيم و عطاء جزل و جزيل و الجمع جزال و قد أجزلت له من العطاء أي أكثرت . و جعله للناس قياما أي عمادا و فلان قيام أهله أي يقيم شئونهم و منه قوله تعالى وَ لا تُؤْتُوا اَلسُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ قِياماً . و أوعر بقاع الأرض حجرا أي أصعبها و مكان وعر بالتسكين صعب المسلك أو المقام .

[ 158 ]

و أقل نتائق الدنيا مدرا أصل هذه اللفظة من قولهم امرأة منتاق أي كثيرة الحبل و الولادة و يقال ضيعة منتاق أي كثيرة الريع فجعل ع الضياع ذوات المدر التي تثار للحرث نتائق و قال إن مكة أقلها صلاحا للزرع لأن أرضها حجرية . و القطر الجانب و رمال دمثة سهلة و كلما كان الرمل أسهل كان أبعد عن أن ينبت . و عيون وشلة أي قليلة الماء و الوشل بفتح الشين الماء القليل و يقال وشل الماء وشلانا أي قطر . قوله لا يزكو بها خف أي لا تزيد الإبل فيها أي لا تسمن و الخف هاهنا هو الإبل و الحافر الخيل و الحمير و الظلف الشاة أي ليس حولها مرعى يرعاه الغنم فتسمن . و أن يثنوا أعطافهم نحوه أي يقصدوه و يحجوه و عطفا الرجل جانباه . و صار مثابة أي يثاب إليه و يرجع نحوه مرة بعد أخرى و هذه من ألفاظ الكتاب العزيز . قوله ع لمنتجع أسفارهم أي لنجعتها و النجعة طلب الكلأ في الأصل ثم سمي كل من قصد أمرا يروم النفع منه منتجعا . قوله و غاية لملقى رحالهم أي صار البيت هو الغاية التي هي الغرض و المقصد و عنده تلقى الرحال أي تحط رحال الإبل عن ظهورها و يبطل السفر لأنهم قد انتهوا إلى الغاية المقصودة .

[ 159 ]

قوله تهوي إليه ثمار الأفئدة ثمرة الفؤاد هو سويداء القلب و منه قولهم للولد هو ثمرة الفؤاد و معنى تهوي إليه أي تتشوقه و تحن نحوه . و المفاوز هي جمع مفازة الفلاة سميت مفازة إما لأنها مهلكة من قولهم فوز الرجل أي هلك و أما تفاؤلا بالسلامة و الفوز و الرواية المشهورة من مفاوز قفار بالإضافة و قد روى قوم من مفاوز بفتح الزاء لأنه لا ينصرف و لم يضيفوا جعلوا قفار صفة . و السحيقة البعيدة . و المهاوي المساقط . و الفجاج جمع فج و هو الطريق بين الجبلين . قوله ع حتى يهزوا مناكبهم أي يحركهم الشوق نحوه إلى أن يسافروا إليه فكنى عن السفر بهز المناكب . و ذللا حال إما منهم و إما من المناكب و واحد المناكب منكب بكسر الكاف و هو مجمع عظم العضد و الكتف . قوله و يهللون يقولون لا إله إلا الله و روي يهلون لله أي يرفعون أصواتهم بالتلبية و نحوها . و يرملون الرمل السعي فوق المشي قليلا . شعثا غبرا لا يتعهدون شعورهم و لا ثيابهم و لا أبدانهم قد نبذوا السرابيل و رموا ثيابهم و قمصانهم المخيطة . و شوهوا بإعفاء الشعور أي غيروا و قبحوا محاسن صورهم بأن أعفوا شعورهم فلم يحلقوا ما فضل منها و سقط على الوجه و نبت في غيره من الأعضاء التي جرت العادة بإزالتها عنها .

[ 160 ]

و التمحيص التطهير من محصت الذهب بالنار إذا صفيته مما يشوبه و التمحيص أيضا الامتحان و الاختبار و المشاعر معالم النسك . قوله و سهل و قرار أي في مكان سهل يستقر فيه الناس و لا ينالهم من المقام به مشقة . و جم الأشجار كثيرها و داني الثمار قريبها . و ملتف البنى مشتبك العمارة . و البرة الواحدة من البر و هو الحنطة . و الأرياف جمع ريف و هو الخصب و المرعى في الأصل و هو هاهنا السواد و المزارع و محدقة محيطة و مغدقة غزيرة و الغدق الماء الكثير . و ناضرة ذات نضارة و رونق و حسن . قوله و لو كانت الإساس يقول لو كانت إساس البيت التي حمل البيت عليها و أحجاره التي رفع بها من زمردة و ياقوتة فالمحمول و المرفوع كلاهما مرفوعان لأنهما صفة اسم كان و الخبر من زمردة و روي بين زمردة و يجوز أن تحمل لفظتا المفعول و هما المحمول و المرفوع ضمير البيت فيكون قائما مقام اسم الفاعل و يكون موضع الجار و المجرور نصبا و يجوز ألا تحملهما ذلك الضمير و يجعل الجار و المجرور هو الساد مسد الفاعل فيكون موضعه رفعا . و روي مضارعة الشك بالضاد المعجمة و معناه مقارنة الشك و دنوه من النفس و أصله من مضارعة القدر إذا حان إدراكها و من مضارعة الشمس إذا دنت للمغيب . و قال الراوندي في تفسير هذه الكلمة من مضارعة الشك أي مماثلته و مشابهته و هذا بعيد لأنه لا معنى للمماثلة و المشابهة هاهنا و الرواية الصحيحة بالصاد المهملة . قوله ع و لنفى متعلج الريب أي اعتلاجه أي و لنفى اضطراب الشك في القلوب و روي يستعبدهم و يتعبدهم و الثانية أحسن .

[ 161 ]

و المجاهد جمع مجهدة و هي المشقة . و أبوابا فتحا أي مفتوحة و أسبابا ذللا أي سهلة . و اعلم أن محصول هذا الفصل أنه كلما كانت العبادة أشق كان الثواب عليها أعظم و لو أن الله تعالى جعل العبادات سهلة على المكلفين لما استحقوا عليها من الثواب إلا قدرا يسيرا بحسب ما يكون فيها من المشقة اليسيرة . فإن قلت فهل كان البيت الحرام موجودا أيام آدم ع ثم أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه قلت نعم هكذا روى أرباب السير و أصحاب التواريخ

روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه عن ابن عباس أن الله تعالى أوحى إلى آدم لما أهبطه إلى الأرض أن لي حرما حيال عرشي فانطلق فابن لي بيتا فيه ثم طف به كما رأيت ملائكتي تحف بعرشي فهنالك أستجيب دعاءك و دعاء من يحف به من ذريتك فقال آدم إني لست أقوى على بنائه و لا أهتدي إليه فقيض الله تعالى له ملكا فانطلق به نحو مكة و كان آدم في طريقه كلما رأى روضة أو مكانا يعجبه سأل الملك أن ينزل به هناك ليبني فيه فيقول الملك إنه ليس هاهنا حتى أقدمه مكة فبنى البيت من خمسة جبال طور سيناء و طور زيتون و لبنان و الجودي و بنى قواعده من حراء فلما فرغ خرج به الملك إلى عرفات فأراه المناسك كلها التي يفعلها الناس اليوم ثم قدم به مكة و طاف بالبيت أسبوعا ثم رجع إلى أرض الهند فمات . و روى الطبري في التاريخ أن آدم حج من أرض الهند إلى الكعبة أربعين حجة على رجليه .

[ 162 ]

و

قد روي أن الكعبة أنزلت من السماء و هي ياقوتة أو لؤلؤة على اختلاف الروايات و أنها بقيت على تلك الصورة إلى أن فسدت الأرض بالمعاصي أيام نوح و جاء الطوفان فرفع البيت و بنى إبراهيم هذه البنية على قواعده القديمة و

روى أبو جعفر عن وهب بن منبه أن آدم دعا ربه فقال يا رب أ ما لأرضك هذه عامر يسبحك و يقدسك فيها غيري فقال الله إني سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدي و يقدسني و سأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري يسبحني فيها خلقي و يذكر فيها اسمي و سأجعل من تلك البيوت بيتا أختصه بكرامتي و أوثره باسمي فأسميه بيتي و عليه وضعت جلالتي و خصصته بعظمتي و أنا مع ذلك في كل شي‏ء أجعل ذلك البيت حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله و من تحته و من فوقه فمن حرمه بحرمتي استوجب كرامتي و من أخاف أهله فقد أباح حرمتي و استحق سخطي و أجعله بيتا مباركا يأتيه بنوك شعثا غبرا على كل ضامر من كل فج عميق يرجون بالتلبية رجيجا و يعجون بالتكبير عجيجا من اعتمده لا يريد غيره و وفد إلي و زارني و استضاف بي أسعفته بحاجته و حق على الكريم أن يكرم وفده و أضيافه تعمره يا آدم ما دمت حيا ثم تعمره الأمم و القرون و الأنبياء من ولدك أمة بعد أمة و قرنا بعد قرن . قال ثم أمر آدم أن يأتي إلى البيت الحرام الذي أهبط له إلى الأرض فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول العرش و كان البيت حينئذ من درة أو من ياقوتة فلما أغرق الله تعالى قوم نوح رفعه و بقي أساسه فبوأه الله لإبراهيم فبناه

[ 163 ]

فَاللَّهَ اَللَّهَ فِي عَاجِلِ اَلْبَغْيِ وَ آجِلِ وَخَامَةِ اَلظُّلْمِ وَ سُوءِ عَاقِبَةِ اَلْكِبْرِ فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ اَلْعُظْمَى وَ مَكِيدَتُهُ اَلْكُبْرَى اَلَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ اَلرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ اَلسُّمُومِ اَلْقَاتِلَةِ فَمَا تُكْدِي أَبَداً وَ لاَ تُشْوِي أَحَداً لاَ عَالِماً لِعِلْمِهِ وَ لاَ مُقِلاًّ فِي طِمْرِهِ وَ عَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اَللَّهُ عِبَادَهُ اَلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَ اَلزَّكَوَاتِ وَ مُجَاهَدَةِ اَلصِّيَامِ فِي اَلْأَيَّامِ اَلْمَفْرُوضَاتِ تَسْكِيناً لِأَطْرَافِهِمْ وَ تَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ وَ تَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ وَ تَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ وَ إِذْهَاباً لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ وَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ اَلْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً وَ اِلْتِصَاقِ كَرَائِمِ اَلْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً وَ لُحُوقِ اَلْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ اَلصِّيَامِ تَذَلُّلاً مَعَ مَا فِي اَلزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ اَلْأَرْضِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ اَلْمَسْكَنَةِ وَ اَلْفَقْرِ اُنْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ اَلْأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ اَلْفَخْرِ وَ قَدْعِ طَوَالِعِ اَلْكِبْرِ بلدة وخمة و وخيمة بينة الوخامة أي وبيئة . مصيدة إبليس بسكون الصاد و فتح الياء آلته التي يصطاد بها . و تساور قلوب الرجال تواثبها و سار إليه يسور أي وثب و المصدر السور و مصدر تساور المساورة و يقال إن لغضبه سورة و هو سوار أي وثاب معربد .

[ 164 ]

و سورة الشراب وثوبه في الرأس و كذلك مساورة السموم التي ذكرها أمير المؤمنين ع . و ما تكدي ما ترد عن تأثيرها من قولك أكدى حافر الفرس إذا بلغ الكدية و هي الأرض الصلبة فلا يمكنه أن يحفر . و لا تشوي أحدا لا تخطئ المقتل و تصيب غيره و هو الشوى و الشوى الأطراف كاليد و الرجل . قال لا ترد مكيدته عن أحد لا عن عالم لأجل علمه و لا عن فقير لطمره و الطمر الثوب الخلق . و ما في قوله و عن ذلك ما حرس الله زائدة مؤكدة أي عن هذه المكايد التي هي البغي و الظلم و الكبر حرس الله عباده فعن متعلقة بحرس و قال الراوندي يجوز أن تكون مصدرية فيكون موضعها رفعا بالابتداء و خبر المبتدأ قوله لما في ذلك و قال أيضا يجوز أن تكون نافية أي لم يحرس الله عباده عن ذلك إلجاء و قهرا بل فعلوه اختيارا من أنفسهم و الوجه الأول باطل لأن عن على هذا التقدير تكون من صلة المصدر فلا يجوز تقديمها عليه و أيضا فإن لما في ذلك لو كان هو الخبر لتعلق لام الجر بمحذوف فيكون التقدير حراسة الله لعباده عن ذلك كائنة لما في ذلك من تعفير الوجوه بالتراب و هذا كلام غير مفيد و لا منتظم إلا على تأويل بعيد لا حاجة إلى تعسفه و الوجه الثاني باطل لأن سياقة الكلام تدل على فساده أ لا ترى قوله تسكينا و تخشيعا و قوله لما في ذلك من كذا و هذا كله تعليل الحاصل الثابت لا تعليل المنفي المعدوم . ثم بين ع الحكمة في العبادات فقال إنه تعالى حرس عباده بالصلوات

[ 165 ]

التي افترضها عليهم من تلك المكايد و كذلك بالزكاة و الصوم ليسكن أطرافهم و يخشع أبصارهم فجعل التسكين و التخشيع عذرا و علة للحراسة و نصب اللفظات على أنها مفعول له . ثم علل السكون و الخشوع الذي هو علة الحراسة لما في الصلاة من تعفير الوجه على التراب فصار ذلك علة العلة قال و ذلك لأن تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعا يوجب هضم النفس و كسرها و تذليلها . و عتاق الوجوه كرائمها . و إلصاق كرائم الجوارح بالأرض كاليدين و الساقين تصاغرا يوجب الخشوع و الاستسلام و الجوع في الصوم الذي يلحق البطن في المتن يقتضي زوال الأشر و البطر و يوجب مذلة النفس و قمعها عن الانهماك في الشهوات و ما في الزكاة من صرف فواضل المكاسب إلى أهل الفقر و المسكنة يوجب تطهير النفوس و الأموال و مواساة أرباب الحاجات بما تسمح به النفوس من الأموال و عاصم لهم من السرقات و ارتكاب المنكرات ففي ذلك كله دفع مكايد الشيطان . و تخفيض القلوب حطها عن الاعتلاء و التيه . و الخيلاء التكبر و المسكنة أشد الفقر في أظهر الرأيين . و القمع القهر . و النواجم جمع ناجمة و هي ما يظهر و يطلع من الكبر و غيره . و القدع بالدال المهملة الكف قدعت الفرس و كبحته باللجام أي كففته . و الطوالع كالنواجم

[ 166 ]

وَ لَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ اَلْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْ‏ءٍ مِنَ اَلْأَشْيَاءِ إِلاَّ عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ اَلْجُهَلاَءِ أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ اَلسُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرٍ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَ لاَ عِلَّةٌ أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ وَ طَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ فَقَالَ أَنَا نَارِيٌّ وَ أَنْتَ طِينِيٌّ وَ أَمَّا اَلْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ اَلْأُمَمِ فَتَعَصَّبُوا لآِثَارِ مَوَاقِعِ اَلنِّعَمِ فَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَ أَوْلاَداً وَ مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنَ اَلْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ اَلْخِصَالِ وَ مَحَامِدِ اَلْأَفْعَالِ وَ مَحَاسِنِ اَلْأُمُورِ اَلَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا اَلْمُجَدَاءُ وَ اَلنُّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ اَلْعَرَبِ وَ يَعَاسِيبِ اَلقَبَائِلِ بِالْأَخْلاَقِ اَلرَّغِيبَةِ وَ اَلْأَحْلاَمِ اَلْعَظِيمَةِ وَ اَلْأَخْطَارِ اَلْجَلِيلَةِ وَ اَلآْثَارِ اَلْمَحْمُودَةِ فَتَعَصَّبُوا لِخِلاَلِ اَلْحَمْدِ مِنَ اَلْحِفْظِ لِلْجِوَارِ وَ اَلْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ وَ اَلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ وَ اَلْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ وَ اَلْأَخْذِ بِالْفَضْلِ وَ اَلْكَفِّ عَنِ اَلْبَغْيِ وَ اَلْإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ وَ اَلْإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ وَ اَلْكَظْمِ لِلْغَيْظِ وَ اِجْتِنَابِ اَلْفَسَادِ فِي اَلْأَرْضِ قد روي تحتمل بالتاء و روي تحمل و المعنى واحد . و التمويه التلبيس من موهت النحاس إذا طليته بالذهب ليخفى . و لاط الشي‏ء بقلبي يلوط و يليط أي التصق . و المترف الذي أطغته النعمة .

[ 167 ]

و تفاضلت فيها أي تزايدت . و المجداء جمع ماجد و المجد الشرف في الآباء و الحسب و الكرم يكونان في الرجل و إن لم يكونا في آبائه هكذا قال ابن السكيت و قد اعترض عليه بأن المجيد من صفات الله تعالى قال سبحانه ذُو اَلْعَرْشِ اَلْمَجِيدُ على قراءة من رفع و الله سبحانه يتعالى عن الآباء و قد جاء في وصف القرآن المجيد قال سبحانه بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . و النجداء الشجعان واحدهم نجيد و أما نجد و نجد بالكسر و الضم فجمعه أنجاد مثل يقظ و أيقاظ . و بيوتات العرب قبائلها و يعاسيب القبائل رؤساؤها و اليعسوب في الأصل ذكر النحل و أميرها . و الرغيبة الخصلة يرغب فيها . و الأحلام العقول و الأخطار الأقدار . ثم أمرهم بأن يتعصبوا لخلال الحمد و عددها و ينبغي أن يحمل قوله ع فإنكم تتعصبون لأمر ما يعرف له سبب و لا علة على أنه لا يعرف له سبب مناسب فكيف يمكن أن يتعصبوا لغير سبب أصلا . و قيل إن أصل هذه العصبية و هذه الخطبة أن أهل الكوفة كانوا قد فسدوا في آخر خلافة أمير المؤمنين و كانوا قبائل في الكوفة فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمر بمنازل قبيلة أخرى فينادي باسم قبيلته يا للنخع مثلا أو يا لكندة نداء عاليا يقصد به الفتنة و إثارة الشر فيتألب عليه فتيان القبيلة التي مر بها فينادون يا لتميم

[ 168 ]

و يا لربيعة و يقبلون إلى ذلك الصائح فيضربونه فيمضي إلى قبيلته فيستصرخها فتسل السيوف و تثور الفتن و لا يكون لها أصل في الحقيقة إلا تعرض الفتيان بعضهم ببعض : وَ اِحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ اَلْمَثُلاَتِ بِسُوءِ اَلْأَفْعَالِ وَ ذَمِيمِ اَلْأَعْمَالِ فَتَذَكَّرُوا فِي اَلْخَيْرِ وَ اَلشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ وَ اِحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ اَلْعِزَّةُ بِهِ شَأْنَهُمْ حَالَهُمْ وَ زَاحَتِ اَلْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ وَ مُدَّتِ اَلْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ وَ اِنْقَادَتِ اَلنِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ وَ وَصَلَتِ اَلْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ مِنَ اَلاِجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ وَ اَللُّزُومِ لِلْأُلْفَةِ وَ اَلتَّحَاضِّ عَلَيْهَا وَ اَلتَّوَاصِي بِهَا وَ اِجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ وَ أَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ مِنْ تَضَاغُنِ اَلْقُلُوبِ وَ تَشَاحُنِ اَلصُّدُورِ وَ تَدَابُرِ اَلنُّفُوسِ وَ تَخَاذُلِ اَلْأَيْدِي المثلات العقوبات . و ذميم الأفعال ما يذم منها . و تفاوت حاليهم اختلافهما و زاحت الأعداء بعدت و له أي لأجله . و التحاض عليها تفاعل يستدعي وقوع الحض و هو الحث من الجهتين أي يحث بعضهم بعضا . و الفقرة واحدة فقر الظهر و يقال لمن قد أصابته مصيبة شديدة قد كسرت فقرته .

[ 169 ]

و المنة القوة . و تضاغن القلوب و تشاحنها واحد و تخاذل الأيدي ألا ينصر الناس بعضهم بعضا : وَ تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ اَلْمَاضِينَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ اَلتَّمْحِيصِ وَ اَلْبَلاَءِ أَ لَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ اَلْخَلاَئِقِ أَعْبَاءً وَ أَجْهَدَ اَلْعِبَادِ بَلاَءً وَ أَضْيَقَ أَهْلِ اَلدُّنْيَا حَالاً اِتَّخَذَتْهُمُ اَلْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ اَلْعَذَابِ وَ جَرَّعُوهُمْ جُرَعَ اَلْمُرَارِ جَرَّعُوهُمُ اَلْمُرَارَ فَلَمْ تَبْرَحِ اَلْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ اَلْهَلَكَةِ وَ قَهْرِ اَلْغَلَبَةِ لاَ يَجِدُونَ حِيلَةً فِي اِمْتِنَاعٍ وَ لاَ سَبِيلاً إِلَى دِفَاعٍ حَتَّى إِذَا رَأَى اَللَّهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ اَلصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى اَلْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ وَ اَلاِحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ اَلْبَلاَءِ فَرَجاً فَأَبْدَلَهُمُ اَلْعِزَّ مَكَانَ اَلذُّلِّ وَ اَلْأَمْنَ مَكَانَ اَلْخَوْفِ فَصَارُوا مُلُوكاً حُكَّاماً وَ أَئِمَّةً أَعْلاَماً وَ قَدْ بَلَغَتِ اَلْكَرَامَةُ مِنَ اَللَّهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَذْهَبِ اَلآْمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ تدبروا أي تأملوا و التمحيص التطهير و التصفية . و الأعباء الأثقال واحدها عب‏ء . و أجهد العباد أتعبهم . و الفراعنة العتاة و كل عات فرعون . و ساموهم سوء العذاب ألزموهم إياه و هذا إشارة إلى قوله تعالى يَسُومُونَكُمْ سُوءَ

[ 170 ]

اَلْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . و المرار بضم الميم شجر مر في الأصل و استعير شرب المرار لكل من يلقى شديد المشقة . و رأى الله منهم جد الصبر أي أشده . و أئمة أعلاما أي يهتدى بهم كالعلم في الفلاة : فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ اَلْأَمْلاَءُ مُجْتَمِعَةً وَ اَلْأَهْوَاءُ مُؤْتَلِفَةً وَ اَلْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً وَ اَلْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً وَ اَلسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً وَ اَلْبَصَائِرُ نَافِذَةً وَ اَلْعَزَائِمُ وَاحِدَةً أَ لَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ اَلْأَرَضِينَ وَ مُلُوكاً عَلَى رِقَابِ اَلْعَالَمِينَ فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ حِينَ وَقَعَتِ اَلْفُرْقَةُ وَ تَشَتَّتَتِ اَلْأُلْفَةُ وَ اِخْتَلَفَتِ اَلْكَلِمَةُ وَ اَلْأَفْئِدَةُ وَ تَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ وَ تَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ وَ قَدْ خَلَعَ اَللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ وَ سَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ وَ بَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبَراً عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنْكُمْ الأملاء الجماعات الواحد ملأ .

[ 171 ]

و مترادفة متعاونة البصائر نافذة يقال نفذت بصيرتي في هذا الخبر أي اجتمع همي عليه و لم يبق عندي تردد فيه لعلمي به و تحقيقي إياه . و أقطار الأرضين نواحيها و تشتتت تفرقت . و تشعبوا صاروا شعوبا و قبائل مختلفين . و تفرقوا متحزبين اختلفوا أحزابا و روي متحازبين . و غضارة النعمة الطيب اللين منها . و القصص الحديث . يقول انظروا في أخبار من قبلكم من الأمم كيف كانت حالهم في العز و الملك لما كانت كلمتهم واحدة و إلى ما ذا آلت حالهم حين اختلفت كلمتهم فاحذروا أن تكونوا مثلهم و أن يحل بكم إن اختلفتم مثل ما حل بهم : فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَ بَنِي إِسْحَاقَ وَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ع فَمَا أَشَدَّ اِعْتِدَالَ اَلْأَحْوَالِ وَ أَقْرَبَ اِشْتِبَاهَ اَلْأَمْثَالِ تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَ تَفَرُّقِهِمْ لَيَالِيَ كَانَتِ اَلْأَكَاسِرَةُ وَ اَلْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ اَلآْفَاقِ وَ بَحْرِ اَلْعِرَاقِ وَ خُضْرَةِ اَلدُّنْيَا إِلَى مَنَابِتِ اَلشِّيحِ وَ مَهَافِي اَلرِّيحِ وَ نَكَدِ اَلْمَعَاشِ فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَرٍ وَ وَبَرٍ أَذَلَّ اَلْأُمَمِ دَاراً وَ أَجْدَبَهُمْ قَرَاراً لاَ يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا وَ لاَ إِلَى ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ وَ اَلْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ وَ اَلْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ فِي بَلاَءِ أَزْلٍ وَ أَطْبَاقِ جَهْلٍ مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَةٍ وَ أَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ وَ أَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ وَ غَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ

[ 172 ]

لقائل أن يقول ما نعرف أحدا من بني إسحاق و بني إسرائيل احتازتهم الأكاسرة و القياصرة عن ريف الآفاق إلى البادية و منابت الشيح إلا أن يقال يهود خيبر و النضير و بني قريظة و بني قينقاع و هؤلاء نفر قليل لا يعتد بهم و يعلم من فحوى الخطبة أنهم غير مرادين بالكلام و لأنه ع قال تركوهم إخوان دبر و وبر و هؤلاء لم يكونوا من أهل الوبر و الدبر بل من أهل المدر لأنهم كانوا ذوي حصون و آطام و الحاصل أن الذين احتازتهم الأكاسرة و القياصرة من الريف إلى البادية و صاروا أهل وبر ولد إسماعيل لا بنو إسحاق و بنو إسرائيل و الجواب أنه ع ذكر في هذه الكلمات و هي قوله فاعتبروا بحال ولد إسماعيل و بني إسحاق و بني إسرائيل المقهورين و القاهرين جميعا أما المقهورون فبنو إسماعيل و أما القاهرون فبنو إسحاق و بنو إسرائيل لأن الأكاسرة من بني إسحاق ذكر كثير من أهل العلم أن فارس من ولد إسحاق و القياصرة من ولد إسحاق أيضا لأن الروم بنو العيص بن إسحاق و على هذا يكون الضمير في أمرهم و تشتتهم و تفرقهم يرجع إلى بني إسماعيل خاصة . فإن قلت فبنو إسرائيل أي مدخل لهم هاهنا قلت لأن بني إسرائيل لما كانوا ملوكا بالشام في أيام أجاب الملك و غيره حاربوا العرب من بني إسماعيل غير مرة و طردوهم عن الشام و ألجئوهم على المقام ببادية الحجاز و يصير تقدير الكلام فاعتبروا بحال ولد إسماعيل مع بني إسحاق و بني إسرائيل فجاء بهم في صدر الكلام على العموم ثم خصص فقال الأكاسرة و القياصرة و هم داخلون في عموم ولد إسحاق و إنما لم يخصص عموم بني إسرائيل لأن العرب لم تكن تعرف ملوك

[ 173 ]

ولد يعقوب فيذكر لهم أسماءهم في الخطبة بخلاف ولد إسحاق فإنهم كانوا يعرفون ملوكهم من بني ساسان و من بني الأصفر . قوله ع فما أشد اعتدال الأحوال أي ما أشبه الأشياء بعضها ببعض و إن حالكم لشبيهة بحال أولئك فاعتبروا بهم . قوله يحتازونهم عن الريف يبعدونهم عنه و الريف الأرض ذات الخصب و الزرع و الجمع أرياف و رافت الماشية أي رعت الريف و قد أرفنا أي صرنا إلى الريف و أرافت الأرض أي أخصبت و هي أرض ريفة بتشديد الياء . و بحر العراق دجلة و الفرات أما الأكاسرة فطردوهم عن بحر العراق و أما القياصرة فطردوهم عن ريف الآفاق أي عن الشام و ما فيه من المرعى و المنتجع . قوله ع أربابا لهم أي ملوكا و كانت العرب تسمى الأكاسرة أربابا و لما عظم أمر حذيفة بن بدر عندهم سموه رب معد . و منابت الشيح أرض العرب و الشيح نبت معروف . و مهافي الريح المواضع التي تهفو فيها أي تهب و هي الفيافي و الصحاري . و نكد المعاش ضيقه و قلته . و تركوهم عالة أي فقراء جمع عائل و العائل ذو العيلة و العيلة الفقر قال تعالى وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال الشاعر

تعيرنا أننا عالة
صعاليك نحن و أنتم ملوك

[ 174 ]

نظيره قائد و قادة و سائس و ساسة . و قوله إخوان دبر و وبر الدبر مصدر دبر البعير أي عقره القتب و الوبر للبعير بمنزلة الصوف للضأن و الشعر للمعز . قوله أذل الأمم دارا لعدم المعاقل و الحصون المنيعة فيها . و أجدبهم قرارا لعدم الزرع و الشجر و النخل بها و الجدب المحل . و لا يأوون لا يلتجئون و لا ينضمون . و الأزل الضيق و أطباق جهل جمع طبق أي جهل متراكم بعضه فوق بعض . و غارات مشنونة متفرقة و هي أصعب الغارات