فصل في نسب عائشة و أخبارها

و ينبغي أن نذكر في هذا الموضع طرفا من نسب عائشة و أخبارها و ما يقوله أصحابنا المتكلمون فيها جريا على عادتنا في ذكر مثل ذلك كلما مررنا بذكر أحد من الصحابة

[ 22 ]

أما نسبها فإنها ابنة أبي بكر و قد ذكرنا نسبه فيما تقدم و أمها أم رومان ابنة عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن تميم بن مالك بن كنانة تزوجها رسول الله ص بمكة قبل الهجرة بسنتين و قيل بثلاث و هي بنت ست سنين و قيل بنت سبع سنين و بنى عليها بالمدينة و هي بنت تسع لم يختلفوا في ذلك . و كانت تذكر لجبير بن مطعم و تسمى له و ورد في الأخبار الصحيحة أن رسول الله ص أري عائشة في المنام في سرقة حرير متوفى خديجة رضي الله عنها فقال إن يكن هذا من عند الله يمضه فتزوجها بعد موت خديجة بثلاث سنين و تزوجها في شوال و أعرس بها بالمدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجره إلى المدينة . و قال ابن عبد البر في كتاب الإستيعاب كانت عائشة تحب أن تدخل النساء من أهلها و أحبتها في شوال على أزواجهن و تقول هل كان في نسائه أحظى عنده مني و قد نكحني و بنى علي في شوال . قلت قرئ هذا الكلام على بعض الناس فقال كيف رأت الحال بينها و بين أحمائها و أهل بيت زوجها . و روى أبو عمر بن عبد البر في الكتاب المذكور أن رسول الله ص توفي عنها و هي بنت ثمان عشرة سنة فكان سنها معه تسع سنين و لم ينكح بكرا غيرها و استأذنت رسول الله ص في الكنية فقال لها اكتني بابنك عبد الله بن الزبير يعني ابن أختها فكانت كنيتها أم عبد الله و كانت فقيهة عالمة بالفرائض و الشعر و الطب .

[ 23 ]

و

روي أن النبي ص قال فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام و أصحابنا يحملون لفظة النساء في هذا الخبر على زوجاته لأن فاطمة ع عندهم أفضل منها

لقوله ص إنها سيدة نساء العالمين . و قذفت بصفوان بن المعطل السلمي في سنة ست منصرف رسول الله ص من غزاة بني المصطلق و كانت معه فقال فيها أهل الإفك ما قالوا و نزل القرآن ببراءتها . و قوم من الشيعة زعموا أن الآيات التي في سورة النور لم تنزل فيها و إنما أنزلت في مارية القبطية و ما قذفت به مع الأسود القبطي و جحدهم لإنزال ذلك في عائشة جحد لما يعلم ضرورة من الأخبار المتواترة ثم كان من أمرها و أمر حفصة و ما جرى لهما مع رسول الله ص في الأمر الذي أسره على إحداهما ما قد نطق الكتاب العزيز به و اعتزل رسول الله ص نساءه كلهن و اعتزلهما معهن ثم صالحهن و طلق حفصة ثم راجعها و جرت بين عائشة و فاطمة إبلاغات و حديث يوغر الصدور فتولد بين عائشة و بين علي ع نوع ضغينة و انضم إلى ذلك إشارته على رسول الله ص في قصة الإفك بضرب الجارية و تقريرها و قوله إن النساء كثير . ثم جرى حديث صلاة أبي بكر بالناس فتزعم الشيعة أن رسول الله ص لم يأمر بذلك و أنه إنما صلى بالناس عن أمر عائشة ابنته و أن رسول الله ص خرج متحاملا و هو مثقل فنحاه عن المحراب و زعم معظم المحدثين أن ذلك كان عن أمر رسول الله ص و قوله ثم اختلفوا فمنهم من قال نحاه و صلى هو بالناس و منهم من قال بل ائتم بأبي بكر كسائر الناس و منهم

[ 24 ]

من قال كان الناس يصلون بصلاة أبي بكر و أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ص . ثم كان منها في أمر عثمان و تضريب الناس عليه ما قد ذكرناه في مواضعه ثم تلا ذلك يوم الجمل . و اختلف المتكلمون في حالها و حال من حضر واقعة الجمل فقالت الإمامية كفر أصحاب الجمل كلهم الرؤساء و الأتباع و قال قوم من الحشوية و العامة اجتهدوا فلا إثم عليهم و لا نحكم بخطئهم و لا خطإ علي ع و أصحابه . و قال قوم من هؤلاء بل نقول أصحاب الجمل أخطئوا و لكنه خطأ مغفور و كخطإ المجتهد في بعض مسائل الفروع عند من قال بالأشبه و إلى هذا القول يذهب أكثر الأشعرية . و قال أصحابنا المعتزلة كل أهل الجمل هالكون إلا من ثبتت توبته منهم قالوا و عائشة ممن ثبتت توبتها و كذلك طلحة و الزبير أما عائشة فإنها اعترفت لعلي ع يوم الجمل بالخطإ و سألته العفو و قد تواترت الرواية عنها بإظهار الندم و أنها كانت تقول ليته كان لي من رسول الله ص بنون عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام و ثكلتهم و لم يكن يوم الجمل و أنها كانت تقول ليتني مت قبل يوم الجمل و أنها كانت إذا ذكرت ذلك اليوم تبكي حتى تبل خمارها و أما الزبير فرجع عن الحرب معترفا بالخطإ لما أذكره علي ع ما أذكره و أما طلحة فإنه مر به و هو صريع فارس فقال له قف فوقف قال من أي الفريقين أنت قال من أصحاب أمير المؤمنين قال أقعدني فأقعده فقال امدد يدك أبايعك لأمير المؤمنين فبايعه .

[ 25 ]

و قال شيوخنا ليس لقائل أن يقول ما يروى من أخبار الآحاد بتوبتهم لا يعارض ما علم قطعا من معصيتهم قالوا لأن التوبة إنما يحكم بها للمكلف على غالب الظن في جميع المواضع لا على القطع أ لا ترى أنا نجوز أن يكون من أظهر التوبة منافقا و كاذبا فبان أن المرجع في قبولها في كل موضع إنما هو إلى الظن فجاز أن يعارض ما علم من معصيتهم بما يظن من توبتهم

[ 26 ]