6 و من كتاب له ع إلى معاوية

إِنَّهُ بَايَعَنِي اَلْقَوْمُ اَلَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ وَ لاَ لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ وَ إِنَّمَا اَلشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ فَإِنِ اِجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَ سَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اِتَّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ وَلاَّهُ اَللَّهُ مَا تَوَلَّى وَ لَعَمْرِي يَا مُعَاوِيَةُ لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ اَلنَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ وَ لَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلاَّ أَنْ تَتَجَنَّى فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ وَ اَلسَّلاَمُ قد تقدم ذكر هذا الكلام في أثناء اقتصاص مراسلة أمير المؤمنين ع معاوية بجرير بن عبد الله البجلي و قد ذكره أرباب السيرة كلهم و أورده شيوخنا المتكلمون في كتبهم احتجاجا على صحة الاختيار و كونه طريقا إلى الإمامة و أول الكتاب

أما بعد فإن بيعتي بالمدينة لزمتك و أنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا إلى آخر الفصل .

[ 36 ]

و المشهور المروي فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة أي رغبة عن ذلك الإمام الذي وقع الاختيار له . و المروي بعد قوله ولاه الله بعد ما تولى

و أصلاه جهنم و ساءت مصيرا و إن طلحة و الزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي فكان نقضهما كردتهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق و ظهر أمر الله و هم كارهون فادخل فيما دخل فيه المسلمون فإن أحب الأمور إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء فإن تعرضت له قاتلتك و استعنت بالله عليك و قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل الناس فيه ثم حاكم القوم إلي أحملك و إياهم على كتاب الله فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن و لعمري يا معاوية إن نظرت بعقلك إلى آخر الكلام . و بعده و اعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة و لا تعترض بهم الشورى و قد أرسلت إليك جرير بن عبد الله البجلي و هو من أهل الإيمان و الهجرة فبايع و لا قوة إلا بالله . و اعلم أن هذا الفصل دال بصريحه على كون الاختيار طريقا إلى الإمامة كما يذكره أصحابنا المتكلمون لأنه احتج على معاوية ببيعة أهل الحل و العقد له و لم يراع في ذلك إجماع المسلمين كلهم و قياسه على بيعة أهل الحل و العقد لأبي بكر فإنه ما روعي فيها إجماع المسلمين لأن سعد بن عبادة لم يبايع و لا أحد من أهل بيته و ولده و لأن عليا و بني هاشم و من انضوى إليهم لم يبايعوا في مبدإ الأمر و امتنعوا و لم يتوقف المسلمون في تصحيح إمامة أبي بكر و تنفيذ أحكامه على بيعتهم و هذا دليل على صحة الاختيار و كونه طريقا إلى الإمامة و أنه لا يقدح في إمامته ع امتناع معاوية من البيعة و أهل الشام فأما الإمامية فتحمل هذا الكتاب منه ع على التقية و تقول إنه ما كان يمكنه

[ 37 ]

أن يصرح لمعاوية في مكتوبه بباطن الحال و يقول له أنا منصوص علي من رسول الله ص و معهود إلى المسلمين أن أكون خليفة فيهم بلا فصل فيكون في ذلك طعن على الأئمة المتقدمين و تفسد حاله مع الذين بايعوه من أهل المدينة و هذا القول من الإمامية دعوى لو عضدها دليل لوجب أن يقال بها و يصار إليها و لكن لا دليل لهم على ما يذهبون إليه من الأصول التي تسوقهم إلى حمل هذا الكلام على التقية . فأما قوله ع و قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون ثم حاكم القوم إلي أحملك و إياهم على كتاب الله فيجب أن يذكر في شرحه ما يقول المتكلمون في هذه الواقعة قال أصحابنا المعتزلة رحمهم الله هذا الكلام حق و صواب لأن أولياء الدم يجب أن يبايعوا الإمام و يدخلوا تحت طاعته ثم يرفعوا خصومهم إليه فإن حكم بالحق استديمت إمامته و إن حاد عن الحق انقضت خلافته و أولياء عثمان الذين هم بنوه لم يبايعوا عليا ع و لا دخلوا تحت طاعته ثم و كذلك معاوية ابن عم عثمان لم يبايع و لا أطاع فمطالبتهم له بأن يقتص لهم من قاتلي عثمان قبل بيعتهم إياه و طاعتهم له ظلم منهم و عدوان . فإن قلت هب أن القصاص من قتلة عثمان موقوف على ما ذكره ع أ ما كان يجب عليه لا من طريق القصاص أن ينهى عن المنكر و أنتم تذهبون إلى أن النهي عن المنكر واجب على من هو سوقة فكيف على الإمام الأعظم قلت هذا غير وارد هاهنا لأن النهي عن المنكر إنما يجب قبل وقوع المنكر لكيلا يقع فإذا وقع المنكر فأي نهي يكون عنه و قد نهى علي ع أهل مصر و غيرهم عن قتل عثمان قبل قتله مرارا و نابذهم بيده و لسانه و بأولاده فلم يغن

[ 38 ]

شيئا و تفاقم الأمر حتى قتل و لا يجب بعد القتل إلا القصاص فإذا امتنع أولياء الدم من طاعة الإمام لم يجب عليه أن يقتص من القاتلين لأن القصاص حقهم و قد سقط ببغيهم على الإمام و خروجهم عن طاعته و قد قلنا نحن فيما تقدم أن القصاص إنما يجب على من باشر القتل و الذين باشروا قتل عثمان قتلوا يوم قتل عثمان في دار عثمان و الذين كان معاوية يطالبهم بدم عثمان لم يباشروا القتل و إنما كثروا السواد و حصروه عثمان في الدار و أجلبوا عليه و شتموه و توعدوه و منهم من تسور عليه داره و لم ينزل إليه و منهم من نزل فحضر محضر قتله و لم يشرك فيه و كل هؤلاء لا يجب عليهم القصاص في الشرع