وصية العباس قبل موته لعلي

قرأت في كتاب صنفه أبو حيان التوحيدي في تقريظ الجاحظ قال نقلت من خط الصولي قال الجاحظ إن العباس بن عبد المطلب أوصى علي بن أبي طالب ع في علته التي مات فيها فقال أي بني إني مشف على الظعن عن الدنيا إلى الله الذي فاقتي إلى عفوه و تجوزه أكثر من حاجتي إلى ما أنصحك فيه و أشير عليك به

[ 298 ]

و لكن العرق نبوض و الرحم عروض و إذا قضيت حق العمومة فلا أبالي بعد إن هذا الرجل يعني عثمان قد جاءني مرارا بحديثك و ناظرني ملاينا و مخاشنا في أمرك و لم أجد عليك إلا مثل ما أجد منك عليه و لا رأيت منه لك إلا مثل ما أجد منك له و لست تؤتى من قلة علم و لكن من قلة قبول و مع هذا كله فالرأي الذي أودعك به أن تمسك عنه لسانك و يدك و همزك و غمزك فإنه لا يبدؤك ما لم تبدأه و لا يجيبك عما لم يبلغه و أنت المتجني و هو المتأني و أنت العائب و هو الصامت فإن قلت كيف هذا و قد جلس مجلسا أنا به أحق فقد قاربت و لكن ذاك بما كسبت يداك و نكص عنه عقباك لأنك بالأمس الأدنى هرولت إليهم تظن أنهم يحلون جيدك و يختمون إصبعك و يطئون عقبك و يرون الرشد بك و يقولون لا بد لنا منك و لا معدل لنا عنك و كان هذا من هفواتك الكبر و هناتك التي ليس لك منها عذر و الآن بعد ما ثللت عرشك بيدك و نبذت رأي عمك في البيداء يتدهده في السافياء خذ بأحزم مما يتوضح به وجه الأمر لا تشار هذا الرجل و لا تماره و لا يبلغنه عنك ما يحنقه عليك فإنه إن كاشفك أصاب أنصارا و إن كاشفته لم تر إلا ضرارا و لم تستلج إلا عثارا و اعرف من هو بالشام له و من هاهنا حوله من يطيع أمره و يمتثل قوله لا تغترر بناس يطيفون بك و يدعون الحنو عليك و الحب لك فإنهم بين مولى جاهل و صاحب متمن و جليس يرعى العين و يبتدر المحضر و لو ظن الناس بك ما تظن بنفسك لكان الأمر لك و الزمام في يدك و لكن هذا حديث يوم مرض رسول الله ص فات ثم حرم الكلام فيه حين مات فعليك الآن بالعزوف عن شي‏ء عرضك

[ 299 ]

له رسول الله ص فلم يتم و تصديت له مرة بعد مرة فلم يستقم و من ساور الدهر غلب و من حرص على ممنوع تعب فعلى ذلك فقد أوصيت عبد الله بطاعتك و بعثته على متابعتك و أوجرته محبتك و وجدت عنده من ذلك ظني به لك لا توتر قوسك إلا بعد الثقة بها و إذا أعجبتك فانظر إلى سيتها ثم لا تفوق إلا بعد العلم و لا تغرق في النزع إلا لتصيب الرمية و انظر لا تطرف يمينك عينك و لا تجن شمالك شينك ودعني بآيات من آخر سورة الكهف و قم إذا بدا لك قلت الناس يستحسنون رأي العباس لعلي ع في ألا يدخل في أصحاب الشورى و أما أنا فإني أستحسنه إن قصد به معنى و لا أستحسنه إن قصد به معنى آخر و ذلك لأنه إن أجرى بهذا الرأي إلى ترفعه عليهم و علو قدره عن أن يكون مماثلا لهم أو أجرى به إلى زهده في الإمارة و رغبته عن الولاية فكل هذا رأي حسن و صواب و إن كان منزعه في ذلك إلى أنك إن تركت الدخول معهم و انفردت بنفسك في دارك أو خرجت عن المدينة إلى بعض أموالك فإنهم يطلبونك و يضربون إليك آباط الإبل حتى يولوك الخلافة و هذا هو الظاهر من كلامه فليس هذا الرأي عندي بمستحسن لأنه لو فعل ذلك لولوا عثمان أو واحدا منهم غيره و لم يكن عندهم من الرغبة فيه ع ما يبعثهم على طلبه بل كان تأخره عنهم قرة أعينهم و واقعا بإيثارهم فإن قريشا كلها كانت تبغضه أشد البغض و لو عمر عمر نوح و توصل إلى الخلافة بجميع أنواع التوصل كالزهد فيها تارة و المناشدة بفضائله تارة و بما فعله في ابتداء الأمر من إخراج زوجته و أطفاله ليلا إلى بيوت الأنصار و بما اعتمده إذ ذاك من تخلفه في بيته و إظهار أنه قد انعكف على جمع القرآن و بسائر أنواع الحيل فيها لم تحصل له إلا بتجريد السيف كما فعل في آخر الأمر و لست ألوم العرب لا سيما قريشا في بغضها له و انحرافها عنه فإنه وترها و سفك دماءها و كشف القناع في منابذتها و نفوس العرب و أكبادهم كما تعلم

[ 300 ]

و ليس الإسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس كما نشاهده اليوم عيانا و الناس كالناس الأول و الطبائع واحدة فأحسب أنك كنت من سنتين أو ثلاث جاهليا أو من بعض الروم و قد قتل واحد من المسلمين ابنك أو أخاك ثم أسلمت أ كان إسلامك يذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل و شنآنه كلا إن ذلك لغير ذاهب هذا إذا كان الإسلام صحيحا و العقيدة محققة لا كإسلام كثير من العرب فبعضهم تقليدا و بعضهم للطمع و الكسب و بعضهم خوفا من السيف و بعضهم على طريق الحمية و الانتصار أو لعداوة قوم آخرين من أضداد الإسلام و أعدائه . و اعلم أن كل دم أراقه رسول الله ص بسيف علي ع و بسيف غيره فإن العرب بعد وفاته ع عصبت تلك الدماء بعلي بن أبي طالب ع وحده لأنه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم و سنتهم و عادتهم أن يعصب به تلك الدماء إلا بعلي وحده و هذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل فإن مات أو تعذرت عليها مطالبته طالبت بها أمثل الناس من أهله . لما قتل قوم من بني تميم أخا لعمرو بن هند قال بعض أعدائه يحرض عمرا عليهم

من مبلغ عمرا بأن
المرء لم يخلق صباره
و حوادث الأيام لا
يبقى لها إلا الحجاره
ها إن عجزة أمه
بالسفح أسفل من أواره
تسفي الرياح خلال
كشحيه و قد سلبوا إزاره
فاقتل زرارة لا أرى
في القوم أمثل من زراره

[ 301 ]

فأمره أن يقتل زرارة بن عدس رئيس بني تميم و لم يكن قاتلا أخا الملك و لا حاضرا قتله . و من نظر في أيام العرب و وقائعها و مقاتلها عرف ما ذكرناه . سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد رحمه الله فقلت له إني لأعجب من علي ع كيف بقي تلك المدة الطويلة بعد رسول الله ص و كيف ما اغتيل و فتك به في جوف منزله مع تلظي الأكباد عليه . فقال لو لا أنه أرغم أنفه بالتراب و وضع خده في حضيض الأرض لقتل و لكنه أخمل نفسه و اشتغل بالعبادة و الصلاة و النظر في القرآن و خرج عن ذلك الزي الأول و ذلك الشعار و نسي السيف و صار كالفاتك يتوب و يصير سائحا في الأرض أو راهبا في الجبال و لما أطاع القوم الذين ولوا الأمر و صار أذل لهم من الحذاء تركوه و سكتوا عنه و لم تكن العرب لتقدم عليه إلا بمواطاة من متولي الأمر و باطن في السر منه فلما لم يكن لولاة الأمر باعث و داع إلى قتله وقع الإمساك عنه و لو لا ذلك لقتل ثم أجل بعد معقل حصين . فقلت له أ حق ما يقال في حديث خالد فقال إن قوما من العلوية يذكرون ذلك . ثم قال و قد روي أن رجلا جاء إلى زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة فسأله عما يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم نحو الكلام و الفعل الكثير أو الحدث فقال إنه جائز قد قال أبو بكر في تشهده ما قال فقال الرجل

[ 302 ]

و ما الذي قاله أبو بكر قال لا عليك فأعاد عليه السؤال ثانية و ثالثة فقال أخرجوه أخرجوه قد كنت أحدث أنه من أصحاب أبي الخطاب . قلت له فما الذي تقوله أنت قال أنا أستبعد ذلك و إن روته الإمامية . ثم قال أما خالد فلا أستبعد منه الإقدام عليه بشجاعته في نفسه و لبغضه إياه و لكني أستبعده من أبي بكر فإنه كان ذا ورع و لم يكن ليجمع بين أخذ الخلافة و منع فدك و إغضاب فاطمة و قتل علي ع حاش لله من ذلك فقلت له أ كان خالد يقدر على قتله قال نعم و لم لا يقدر على ذلك و السيف في عنقه و علي أعزل غافل عما يراد به قد قتله ابن ملجم غيلة و خالد أشجع من ابن ملجم . فسألته عما ترويه الإمامية في ذلك كيف ألفاظه فضحك و قال

كم عالم بالشي‏ء و هو يسائل

ثم قال دعنا من هذا ما الذي تحفظ في هذا المعنى قلت قول أبي الطيب

نحن أدرى و قد سألنا بنجد
أ طويل طريقنا أم يطول
و كثير من السؤال اشتياق
و كثير من رده تعليل

فاستحسن ذلك و قال لمن عجز البيت الذي استشهدت به قلت لمحمد بن هانئ المغربي و أوله

في كل يوم أستزيد تجاربا
كم عالم بالشي‏ء و هو يسائل

فبارك علي مرارا ثم قال نترك الآن هذا و نتمم ما كنا فيه و كنت أقرأ عليه في ذلك الوقت جمهرة النسب لابن الكلبي فعدنا إلى القراءة و عدلنا عن الخوض عما كان اعترض الحديث فيه

[ 303 ]