7 و من كتاب منه ع إليه أيضا

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ وَ رِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ نَمَّقْتَهَا بِضَلاَلِكَ وَ أَمْضَيْتَهَا بِسُوءِ رَأْيِكَ وَ كِتَابُ اِمْرِئٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ وَ لاَ قَائِدٌ يُرْشِدُهُ قَدْ دَعَاهُ اَلْهَوَى فَأَجَابَهُ وَ قَادَهُ اَلضَّلاَلُ فَاتَّبَعَهُ فَهَجَرَ لاَغِطاً وَ ضَلَّ خَابِطاً موعظة موصلة أي مجموعة الألفاظ من هاهنا و هاهنا و ذلك عيب في الكتابة و الخطابة و إنما الكاتب من يرتجل فيقول قولا فصلا أو يروي فيأتي بالبديع المستحسن و هو في الحالين كليهما ينفق من كيسه و لا يستعير كلام غيره . و الرسالة المحبرة المزينة الألفاظ كأنه ع يشير إلى أنه قد كان يظهر عليها أثر التكلف و التصنع . و التنميق التزيين أيضا . و هجر الرجل أي هذى و منه قوله تعالى في أحد التفسيرين إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا اَلْقُرْآنَ مَهْجُوراً . و اللاغط ذو اللغط و هو الصوت و الجلبة .

[ 42 ]

و خبط البعير فهو خابط إذا مشى ضالا فحبط بيديه كل ما يلقاه و لا يتوقى شيئا . و هذا الكتاب كتبه علي ع جوابا عن كتاب كتبه معاوية إليه في أثناء حرب صفين بل في أواخرها و كان كتاب معاوية من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإن الله تعالى يقول في محكم كتابه وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخاسِرِينَ و إني أحذرك الله أن تحبط عملك و سابقتك بشق عصا هذه الأمة و تفريق جماعتها فاتق الله و اذكر موقف القيامة و أقلع عما أسرفت فيه من الخوض في دماء المسلمين و

إني سمعت رسول الله ص يقول لو تمالأ أهل صنعاء و عدن على قتل رجل واحد من المسلمين لأكبهم الله على مناخرهم في النار فكيف يكون حال من قتل أعلام المسلمين و سادات المهاجرين بله ما طحنت رحى حربه من أهل القرآن و ذي العبادة و الإيمان من شيخ كبير و شاب غرير كلهم بالله تعالى مؤمن و له مخلص و برسوله مقر عارف فإن كنت أبا حسن إنما تحارب على الإمرة و الخلافة فلعمري لو صحت خلافتك لكنت قريبا من أن تعذر في حرب المسلمين و لكنها ما صحت لك أنى بصحتها و أهل الشام لم يدخلوا فيها و لم يرتضوا بها و خف الله و سطواته و اتق بأسه و نكاله و أغمد سيفك عن الناس فقد و الله أكلتهم الحرب فلم يبق منهم إلا كالثمد في قرارة الغدير و الله المستعان .

فكتب علي ع إليه جوابا عن كتابه

[ 43 ]

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة و رسالة محبرة نمقتها بضلالك و أمضيتها بسوء رأيك و كتاب امرئ ليس له بصر يهديه و لا قائد يرشده دعاه الهوى فأجابه و قاده الضلال فاتبعه فهجر لاغطا و ضل خابطا فأما أمرك لي بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها و أستعيذ بالله من أن أكون من الذين إذا أمروا بها أخذتهم العزة بالإثم و أما تحذيرك إياي أن يحبط عملي و سابقتي في الإسلام فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذرني ذلك و لكني وجدت الله تعالى يقول فَقاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اَللَّهِ فنظرنا إلى الفئتين أما الفئة الباغية فوجدناها الفئة التي أنت فيها لأن بيعتي بالمدينة لزمتك و أنت بالشام كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة و أنت أمير لعمر على الشام و كما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر و هو أمير لأبي بكر على الشام و أما شق عصا هذه الأمة فأنا أحق أن أنهاك عنه فأما تخويفك لي من قتل أهل البغي فإن رسول الله ص أمرني بقتالهم و قتلهم و قال لأصحابه إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله و أشار إلي و أنا أولى من اتبع أمره و أما قولك إن بيعتي لم تصح لأن أهل الشام لم يدخلوا فيها كيف و إنما هي بيعة واحدة تلزم الحاضر و الغائب لا يثنى فيها النظر و لا يستأنف فيها الخيار الخارج منها طاعن و المروي فيها مداهن فاربع على ظلعك و انزع سربال غيك و اترك ما لا جدوى له عليك فليس لك عندي إلا السيف حتى تفي‏ء إلى أمر الله صاغرا و تدخل في البيعة راغما و السلام

[ 44 ]

وَ مِنْ هَذَا اَلْكِتَابِ مِنْهُ لِأَنَّهَا بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ لاَ يُثَنَّى فِيهَا اَلنَّظَرُ وَ لاَ يُسْتَأْنَفُ فِيهَا اَلْخِيَارُ اَلْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ وَ اَلْمُرَوِّي فِيهَا مُدَاهِنٌ لا يثنى فيها النظر أي لا يعاود و لا يراجع ثانية و لا يستأنف فيها الخيار ليس بعد عقدها خيار لمن عقدها و لا لغيرهم لأنها تلزم غير العاقدين كما تلزم العاقدين فيسقط الخيار فيها الخارج منها طاعن على الأمة لأنهم أجمعوا على أن الاختيار طريق الإمامة . و المروي فيها مداهن أي الذي يرتئي و يبطئ عن الطاعة و يفكر و أصله من الروية و المداهن المنافق

[ 45 ]