الفصل الأول إجلاب قريش على بني هاشم و حصرهم في الشعب

فأما الكلام في الفصل الأول فنذكر منه ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة و المغازي فإنه كتاب معتمد عند أصحاب الحديث و المؤرخين و مصنفه شيخ الناس كلهم . قال محمد بن إسحاق رحمه الله لم يسبق عليا ع إلى الإيمان بالله و رسالة محمد ص أحد من الناس اللهم إلا أن تكون خديجة زوجة رسول الله ص قال و قد كان ص يخرج و معه علي مستخفين من الناس فيصليان الصلوات في بعض شعاب مكة فإذا أمسيا رجعا فمكثا بذلك ما شاء الله أن يمكثا لا ثالث لهما ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما و هما يصليان فقال لمحمد ص يا ابن أخي ما هذا الذي تفعله فقال أي عم هذا دين الله و دين ملائكته و رسله و دين أبينا إبراهيم أو كما قال ع بعثني الله به رسولا إلى العباد و أنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة و دعوته إلى الهدى و أحق من أجابني إليه و أعانني عليه أو كما قال فقال أبو طالب إني لا أستطيع يا ابن أخي أن أفارق

[ 53 ]

ديني و دين آبائي و ما كانوا عليه و لكن و الله لا يخلص إليك شي‏ء تكرهه ما بقيت فزعموا أنه قال لعلي أي بني ما هذا الذي تصنع قال يا أبتاه آمنت بالله و رسوله و صدقته فيما جاء به و صليت إليه و اتبعت قول نبيه فزعموا أنه قال له أما إنه لا يدعوك أو لن يدعوك إلا إلى خير فالزمه . قال ابن إسحاق ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله ص فكان أول من أسلم و صلى معه بعد علي بن أبي طالب ع . ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة فكان ثالثا لهما ثم أسلم عثمان بن عفان و طلحة و الزبير و عبد الرحمن و سعد بن أبي وقاص فصاروا ثمانية فهم الثمانية الذين سبقوا الناس إلى الإسلام بمكة ثم أسلم بعد هؤلاء الثمانية أبو عبيدة بن الجراح و أبو سلمة بن عبد الأسد و أرقم بن أبي أرقم ثم انتشر الإسلام بمكة و فشا ذكره و تحدث الناس به و أمر الله رسوله أن يصدع بما أمر به فكانت مدة إخفاء رسول الله ص نفسه و شأنه إلى أن أمر بإظهار الدين ثلاث سنين فيما بلغني . قال محمد بن إسحاق و لم تكن قريش تنكر أمره حينئذ كل الإنكار حتى ذكر آلهتهم و عابها فأعظموا ذلك و أنكروه و أجمعوا على عداوته و خلافه و حدب عليه عمه أبو طالب فمنعه و قام دونه حتى مضى مظهرا لأمر الله لا يرده عنه شي‏ء قال فلما رأت قريش محاماة أبي طالب عنه و قيامه دونه و امتناعه من أن يسلمه مشى إليه رجال من أشراف قريش منهم عتبة بن ربيعة و شيبة أخوه و أبو سفيان بن حرب و أبو البختري بن هشام و الأسود بن المطلب و الوليد بن المغيرة و أبو جهل عمرو بن هشام

[ 54 ]

و العاص بن وائل و نبيه و منبه ابنا الحجاج و أمثالهم من رؤساء قريش فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا و عاب ديننا و سفه أحلامنا و ضلل آراءنا فإما أن تكفه عنا و إما أن تخلي بيننا و بينه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا و ردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه و مضى رسول الله ص على ما هو عليه يظهر دين الله و يدعو إليه ثم شرق الأمر بينه و بينهم تباعدا و تضاغنا حتى أكثرت قريش ذكر رسول الله ص بينها و تذامروا فيه و حض بعضهم بعضا عليه فمشوا إلى أبي طالب مرة ثانية فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا و شرفا و منزلة فينا و إنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا و إنا و الله لا نصبر على شتم آبائنا و تسفيه أحلامنا و عيب آلهتنا فإما أن تكفه عنا أو ننازله و إياك حتى يهلك أحد الفريقين ثم انصرفوا فعظم على أبي طالب فراق قومه و عداوتهم و لم تطب نفسه بإسلام ابن أخيه لهم و خذلانه فبعث إليه فقال يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا و كذا للذي قالوا فأبق علي و على نفسك و لا تحملني من الأمر ما لا أطيقه قال فظن رسول الله ص أنه قد بدا لعمه فيه بداء و أنه خاذله و مسلمه و أنه قد ضعف عن نصرته و القيام دونه فقال يا عم و الله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك ثم استعبر باكيا و قام فلما ولى ناداه أبو طالب أقبل يا ابن أخي فأقبل راجعا فقال له اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشي‏ء أبدا .

[ 55 ]

قال ابن إسحاق و قال أبو طالب يذكر ما أجمعت عليه قريش من حربه لما قام بنصر محمد ص

و الله لن يصلوا إليك بجمعهم
حتى أوسد في التراب دفينا
فانفذ لأمرك ما عليك مخافة
و ابشر و قر بذاك منه عيونا
و دعوتني و زعمت أنك ناصحي
و لقد صدقت و كنت قبل أمينا
و عرضت دينا قد علمت بأنه
من خير أديان البرية دينا
لو لا الملامة أو حذاري سبة
لوجدتني سمحا بذاك مبينا

قال محمد بن إسحاق ثم إن قريشا حين عرفت أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ص و إسلامه إليهم و رأوا إجماعه على مفارقتهم و عداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي و كان أجمل فتى في قريش فقالوا له يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أبهى فتى في قريش و أجمله فخذه إليك فاتخذه ولدا فهو لك و أسلم لنا هذا ابن أخيك الذي قد خالف دينك و دين آبائك و فرق جماعة قومك لنقتله فإنما هو رجل برجل فقال أبو طالب و الله ما أنصفتموني تعطوني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني تقتلونه هذا و الله ما لا يكون أبدا فقال له المطعم بن عدي بن نوفل و كان له صديقا مصافيا و الله يا أبا طالب ما أراك تريد أن تقبل من قومك شيئا لعمري قد جهدوا في التخلص مما تكره و أراك لا تنصفهم فقال أبو طالب و الله ما أنصفوني و لا أنصفتني و لكنك قد أجمعت على خذلاني و مظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك

[ 56 ]

قال فعند ذلك تنابذ القوم و صارت الأحقاد و نادى بعضهم بعضا و تذامروا بينهم على من في القبائل من المسلمين الذين اتبعوا محمدا ص فوثبت كل قبيلة على من فيها منهم يعذبونهم و يفتنونهم عن دينهم و منع الله رسوله منهم بعمه أبي طالب و قام في بني هاشم و بني عبد المطلب حين رأى قريشا تصنع ما تصنع فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ص و القيام دونه فاجتمعوا إليه و قاموا معه و أجابوه إلى ما دعاهم إليه من الدفاع عن رسول الله ص إلا ما كان من أبي لهب فإنه لم يجتمع معهم على ذلك فكان أبو طالب يرسل إليه الأشعار و يناشده النصر منها القطعة التي أولها

حديث عن أبي لهب أتانا
و كانفه على ذاكم رجال

و منها القطعة التي أولها

أ ظننت عني قد خذلت و غالني
منك الغوائل بعد شيب المكبر

و منها القطعة التي أولها

تستعرض الأقوام توسعهم
عذرا و ما إن قلت من عذر

قال محمد بن إسحاق فلم يؤثر عن أبي لهب خير قط إلا ما يروى أن أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي لما وثب عليه قومه ليعذبوه و يفتنوه عن الإسلام هرب منهم فاستجار بأبي طالب و أم أبي طالب مخزومية و هي أم عبد الله والد رسول الله ص فأجاره فمشى إليه رجال من بني مخزوم و قالوا له يا أبا طالب هبك منعت منا ابن أخيك محمدا فما لك و لصاحبنا تمنعه منا قال إنه استجار بي و هو ابن أختي و إن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي فارتفعت أصواتهم و أصواته فقام أبو لهب و لم ينصر أبا طالب قبلها و لا بعدها فقال يا معشر قريش و الله لقد أكثرتم على هذا

[ 57 ]

الشيخ لا تزالون تتوثبون عليه في جواره من بين قومه أما و الله لتنتهن عنه أو لنقومن معه فيما قام فيه حتى يبلغ ما أراد فقالوا بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة فقاموا فانصرفوا و كان وليا لهم و معينا على رسول الله ص و أبي طالب فاتقوه و خافوا أن تحمله الحمية على الإسلام فطمع فيه أبو طالب حيث سمعه قال ما قال و أمل أن يقوم معه في نصرة رسول الله ص فقال يحرضه على ذلك

و إن امرأ أبو عتيبة عمه
لفي معزل من أن يسام المظالما
و لا تقبلن الدهر ما عشت خطة
تسب بها أما هبطت المواسما
أقول له و أين منه نصيحتي
أبا عتبة ثبت سوادك قائما
و ول سبيل العجز غيرك منهم
فإنك لم تخلق على العجز لازما
و حارب فإن الحرب نصف و لن ترى
أخا الحرب يعطى الخسف حتى يسالما
كذبتم و بيت الله نبزى محمدا
و لما تروا يوما من الشعب قائما

و قال يخاطب أبا لهب أيضا

عجبت لحلم يا ابن شيبة عازب
و أحلام أقوام لديك سخاف
يقولون شايع من أراد محمدا
بظلم و قم في أمره بخلاف
أضاميم إما حاسد ذو خيانة
و إما قريب عنك غير مصاف
فلا تركبن الدهر منه ذمامة
و أنت امرؤ من خير عبد مناف
و لا تتركنه ما حييت لمعظم
و كن رجلا ذا نجدة و عفاف
يذود العدا عن ذروة هاشمية
إلافهم في الناس خير إلاف
فإن له قربى لديك قريبة
و ليس بذي حلف و لا بمضاف
و لكنه من هاشم ذي صميمها
إلى أبحر فوق البحور طواف

[ 58 ]

و زاحم جميع الناس عنه و كن له
وزيرا على الأعداء غير مجاف
و إن غضبت منه قريش فقل لها
بني عمنا ما قومكم بضعاف
و ما بالكم تغشون منه ظلامة
و ما بال أحقاد هناك خوافي
فما قومنا بالقوم يخشون ظلمنا
و ما نحن فيما ساءهم بخفاف
و لكننا أهل الحفائظ و النهى
و عز ببطحاء المشاعر واف

قال محمد بن إسحاق فلما طال البلاء على المسلمين و الفتنة و العذاب و ارتد كثير عن الدين باللسان لا بالقلب كانوا إذا عذبوهم يقولون نشهد أن هذا الله و أن اللات و العزى هي الآلهة فإذا خلوا عنهم عادوا إلى الإسلام فحبسوهم و أوثقوهم بالقد و جعلوهم في حر الشمس على الصخر و الصفا و امتدت أيام الشقاء عليهم و لم يصلوا إلى محمد ص لقيام أبي طالب دونه فأجمعت قريش على أن يكتبوا بينهم و بين بني هاشم صحيفة يتعاقدون فيها ألا يناكحوهم و لا يبايعوهم و لا يجالسوهم فكتبوها و علقوها في جوف الكعبة تأكيدا على أنفسهم و كان كاتبها منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فلما فعلوا ذلك انحازت هاشم و المطلب فدخلوا كلهم مع أبي طالب في الشعب فاجتمعوا إليه و خرج منهم أبو لهب إلى قريش فظاهرها على قومه . قال محمد بن إسحاق فضاق الأمر ببني هاشم و عدموا القوت إلا ما كان يحمل إليهم سرا و خفية و هو شي‏ء قليل لا يمسك أرماقهم و أخافتهم قريش فلم يكن يظهر منهم أحد و لا يدخل إليهم أحد و ذلك أشد ما لقي رسول الله ص و أهل بيته بمكة . قال محمد بن إسحاق فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ألا يصل إليهم

[ 59 ]

شي‏ء إلا القليل سرا ممن يريد صلتهم من قريش و قد كان أبو جهل بن هشام لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد و هي عند رسول الله محاصرة في الشعب فتعلق به و قال أ تحمل الطعام إلى بني هاشم و الله لا تبرح أنت و طعامك حتى أفضحك بمكة فجاءه أبو البختري العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى فقال ما لك و له قال إنه يحمل الطعام إلى بني هاشم فقال أبو البختري يا هذا إن طعاما كان لعمته عنده بعثت إليه فيه أ فتمنعه أن يأتيها بطعامها خل سبيل الرجل فأبى أبو جهل حتى نال كل منهما من صاحبه فأخذ له أبو البختري لحي بعير فضربه به فشجه و وطئه وطئا شديدا فانصرف و هو يكره أن يعلم رسول الله ص و بنو هاشم بذلك فيشمتوا فلما أراد الله تعالى من إبطال الصحيفة و الفرج عن بني هاشم من الضيق و الأزل الذي كانوا فيه قام هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي في ذلك أحسن قيام و ذلك أن أباه عمرو بن الحارث كان أخا لنضلة بن هاشم بن عبد مناف بن قصي من أمه فكان هشام بن عمرو يحسب لذلك واصلا ببني هاشم و كان ذا شرف في قومه بني عامر بن لؤي فكان يأتي بالبعير ليلا و قد أوقره طعاما و بنو هاشم و بنو المطلب في الشعب حتى إذا أقبل به فم الشعب فمنع بخطامه من رأسه ثم يضربه على جنبه فيدخل الشعب عليهم ثم يأتي به مرة أخرى و قد أوقره تمرا فيصنع به مثل ذلك ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي فقال يا زهير أ رضيت أن تأكل الطعام و تشرب الشراب و تلبس الثياب و تنكح النساء و أخوالك حيث قد علمت لا يبتاعون و لا يبتاع منهم و لا ينكحون و لا ينكح إليهم و لا يواصلون و لا يزارون أما إني أحلف لو كان أخوك أبو الحكم بن هشام و دعوته إلى مثل ما دعاك

[ 60 ]

إليه منهم ما أجابك أبدا قال ويحك يا هشام فما ذا أصنع إنما أنا رجل واحد و الله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقض هذه الصحيفة القاطعة قال قد وجدت رجلا قال من هو قال أنا قال زهير أبغنا ثالثا فذهب إلى مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له يا مطعم أ رضيت أن يهلك بطنان من عبد مناف جوعا و جهدا و أنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه أما و الله لئن أمكنتموهم من هذا لتجدن قريشا إلى مساءتكم في غيره سريعة قال ويحك ما ذا أصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا قال من هو قال أنا قال أبغني ثالثا قال قد وجدت قال من هو قال زهير بن أمية قال أنا قال أبغنا رابعا فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحو ما قال للمطعم قال و هل من أحد يعين على هذا قال نعم و ذكرهم قال فأبغنا خامسا فمضى إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى فكلمه فقال و هل يعين على ذلك من أحد قال نعم ثم سمى له القوم فاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة فأجمعوا أمرهم و تعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها و قال زهير أنا أبدؤكم و أكون أولكم يتكلم فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم و غدا زهير بن أبي أمية عليه حلة له فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أ نأكل الطعام و نشرب الشراب و نلبس الثياب و بنو هاشم هلكى و الله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة و كان أبو جهل في ناحية المسجد فقال كذبت و الله لا تشق فقال زمعة بن الأسود لأبي جهل و الله أنت أكذب ما رضينا و الله بها حين كتبت فقال أبو البختري معه صدق و الله زمعة لا نرضى بها و لا نقر بما كتب فيها فقال المطعم بن عدي صدقا و الله و كذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها و مما كتب فيها و قال هشام بن عمرو مثل قولهم فقال أبو جهل هذا أمر قضي بليل و قام مطعم بن عدي إلى الصحيفة فحطها و شقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا

[ 61 ]

ما كان من باسمك اللهم قالوا و أما كاتبها منصور بن عكرمة فشلت يده فيما يذكرون فلما مزقت الصحيفة خرج بنو هاشم من حصار الشعب . قال محمد بن إسحاق فلم يزل أبو طالب ثابتا صابرا مستمرا على نصر رسول الله ص و حمايته و القيام دونه حتى مات في أول السنة الحادية العشرة من مبعث رسول الله ص فطمعت فيه قريش حينئذ و نالت منه فخرج عن مكة خائفا يطلب أحياء العرب يعرض عليهم نفسه فلم يزل كذلك حتى دخل مكة في جوار المطعم بن عدي ثم كان من أمره مع الخزرج ما كان ليلة العقبة . قال و من شعر أبي طالب الذي يذكر فيه رسول الله ص و قيامه دونه

أرقت و قد تصوبت النجوم
و بت و لا تسالمك الهموم
لظلم عشيرة ظلموا و عقوا
و غب عقوقهم لهم وخيم
هم انتهكوا المحارم من أخيهم
و كل فعالهم دنس ذميم
و راموا خطة جورا و ظلما
و بعض القول ذو جنف مليم
لتخرج هاشما فتكون منها
بلاقع بطن مكة فالحطيم
فمهلا قومنا لا تركبونا
بمظلمة لها خطب جسيم
فيندم بعضكم و يذل بعض
و ليس بمفلح أبدا ظلوم
أرادوا قتل أحمد زاعميه
و ليس بقتله منهم زعيم
و دون محمد منا ندي
هم العرنين و العضو الصميم

و من ذلك قوله

و قالوا لأحمد أنت امرؤ
خلوف الحديث ضعيف السبب

[ 62 ]

و إن كان أحمد قد جاءهم
بصدق و لم يأتهم بالكذب
فإنا و من حج من راكب
و كعبة مكة ذات الحجب
تنالون أحمد أو تصطلوا
ظباة الرماح و حد القضب
و تغترفوا بين أبياتكم
صدور العوالي و خيلا شزب
تراهن من بين ضافي السبيب
قصير الحزام طويل اللبب
عليها صناديد من هاشم
هم الأنجبون مع المنتجب

و روى عبد الله بن مسعود قال لما فرغ رسول الله ص من قتلى بدر و أمر بطرحهم في القليب جعل يتذكر من شعر أبي طالب بيتا فلا يحضره فقال له أبو بكر لعله قوله يا رسول الله

و إنا لعمر الله إن جد جدنا
لتلتبسن أسيافنا بالأماثل

فسر بظفره بالبيت و قال إي لعمر الله لقد التبست . و من شعر أبي طالب قوله

ألا أبلغا عني لؤيا رسالة
بحق و ما تغني رسالة مرسل
بني عمنا الأدنين فيما يخصهم
و إخواننا من عبد شمس و نوفل
أ ظاهرتم قوما علينا سفاهة
و أمرا غويا من غواة و جهل
يقولون لو أنا قتلنا محمدا
أقرت نواصي هاشم بالتذلل
كذبتم و رب الهدي تدمى نحوره
بمكة و البيت العتيق المقبل
تنالونه أو تصطلوا دون نيله
صوارم تفري كل عضو و مفصل
فمهلا و لما تنتج الحرب بكرها
بخيل تمام أو بآخر معجل

[ 63 ]

و تلقوا بيع الأبطحين محمدا
على ربوة في رأس عنقاء عيطل
و تأوي إليه هاشم إن هاشما
عرانين كعب آخر بعد أول
فإن كنتم ترجون قتل محمد
فروموا بما جمعتم نقل يذبل
فإنا سنحميه بكل طمرة
و ذي ميعة نهد المراكل هيكل
و كل رديني ظماء كعوبه
و عضب كإيماض الغمامة مفصل

قلت كان صديقنا علي بن يحيى البطريق رحمه الله يقول لو لا خاصة النبوة و سرها لما كان مثل أبي طالب و هو شيخ قريش و رئيسها و ذو شرفها يمدح ابن أخيه محمدا و هو شاب قد ربي في حجره و هو يتيمه و مكفوله و جار مجرى أولاده بمثل قوله

و تلقوا ربيع الأبطحين محمدا
على ربوة في رأس عنقاء عيطل
و تأوي إليه هاشم إن هاشما
عرانين كعب آخر بعد أول

و مثل قوله

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يطيف به الهلاك من آل هاشم
فهم عنده في نعمة و فواضل

فإن هذا الأسلوب من الشعر لا يمدح به التابع و الذنابى من الناس و إنما هو من مديح الملوك و العظماء فإذا تصورت أنه شعر أبي طالب ذاك الشيخ المبجل العظيم في محمد ص و هو شاب مستجير به معتصم بظله من قريش قد رباه في حجره غلاما و على عاتقه طفلا و بين يديه شابا يأكل من زاده و يأوي إلى داره علمت موضع خاصية النبوة و سرها و أن أمره كان عظيما و أن الله تعالى أوقع في القلوب و الأنفس له منزلة رفيعة و مكانا جليلا

[ 64 ]

و قرأت في أمالي أبي جعفر بن حبيب رحمه الله قال كان أبو طالب إذا رأى رسول الله ص أحيانا يبكي و يقول إذا رأيته ذكرت أخي و كان عبد الله أخاه لأبويه و كان شديد الحب و الحنو عليه و كذلك كان عبد المطلب شديد الحب له و كان أبو طالب كثيرا ما يخاف على رسول الله ص البيات إذا عرف مضجعه يقيمه ليلا من منامه و يضجع ابنه عليا مكانه فقال له علي ليلة يا أبت إني مقتول فقال له

اصبرن يا بني فالصبر أحجى
كل حي مصيره لشعوب
قدر الله و البلاء شديد
لفداء الحبيب و ابن الحبيب
لفداء الأعز ذي الحسب الثاقب
و الباع و الكريم النجيب
إن تصبك المنون فالنبل تبري
فمصيب منها و غير مصيب
كل حي و إن تملى بعمر
آخذ من مذاقها بنصيب

فأجاب علي ع فقال له

أ تأمرني بالصبر في نصر أحمد
و و الله ما قلت الذي قلت جازعا
و لكنني أحببت أن ترى نصرتي
و تعلم أني لم أزل لك طائعا
سأسعى لوجه الله في نصر أحمد
نبي الهدى المحمود طفلا و يافعا