القول فيما جرى في الغنيمة و الأسارى بعد هزيمة قريش و رجوعها إلى مكة

قال الواقدي لما تصاف المشركون و المسلمون قال النبي ص من قتل قتيلا فله كذا و كذا و من أسر أسيرا فله كذا و كذا فلما انهزم المشركون كان الناس ثلاث فرق فرقة قامت عند خيمة رسول الله ص و كان أبو بكر معه في الخيمة و فرقة أغارت على النهب تنتهب و فرقة طلبت العدو فأسروا و غنموا فتكلم سعد بن معاذ و كان ممن أقام على خيمة رسول الله ص فقال يا رسول الله ما منعنا أن نطلب العدو زهادة في الأجر و لا جبن عن العدو و لكنا خفنا أن نعري موضعك فيميل عليك خيل من خيل المشركين و رجال من رجالهم و قد أقام عند خيمتك وجوه الناس من المهاجرين و الأنصار و الناس كثير و متى تعط هؤلاء لا يبقى لأصحابك شي‏ء و القتلى و الأسرى كثير و الغنيمة قليلة فاختلفوا فأنزل الله عز و جل يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفالِ قُلِ اَلْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ الآية فرجع المسلمون و ليس لهم من الغنيمة شي‏ء ثم أنزل الله فيما بعد وَ اِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ فقسمه عليهم بينهم . قال الواقدي و قد روى عبادة بن الوليد بن عبادة عن جده عبادة بن الصامت قال سلمنا الأنفال يوم بدر لله و للرسول و لم يخمس رسول الله ص بدرا و نزلت بعد وَ اِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فاستقبل رسول الله ص بالمسلمين

[ 166 ]

الخمس فيما كان من أول غنيمة بعد بدر . قال الواقدي و قد روي عن أبي أسيد الساعدي مثله . و روى عكرمة قال اختلف الناس في الغنائم يوم بدر فأمر رسول الله ص بالغنائم أن ترد في المقسم فلم يبق منها شي‏ء إلا رد و ظن أهل الشجاعة أنه ص يخصهم بها دون غيرهم من أهل الضعف ثم أمر رسول الله ص أن تقسم بينهم على سواء فقال سعد بن أبي وقاص يا رسول الله تعطي فارس القوم الذي يحميهم مثل ما تعطي الضعيف فقال ص ثكلتك أمك و هل تنصرون إلا بضعفائكم . قال الواقدي فروى محمد بن سهل بن خيثمة قال أمر رسول الله ص أن ترد الأسرى و الأسلاب و ما أخذوا من المغنم ثم أقرع بينهم في الأسرى و قسم أسلاب المقتولين الذين يعرف قاتلوهم بين قاتليهم و قسم ما وجده في العسكر بين جميع المسلمين عن فراق . قال الواقدي و حدثني عبد الحميد بن جعفر قال سألت موسى بن سعد بن زيد بن ثابت كيف فعل النبي ص يوم بدر في الأسرى و الأسلاب و الأنفال فقال نادى مناديه يومئذ من قتل قتيلا فله سلبه و من أسر أسيرا فهو له و أمر بما وجد في العسكر و ما أخذ بغير قتال فقسمه بينهم عن فراق فقلت لعبد الحميد فلمن أعطى سلب أبي جهل فقال قد قيل إنه أعطاه معاذ بن عمرو بن الجموح و قيل أعطاه ابن مسعود . قال و أخذ علي ع درع الوليد بن عتبة و بيضته و مغفره و أخذ حمزة سلاح عتبة و أخذ عبيدة بن الحارث سلاح شيبة ثم صار إلى ورثته .

[ 167 ]

قال الواقدي فكانت القسمة على ثلاثمائة و سبعة عشر سهما لأن الرجال كانت ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا و كان معهم فرسان لهما أربعة أسهم و قسم أيضا فوق ذلك لثمانية أسهم لم يحضروا ضرب لهم بسهامهم و أجورهم ثلاثة من المهاجرين لا خلاف فيهم و هم عثمان بن عفان خلفه رسول الله ص على ابنته رقية و ماتت يوم قدم زيد بن حارثة بالبشارة إلى المدينة و طلحة بن عبيد الله و سعد بن زيد بن عمرو بن نفيل بعثهما رسول الله ص يتجسسان خبر العير و خمسة من الأنصار هم أبو لبابة بن عبد المنذر خلفه على المدينة و عاصم بن عدي خلفه على قباء و أهل العالية و الحارث بن حاطب أمره بأمر في بني عمرو بن عوف و خوات بن جبير كسر بالروحاء و الحارث بن الصمة مثله فلا اختلاف في هؤلاء و اختلف في أربعة غيرهم فروي أنه ضرب لسعد بن عبادة بسهمه و أجره و قال لئن لم يشهدها لقد كان فيها راغبا و ذلك أنه كان يحض الناس على الخروج إلى بدر فنهش فمنعه ذلك من الخروج . و روي أنه ضرب لسعد بن مالك الساعدي بسهمه و أجره و كان تجهز إلى بدر فمرض بالمدينة فمات خلاف رسول الله ص و أوصى إليه ع . و روي أنه ضرب لرجلين آخرين من الأنصار و لم يسمهما الواقدي و قال هؤلاء الأربعة غير مجمع عليهم كإجماعهم على الثمانية . قال و قد اختلف هل ضرب بسهم في الغنيمة لقتلى بدر فقال الأكثرون لم يضرب لهم و قال بعضهم بل ضرب لهم حدثني ابن أبي سبرة عن يعقوب بن زيد عن أبيه أن رسول الله ص ضرب لشهداء بدر أربعة عشر رجلا قال و قد قال عبد الله ابن سعد بن خيثمة أخذنا سهم أبي الذي ضرب له رسول الله ص حين

[ 168 ]

قسم الغنائم و حمله إلينا عويمر بن ساعدة قال و قد روى السائب بن أبي لبابة أن رسول الله ص أسهم لمبشر بن عبد المنذر قال و قد قدم بسهمه علينا معن بن عدي . قال الواقدي و كانت الإبل التي أصابوا يومئذ مائة و خمسين بعيرا و كان معه أدم كثير حملوه للتجارة فمنعه المسلمون يومئذ و كان فيما أصابوا قطيفة حمراء فقال بعضهم ما لنا لا نرى القطيفة ما نرى رسول الله ص إلا أخذها فأنزل الله تعالى وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ و جاء رجل إلى رسول الله ص و قال يا رسول الله إن فلانا غل قطيفة فسأل رسول الله ص الرجل فقال لم أفعل فقال الدال يا رسول الله احفروا هاهنا فحفرنا فاستخرجت القطيفة فقال قائل يا رسول الله استغفر لفلان مرتين أو مرارا فقال ع دعونا من أبي حر . قال الواقدي و أصاب المسلمون من خيولهم عشرة أفراس و كان جمل أبي جهل فيما غنموه فأخذه النبي ص فلم يزل عنده يضرب في إبله و يغزو عليه حتى ساقه في هدي الحديبية فسأله يومئذ المشركون الجمل بمائة بعير فقال لو لا أنا سميناه في الهدي لفعلنا قال الواقدي و كان لرسول الله ص صفي من الغنيمة قبل القسمة فتنفل سيفه ذا الفقار يومئذ كان لمنبه بن الحجاج و كان رسول الله ص قد غزا إلى بدر بسيف وهبه له سعد بن عبادة يقال له العضب . قال و سمعت ابن أبي سبرة يقول سمعت صالح بن كيسان يقول خرج رسول

[ 169 ]

الله ص يوم بدر و ما معه سيف و كان أول سيف قلده سيف منبه بن الحجاج غنمه يوم بدر . و قال البلاذري كان ذو الفقار للعاص بن منبه بن الحجاج و يقال لمنبه و يقال لشيبة و الثبت عندنا أنه كان للعاص بن منبه . قال الواقدي و كان أبو أسيد الساعدي إذا ذكر الأرقم بن أبي الأرقم يقول ما يومي منه بواحد فيقال ما هذا هو فيقول أمر رسول الله ص المسلمين أن يردوا يوم بدر ما في أيديهم من المغنم فرددت سيف أبي عائذ المخزومي و اسم السيف المرزبان و كان له قيمة و قدر و أنا أطمع أن يرد إلي فكلم الأرقم رسول الله ص فيه و كان رسول الله ص لا يمنع شيئا يسأله فأعطاه السيف و خرج بني له يفعة فاحتمله الغول فذهبت به متوركة ظهرا فقيل لأبي أسيد و كانت الغيلان في ذلك الزمان فقال نعم و لكنها قد هلكت فلقي بني الأرقم بن أبي الأرقم فبهش إليه باكيا مستجيرا به فقال من أنت فأخبره فقالت الغول أنا حاضنته فلها عنه و الصبي يكذبها فلم يعرج عليه حتى الساعة فخرج من داري فرس لي فقطع رسنه فلقيه الأرقم بالغابة فركبه حتى إذا دنا من المدينة أفلت منه فتعذر إلي أنه أفلت مني فلم أقدر عليه حتى الساعة . قال و روى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سأل رسول الله ص يوم بدر سيف العاص بن منبه فأعطاه قال و أخذ ع مماليك حضروا بدرا و لم يسهم لهم و هم ثلاثة أعبد غلام لحاطب بن أبي بلتعة و غلام لعبد الرحمن

[ 170 ]

بن عوف و غلام لسعد بن معاذ و استعمل ص شقران غلامه على الأسرى فأخذوا من كل أسير ما لو كان حرا ما أصابه في المقسم . و روى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال رميت سهيل بن عمرو يوم بدر فقطعت نساءه فاتبعت أثر الدم حتى وجدته قد أخذه مالك بن الدخشم و هو ممسك بناصيته فقلت أسيري رميته فقال أسيري أخذته فأتينا رسول الله فأخذه منا جميعا و أفلت سهل الروحاء فصاح ع بالناس فخرجوا في طلبه فقال ص من وجده فليقتله فوجده هو ص فلم يقتله . قال الواقدي و أصاب أبو بردة بن نيار أسيرا من المشركين يقال له معبد بن وهب من بني سعد بن ليث فلقيه عمر بن الخطاب و كان عمر يحض على قتل الأسرى لا يرى أحدا في يديه أسيرا إلا أمر بقتله و ذلك قبل أن يتفرق الناس فلقيه معبد و هو أسير مع أبي بردة فقال أ ترون يا عمر أنكم قد غلبتم كلا و اللات و العزى فقال عمر عباد الله المسلمين أ تتكلم و أنت أسير في أيدينا ثم أخذه من أبي بردة فضرب عنقه و يقال إن أبا بردة قتله . قال الواقدي و روى أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد قال قال النبي ص يومئذ لا تخبروا سعدا بقتل أخيه فيقتل كل أسير في أيديكم . قال الواقدي و لما جي‏ء بالأسرى كره ذلك سعد بن معاذ فقال له رسول الله ص كأنه شق عليك أن يؤسروا قال نعم يا رسول الله كانت أول

[ 171 ]

وقعة التقينا فيها بالمشركين فأحببت أن يذلهم الله و أن يثخن فيهم القتل . قال الواقدي و كان النضر بن الحارث أسره المقداد يومئذ فلما خرج رسول الله ص من بدر فكان الأثيل عرض عليه الأسرى فنظر إلى النضر بن الحارث فأبده البصر فقال لرجل إلى جنبه محمد و الله قاتلي لقد نظر إلي بعينين فيهما الموت فقال الذي إلى جنبه و الله ما هذا منك إلا رعب فقال النضر لمصعب بن عمير يا مصعب أنت أقرب من هاهنا بي رحما كلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي هو و الله قاتلي إن لم تفعل قال مصعب إنك كنت تقول في كتاب الله كذا و كذا و تقول في نبيه كذا و كذا قال يا مصعب فليجعلني كأحد أصحابي إن قتلوا قتلت و إن من عليهم من علي قال مصعب إنك كنت تعذب أصحابه قال أما و الله لو أسرتك قريش ما قتلت أبدا و أنا حي قال مصعب و الله إني لأراك صادقا و لكن لست مثلك قطع الإسلام العهود . قال الواقدي و عرضت الأسرى على رسول الله ص فرأى النضر بن الحارث فقال اضربوا عنقه فقال المقداد أسيري يا رسول الله فقال اللهم أغن المقداد من فضلك قم يا علي فاضرب عنقه فقام علي فضرب عنقه بالسيف صبرا و ذلك بالأثيل فقالت أخته

يا راكبا إن الأثيل مظنة
من صبح خامسة و أنت موفق
بلغ به ميتا فإن تحية
ما إن تزال بها الركائب تخفق
مني إليه و عبرة مسفوحة
جادت لمائحها و أخرى تخنق

[ 172 ]

فليسمعن النضر إن ناديته
إن كان يسمع ميت أو ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه
لله أرحام هناك تمزق
صبرا يقاد إلى المدينة راغما
رسف المقيد و هو عان موثق
أ محمد و لأنت نجل نجيبة
في قومها و الفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت و ربما
من الفتى و هو المغيظ المحنق
و النضر أقرب من قتلت وسيلة
و أحقهم إن كان عتق يعتق

قال الواقدي و روي أن النبي ص لما وصل إليه شعرها رق له و قال لو كنت سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته . قال الواقدي و لما أسر سهيل بن عمرو قال عمر بن الخطاب يا رسول الله انزع ثنيتيه يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا أبدا فقال رسول الله ص لا أمثل به فيمثل الله بي و إن كنت نبيا و لعله يقوم مقاما لا تكرهه فقام سهيل بن عمرو بمكة حين جاءه وفاة النبي ص بخطبة أبي بكر بالمدينة كأنه كان يسمعها فقال عمر حين بلغه كلام سهيل أشهد أنك رسول الله يريد قوله ص لعله يقوم مقاما لا تكرهه . قال الواقدي و كان علي ع يحدث فيقول أتى جبريل النبي ص يوم بدر فخيره في الأسرى أن يضرب أعناقهم أو يأخذ منهم الفداء و يستشهد من المسلمين في قابل عدتهم فدعا رسول الله ص أصحابه و قال هذا جبريل يخيركم في الأسرى بين أن تضرب أعناقهم أو تؤخذ منهم الفدية و يستشهد

[ 173 ]

منكم قابلا عدتهم قالوا بل نأخذ الفدية و نستعين بها و يستشهد منا من يدخل الجنة فقبل منهم الفداء و قتل من المسلمين قابلا عدتهم بأحد . قلت لو كان هذا الحديث صحيحا لما عوتبوا فقيل لهم ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ حَتَّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيا وَ اَللَّهُ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ ثم قال لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اَللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ لأنه إذا كان خيرهم فقد أباحهم أخذ الفداء و أخبرهم أنه حسن فلا يجوز فيما بعد أن ينكره عليهم و يقول إنه قبيح قال الواقدي لما حبس الأسرى و جعل عليهم شقران مولى رسول الله ص طمعوا في الحياة فقالوا لو بعثنا إلى أبي بكر فإنه أوصل قريش لأرحامنا فبعثوا إلى أبي بكر فأتاهم فقالوا يا أبا بكر إن فينا الآباء و الأبناء و الإخوان و العمومة و بني العم و أبعدنا قريب كلم صاحبك فليمن علينا و يفادنا فقال نعم إن شاء الله لا آلوكم خيرا ثم انصرف إلى رسول الله ص قالوا و ابعثوا إلى عمر بن الخطاب فإنه من قد علمتم و لا يؤمن أن يفسد عليكم لعله يكف عنكم فأرسلوا إليه فجاءهم فقالوا له مثل ما قالوا لأبي بكر فقال لا آلوكم شرا ثم انصرف إلى النبي ص فوجد أبا بكر عنده و الناس حوله و أبو بكر يلينه و يغشاه و يقول يا رسول الله بأبي أنت و أمي قومك فيهم الآباء و الأبناء و العمومة و الإخوان و بنو العم و أبعدهم عنك قريب فامنن عليهم من الله عليك أو فادهم قوة للمسلمين فلعل الله يقبل بقلوبهم إليك ثم قام فتنحى ناحية و سكت رسول الله ص فلم يجبه فجاء عمر فجلس مجلس أبي بكر فقال يا رسول الله هم أعداء الله كذبوك

[ 174 ]

و قاتلوك و أخرجوك اضرب رقابهم فهم رءوس الكفر و أئمة الضلالة يوطئ الله بهم الإسلام و يذل بهم الشرك فسكت رسول الله ص و لم يجبه و عاد أبو بكر إلى مقعده الأول فقال بأبي أنت و أمي قومك فيهم الآباء و الأبناء و العمومة و الإخوان و بنو العم و أبعدهم منك قريب فامنن عليهم أو فادهم هم عشيرتك و قومك لا تكن أول من يستأصلهم و أن يهديهم الله خير من أن يهلكهم فسكت ص عنه فلم يرد عليه شيئا و قام ناحية فقام عمر فجلس مجلسه فقال يا رسول الله ما تنتظر بهم اضرب أعناقهم يوطئ الله بهم الإسلام و يذل أهل الشرك هم أعداء الله كذبوك و أخرجوك يا رسول الله اشف صدور المؤمنين لو قدروا منا على مثل هذا ما أقالونا أبدا فسكت رسول الله ص فلم يجبه فقام ناحية فجلس و عاد أبو بكر فكلمه مثل كلامه الأول فلم يجبه ثم تنحى فجاء عمر فكلمه بمثل كلامه الأول فلم يجبه ثم قام رسول الله ص فدخل قبته فمكث فيها ساعة ثم خرج و الناس يخوضون في شأنهم يقول بعضهم القول ما قال أبو بكر و آخرون يقولون القول ما قال عمر فلما خرج قال للناس ما تقولون في صاحبيكم هذين دعوهما فإن لهما مثلا مثل أبي بكر في الملائكة كميكائيل ينزل برضا الله و عفوه على عباده و مثله في الأنبياء كمثل إبراهيم كان ألين على قومه من العسل أوقد له قومه النار فطرحوه فيها فما زاد على أن قال أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ و قال فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ و كعيسى إذ يقول إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ و مثل عمر في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من الله و النقمة على أعداء الله و مثله في الأنبياء كمثل نوح كان أشد على قومه من الحجارة إذ يقول رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى

[ 175 ]

اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكافِرِينَ دَيَّاراً فدعا عليهم دعوة أغرق الله بها الأرض جميعا و مثل موسى إذ يقول رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ وَ اُشْدُدْ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا اَلْعَذابَ اَلْأَلِيمَ و إن بكم عيلة فلا يفوتنكم رجل من هؤلاء إلا بفداء أو ضربة عنق فقال عبد الله بن مسعود يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء . قال الواقدي هكذا روى ابن أبي حبيبة و هذا وهم سهيل بن بيضاء مسلم من مهاجرة الحبشة و شهد بدرا و إنما هو أخ له و يقال له سهيل قال قال عبد الله بن مسعود فإني رأيته يظهر الإسلام بمكة قال فسكت النبي ص قال عبد الله فما مرت علي ساعة قط كانت أشد علي من تلك الساعة جعلت أنظر إلى السماء أتخوف أن تسقط علي الحجارة لتقدمي بين يدي الله و رسوله بالكلام فرفع رسول الله ص رأسه فقال إلا سهيل بن بيضاء قال فما مرت علي ساعة أقر لعيني منها إذ قالها رسول الله ص ثم

قال إن الله عز و جل ليشدد القلب حتى يكون أشد من الحجارة و إنه ليلين القلب حتى يكون ألين من الزبد فقبل الفداء ثم قال بعد لو نزل عذاب يوم بدر لما نجا منه إلا عمر كان يقول اقتل و لا تأخذ الفداء و كان سعد بن معاذ يقول اقتل و لا تأخذ الفداء . قلت عندي في هذا كلام أما في أصل الحديث فلأن فيه أن رسول الله ص قال و مثله كعيسى إذ قال إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ و هذه الآية من المائدة و المائدة أنزلت في آخر عمره و لم ينزل بعدها إلا سورة براءة و بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة فكيف هذا اللهم إلا أن يكون قوله تعالى وَ إِذْ قالَ اَللَّهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ الآيات قد كانت أنزلت أما بمكة أو بالمدينة قبل بدر

[ 176 ]

فلما جمع عثمان القرآن ضمها إلى سورة المائدة فلعله قد كان ذلك فينبغي أن ننظر في هذا فهو مشكل . و أما حديث سهيل بن بيضاء فإنه يوهم مذهب موسى بن عمران في أن النبي ص كان يحكم في الوقائع بما يشاء لأنه قيل له احكم بما تشاء فإنك لا تحكم إلا بالحق و هو مذهب متروك إلا أنه يمكن أن يقال لعله لما سكت ص عند ما قال ابن مسعود ذلك القول نزل عليه في تلك السكتة الوحي و قيل له إلا سهيل بن بيضاء فقال حينئذ إلا سهيل بن بيضاء كما أوحي إليه . و أما الحديث الذي فيه لو نزل عذاب لما نجا منه إلا عمر فالواقدي و غيره من المحدثين اتفقوا على أن سعد بن معاذ كان يقول مثل ما قاله عمر بل هو المتبدئ بذلك الرأي و رسول الله ص بعد في العريش و المشركون لم ينفض جمعهم كل ذلك الانفضاض فكيف خص عمر بالنجاة وحده دون سعد و يمكن أن يقال إنه كان شديد التأليب و التحريض عليهم و كثير الإلحاح على رسول الله ص في أمرهم فنسب ذلك الرأي إليه لاشتهاره به و إن شركه فيه غيره .

قال الواقدي و حدثني معمر عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال قال رسول الله ص يوم بدر لو كان مطعم بن عدي حيا لوهبت له هؤلاء النتنى قال و كانت لمطعم بن عدي عند النبي ص يد أجاره حين رجع من الطائف .

[ 177 ]

قال الواقدي و حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال أمن رسول الله ص من الأسرى يوم بدر أبا عزة عمرو بن عبد الله بن عمير الجمحي و كان شاعرا فأعتقه رسول الله ص و قال له إن لي خمس بنات ليس لهن شي‏ء فتصدق بي عليهن يا محمد ففعل رسول الله ص ذلك و قال أبو عزة أعطيك موثقا ألا أقاتلك و لا أكثر عليك أبدا فأرسله رسول الله ص فلما خرجت قريش إلى أحد جاء صفوان بن أمية فقال اخرج معنا قال إني قد أعطيت محمدا موثقا ألا أقاتله و لا أكثر عليه أبدا و قد من علي و لم يمن على غيري حتى قتله أو أخذ منه الفداء فضمن له صفوان أن يجعل بناته مع بناته إن قتل و إن عاش أعطاه مالا كثيرا لا يأكله عياله فخرج أبو عزة يدعو العرب و يحشرها ثم خرج مع قريش يوم أحد فأسر و لم يؤسر غيره من قريش فقال يا محمد إنما خرجت كرها و لي بنات فامنن علي فقال رسول الله ص أين ما أعطيتني من العهد و الميثاق لا و الله لا تمسح عارضيك بمكة تقول سخرت بمحمد مرتين فقتله . قال و روى سعيد بن المسيب أن رسول الله ص قال يومئذ إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين يا عاصم بن ثابت قدمه فاضرب عنقه فقدمه عاصم فضرب عنقه . قال الواقدي و أمر رسول الله ص يوم بدر بالقلب أن تغور ثم أمر بالقتلى فطرحوا فيها كلهم إلا أمية بن خلف فإنه كان مسمنا انتفخ من يومه فلما أرادوا أن يلقوه تزايل لحمه فقال النبي ص اتركوه

[ 178 ]

و قال ابن إسحاق انتفخ أمية بن خلف في درعه حتى ملأها فلما ذهبوا يحركونه تزايل فأقروه و ألقوا عليه التراب و الحجارة ما غيبه . قال الواقدي و نظر رسول الله ص إلى عتبة بن ربيعة يجر إلى القليب و كان رجلا جسيما و في وجهه أثر الجدري فتغير وجه ابنه أبي حذيفة بن عتبة فقال له النبي ص ما لك كأنك ساءك ما أصاب أباك قال لا و الله يا رسول الله و لكني رأيت لأبي عقلا و شرفا كنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام فلما أخطأه ذلك و رأيت ما أصابه غاظني فقال أبو بكر كان و الله يا رسول الله أبقى في العشيرة من غيره و لقد كان كارها لوجهه و لكن الحين و مصارع السوء فقال رسول الله ص الحمد لله الذي جعل خد أبي جهل الأسفل و صرعه و شفانا منه فلما توافوا في القليب و

قد كان رسول الله ص يطوف عليهم و هم مصرعون جعل أبو بكر يخبره بهم رجلا رجلا و رسول الله ص يحمد الله و يشكره و يقول الحمد لله الذي أنجز لي ما وعدني فقد وعدني إحدى الطائفتين ثم وقف على أهل القليب فناداهم رجلا رجلا يا عتبة بن ربيعة و يا شيبة بن ربيعة و يا أمية بن خلف و يا أبا جهل بن هشام هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا بئس القوم كنتم لنبيكم كذبتموني و صدقني الناس و أخرجتموني و آواني الناس و قاتلتموني و نصرني الناس فقالوا يا رسول الله أ تنادي قوما قد ماتوا فقال لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق . و قال ابن إسحاق في كتاب المغازي إن عائشة كانت تروي هذا الخبر و تقول فالناس يقولون إن رسول الله ص قال لقد سمعوا ما قلت لهم و ليس كذلك إنما قال لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق .

[ 179 ]

قال محمد بن إسحاق و حدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال لما ناداهم رسول الله ص قال له المسلمون يا رسول الله أ تنادي قوما قد أنتنوا فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم و لكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني . قلت لقائل أن يقول لعائشة إذا جاز أن يعلموا و هم موتى جاز أن يسمعوا و هم موتى فإن قالت ما أخبرت أن يعلموا و هم موتى و لكن تعود الأرواح إلى أبدانهم و هي في القليب و يرون العذاب فيعلمون أن ما وعدهم به الرسول حق قيل لها و لا مانع من أن تعود الأرواح إلى أبدانهم و هي في القليب فيسمعوا صوت رسول الله ص فإذن لا وجه لإنكارها ما يقوله الناس . و يمكن أن ينتصر لقول عائشة على وجه حكمي و هو أن الأنفس بعد المفارقة تعلم و لا تسمع لأن الإحساس إنما يكون بواسطة الآلة و بعد الموت تفسد الآلة فأما العلم فإنه لا يحتاج إلى الآلة لأن النفس تعلم بجوهرها فقط . قال الواقدي و كان انهزام قريش و توليها حين زالت الشمس فأقام رسول الله ص ببدر و أمر عبد الله بن كعب بقبض الغنائم و حملها و أمر نفرا من أصحابه أن يعينوه فصلى العصر ببدر ثم راح فمر بالأثيل قبل غروب الشمس فنزل به و بات به و بأصحابه جراح و ليست بالكثيرة و قال من رجل يحفظنا الليلة فأسكت القوم فقام رجل فقال من أنت قال ذكوان بن عبد قيس قال اجلس ثم أعاد القول الثانية فقام رجل فقال من أنت قال ابن عبد القيس فقال اجلس ثم مكث ساعة و أعاد القول فقام رجل فقال من أنت قال أبو سبع فسكت .

[ 180 ]

ثم مكث ساعة و قال قوموا ثلاثتكم فقام ذكوان بن عبد قيس وحده فقال له و أين صاحباك قال يا رسول الله أنا الذي كنت أجيبك الليلة فقال رسول الله ص فحفظك الله فبات ذكوان يحرس المسلمين تلك الليلة حتى كان آخر الليل فارتحل . قال الواقدي و روي أن رسول الله ص صلى العصر بالأثيل فلما صلى ركعة تبسم فلما سلم سئل عن تبسمه فقال مر بي ميكائيل و على جناحه النقع فتبسم إلي و قال إني كنت في طلب القوم و أتاني جبريل على فرس أنثى معقود الناصية قد عم ثنيتيه الغبار فقال يا محمد إن ربي بعثني إليك و أمرني ألا أفارقك حتى ترضى فهل رضيت فقلت نعم . قال الواقدي و أقبل رسول الله ص بالأسرى حتى إذا كان بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أن يضرب عنق عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس و كان أسره عبد الله بن سلمة العجلاني فجعل عقبة يقول يا ويلي علام أقتل يا معشر قريش من بين من هاهنا فقال رسول الله ص لعداوتك لله و لرسوله فقال يا محمد منك أفضل فاجعلني كرجل من قومي إن قتلتهم قتلتني و إن مننت عليهم مننت علي و إن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم يا محمد من للصبية فقال النار قدمه يا عاصم فاضرب عنقه فقدمه عاصم فضرب عنقه فقال النبي ص بئس الرجل كنت و الله ما علمت كافرا بالله و برسوله و بكتابه مؤذيا لنبيه فأحمد الله الذي قتلك و أقر عيني منك . قال محمد بن إسحاق و روى عكرمة مولى ابن عباس عن أبي رافع قال كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب و كان الإسلام قد فشا فينا أهل البيت فأسلم العباس

[ 181 ]

و أسلمت أم الفضل زوجته و كان العباس يهاب قومه و يكره خلافهم فكان يكتم إسلامه و كان ذا مال كثير متفرق في قومه و كان عدو الله أبو لهب قد تخلف عن بدر و بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة و كذلك كانوا صنعوا لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله و أخزاه و وجدنا في أنفسنا قوة و عزا . قال و كنت رجلا ضعيفا و كنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم فو الله إني لجالس أنحت قداحي و عندي أم الفضل جالسة و قد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس إلى طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري فبينا هو جالس إذ قال للناس هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم و كان شهد مع المشركين بدرا فقال أبو لهب هلم يا ابن أخي فعندك و الله الخبر قال فجلس إليه و الناس قيام حوله فقال يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس قال لا شي‏ء و الله إن هو إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا فقتلونا كيف شاءوا و أسرونا كيف شاءوا و ايم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء و الأرض لا و الله ما تبقي شيئا و لا يقوم لها شي‏ء قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة ثم قلت تلك و الله الملائكة قال فرفع أبو لهب يده فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني و كنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته على رأسه فشجته شجة منكرة و قالت استضعفته إذ غاب

[ 182 ]

سيده فقام موليا ذليلا فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته . و لقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا و ما يدفنانه حتى أنتن في بيته و كانت قريش تتقي العدسة و عدواها كما يتقي الناس الطاعون حتى قال لهما رجل من قريش ويحكما أ لا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه قالا إنا نخشى هذه القرحة قال فانطلقا و أنا معكما فو الله ما غسلوه إلا قذفا عليه بالماء من بعيد ما يمسونه و أخرجوه فألقوه بأعلى مكة إلى كنان هناك و قذفوا عليه بالحجارة حتى واروه . قال محمد بن إسحاق فحضر العباس بدرا فأسر فيمن أسر و كان الذي أسره أبو اليسر كعب بن عمرو أحد بني سلمة فلما أمسى القوم و الأسارى محبوسون في الوثاق و بات رسول الله ص تلك الليلة ساهرا فقال له أصحابه ما لك لا تنام يا رسول الله قال سمعت أنين العباس من وثاقه فقاموا إليه فأطلقوه فنام رسول الله ص . قال و روى ابن عباس رحمه الله قال كان أبو اليسر رجلا مجموعا و كان العباس طويلا جسيما فقال رسول الله ص يا أبا اليسر كيف أسرت العباس قال يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته من قبل من هيئته كذا قال ص لقد أعانك عليه ملك كريم

قال محمد بن إسحاق قد كان رسول الله ص في أول الوقعة فنهى أن يقتل أحد من بني هاشم قال حدثني بذلك الزهري عن عبد الله بن ثعلبة حليف بني زهرة قال و حدثني العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس رحمه الله

[ 183 ]

قال و قال النبي ص لأصحابه إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم و غيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لنا بقتلهم فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله و من لقي أبا البختري فلا يقتله و من لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ص فلا يقتله فإنه إنما خرج مستكرها فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة أ نقتل آباءنا و إخواننا و عشائرنا و نترك العباس و الله لئن لقيته لألحمنه السيف فسمعها رسول الله ص فقال لعمر بن الخطاب يا أبا حفص يقول عمر و الله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ص بأبي حفص أ يضرب وجه عم رسول الله ص بالسيف فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنقه بالسيف فو الله لقد نافق قال فكان أبو حذيفة يقول و الله ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ و لا أزال منها خائفا أبدا إلا أن يكفرها الله عني بشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا قال محمد بن إسحاق و كان رسول الله ص لما استشار أبا بكر و عمر و سعد بن معاذ في أمر الأسارى غلظ عمر عليهم غلظة شديدة فقال يا رسول الله أطعني فيما أشير به عليك فإني لا آلوك نصحا قدم عمك العباس فاضرب عنقه بيدك و قدم عقيلا إلى علي أخيه يضرب عنقه و قدم كل أسير منهم إلى أقرب الناس إليه يقتله قال فكره رسول الله ص ذلك و لم يعجبه .

قال محمد بن إسحاق فلما قدم بالأسرى إلى المدينة قال رسول الله ص

[ 184 ]

افد نفسك يا عباس و ابني أخويك عقيل بن أبي طالب و نوفل بن الحارث بن عبد المطلب و حليفك عقبة بن عمرو فإنك ذو مال فقال العباس يا رسول الله إني كنت مسلما و لكن القوم استكرهوني فقال ص الله أعلم بإسلامك إن يكن ما قلت حقا فإن الله يجزيك به و أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافتد نفسك و قد كان رسول الله ص أخذ منه عشرين أوقية من ذهب أصابها معه حين أسر فقال العباس يا رسول الله احسبها لي من فدائي فقال ص ذاك شي‏ء أعطانا الله منك فقال يا رسول الله فإنه ليس لي مال قال فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت عند أم الفضل بنت الحارث و ليس معكما أحد ثم قلت إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا و كذا و لعبد الله كذا و كذا و لقثم كذا و كذا فقال العباس و الذي بعثك بالحق يا رسول الله ما علم بهذا أحد غيري و غيرها و إني لأعلم أنك رسول الله ثم فدى نفسه و ابني أخويه و حليفه قال الواقدي قدم رسول الله ص من الأثيل زيد بن حارثة و عبد الله بن رواحة يبشران الناس بالمدينة فجاء يوم الأحد في الضحى و فارق عبد الله زيدا بالعقيق فجعل عبد الله ينادي عوالي المدينة يا معشر الأنصار أبشروا بسلامة رسول الله و قتل المشركين و أسرهم قتل ابنا ربيعة و ابنا الحجاج و أبو جهل و زمعة بن الأسود و أمية بن خلف و أسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثير قال عاصم بن عدي فقمت إليه فنحوته فقلت أ حقا ما تقول يا ابن رواحة قال إي و الله و غدا يقدم رسول الله إن شاء الله و معه الأسرى مقرنين ثم تتبع دور الأنصار بالعالية يبشرهم دارا دارا و الصبيان يشتدون معه و يقولون قتل أبو جهل الفاسق حتى انتهوا إلى

[ 185 ]

دور بني أمية بن زيد و قدم زيد بن حارثة على ناقة النبي ص القصواء يبشر أهل المدينة فلما جاء المصلى صاح على راحلته قتل عتبة و شيبة ابنا ربيعة و ابنا الحجاج و أبو جهل و أبو البختري و زمعة بن الأسود و أمية بن خلف و أسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثيرة فجعل الناس لا يصدقون زيد بن حارثة و يقولون ما جاء زيد إلا فلا حتى غاظ المسلمين ذلك و خافوا قال و كان قدوم زيد حين سووا على رقية بنت رسول الله ص التراب بالبقيع فقال رجل من المنافقين لأسامة بن زيد قتل صاحبكم و من معه و قال رجل من المنافقين لأبي لبابة بن عبد المنذر قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون معه أبدا و قد قتل علية أصحابكم و قتل محمد و هذه ناقته نعرفها و هذا زيد بن حارثة لا يدري ما يقول من الرعب و قد جاء فلا فقال أبو لبابة كذب الله قولك و قالت يهود ما جاء زيد إلا فلا قال أسامة بن زيد فجئت حتى خلوت بأبي فقلت يا أبت أ حق ما تقول فقال إي و الله حقا يا بني فقويت نفسي فرجعت إلى ذلك المنافق فقلت أنت المرجف برسول الله و بالمسلمين لنقدمنك إلى رسول الله ص إذا قدم فليضربن عنقك فقال يا أبا محمد إنما هو شي‏ء سمعت الناس يقولونه . قال الواقدي فقدم بالأسرى و عليهم شقران و هم تسعة و أربعون رجلا الذين أحصوا و هم سبعون في الأصل مجمع عليه لا شك فيه إلا أنهم لم يحص سائرهم و لقي الناس رسول الله ص بالروحاء يهنئونه بفتح الله عليه فلقيه وجوه الخزرج فقال سلمة بن سلامة بن وقش ما الذي تهنئونه فو الله ما قتلنا إلا عجائز صلعا فتبسم النبي ص فقال يا ابن أخي أولئك الملأ لو رأيتهم لهبتهم و لو أمروك لأطعتهم و لو رأيت فعالك مع فعالهم لاحتقرتها و بئس القوم كانوا على ذلك لنبيهم فقال سلمة أعوذ بالله من غضبه و غضب رسوله إنك يا رسول الله لم تزل عني معرضا منذ كنا بالروحاء

[ 186 ]

في بدأتنا فقال ص أما ما قلت للأعرابي وقعت على ناقتك فهي حبلى منك ففحشت و قلت ما لا علم لك به و أما ما قلت في القوم فإنك عمدت إلى نعمة من نعم الله تزهدها فقبل رسول الله ص معذرته و كان من علية أصحابه . قال الواقدي فروى الزهري قال لقي أبو هند البياضي مولى فروة بن عمرو رسول الله و معه حميت مملوء حيسا أهداه له فقال رسول الله ص إنما أبو هند رجل من الأنصار فأنكحوه و أنكحوا إليه . قال الواقدي و لقيه أسيد بن حضير فقال يا رسول الله الحمد لله الذي ظفرك و أقر عينك و الله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر و أنا أظن بك أنك تلقى عدوا و لكني ظننت أنها العير و لو ظننت أنه عدو لما تخلفت فقال رسول الله صدقت . قال و لقيه عبد الله بن قيس بتربان فقال يا رسول الله الحمد لله على سلامتك و ظفرك كنت يا رسول الله ليالي خرجت مورودا أي محموما فلم تفارقني حتى كان بالأمس فأقبلت إليك فقال آجرك الله . قال الواقدي و كان سهيل بن عمرو لما كان بتنوكة بين السقيا و ملل كان مع مالك بن الدخشم الذي أسره فقال له خل سبيلي للغائط فقام معه فقال سهيل إني أحتشم فاستأخر عنى فاستأخر عنه فمضى سهيل على وجهه انتزع يده من القرآن و مضى فلما أبطأ سهيل على مالك بن الدخشم أقبل فصاح في الناس فخرجوا في طلبه و خرج النبي ص في طلبه بنفسه و قال من وجده فليقتله فوجده رسول الله

[ 187 ]

ص بنفسه أخفى نفسه بين شجرات فأمر به فربطت يداه إلى عنقه ثم قرنه إلى راحلته فلم يركب سهيل خطوة حتى قدم المدينة . قال الواقدي فحدثني إسحاق بن حازم بن عبد الله بن مقسم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال لقي رسول الله ص أسامة بن زيد و رسول الله ص على ناقته القصوى فأجلسه بين يديه و سهيل بن عمرو مجبوب و يداه إلى عنقه فلما نظر إلى سهيل قالوا يا رسول الله أبو يزيد قال نعم هذا الذي كان يطعم الخبز بمكة و قال البلاذري قال أسامة و هو يومئذ غلام يا رسول الله هذا الذي كان يطعم الناس بمكة السريد يعني الثريد . قلت هذه لثغة مقلوبة لأن الألثغ يبدل السين ثاء و هذا أبدل الثاء سينا و من الناس من يرويها هذا الذي كان يطعم الناس بمكة الشريد بالشين المعجمة . قال البلاذري و حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن أشياخه أن أسامة رأى سهيلا يومئذ فقال يا رسول الله هذا الذي كان يطعم السريد بمكة فقال رسول الله ص هذا أبو يزيد الذي يطعم الطعام و لكنه سعى في إطفاء نور الله فأمكن الله منه . قال و فيه يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي

يا با يزيد رأيت سيبك واسعا
و سماء جودك تستهل فتمطر

[ 188 ]

قال و فيه يقول مالك بن الدخشم و هو الذي أسره يوم بدر

أسرت سهيلا فلا أبتغي
به غيره من جميع الأمم
و خندف تعلم أن الفتى
سهيلا فتاها إذا تظلم
ضربت بذي الشفر حتى انثنى
و أكرهت نفسي على ذي العلم

أي على ذي العلم بسكون اللام و لكنه حركه للضرورة . و كان سهيل أعلم مشقوق الشفة العليا فكانت أنيابه بادية فلذلك قالوا ذو الأنياب . قال الواقدي و لما قدم بالأسرى كانت سودة بنت زمعة زوج النبي ص عند آل عفراء في مناحتهم على عوف و معوذ و ذلك قبل أن يضرب الحجاب قالت سودة فأتينا فقيل لنا هؤلاء الأسرى قد أتي بهم فخرجت إلى بيتي و رسول الله ص فيه و إذا أبو يزيد مجموعة يداه إلى عنقه في ناحية البيت فو الله ما ملكت نفسي حين رأيته مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراما فو الله ما راعني إلا قول رسول الله ص من البيت يا سودة أ على الله و على رسوله فقلت يا نبي الله و الذي بعثك بالحق إني ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت . قال الواقدي و حدثني خالد بن إلياس قال حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال دخل يومئذ خالد بن هشام بن المغيرة و أمية بن أبي حذيفة منزل أم سلمة و أم سلمة في مناحة آل عفراء فقيل لها أتي بالأسرى فخرجت فدخلت عليهم فلم تكلمهم حتى

[ 189 ]

رجعت فتجد رسول الله ص في بيت عائشة فقالت يا رسول الله إن بني عمي طلبوا أن يدخل بهم علي فأضيفهم و أدهن رءوسهم و ألم من شعثهم و لم أحب أن أفعل شيئا من ذلك حتى أستأمرك فقال ص لست أكره شيئا من ذلك فافعلي من هذا ما بدا لك قال الواقدي و حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال قال أبو العاص بن الربيع كنت مستأسرا مع رهط من الأنصار جزاهم الله خيرا كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز و أكلوا التمر و الخبز عندهم قليل و التمر زادهم حتى إن الرجل لتقع في يده الكسرة فيدفعها إلي و كان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك و يزيد قال و كانوا يحملوننا و يمشون . و قال محمد بن إسحاق في كتابه كان أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ختن رسول الله ص زوج ابنته زينب و كان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا و أمانة و تجارة و كان ابنا لهالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد و كان الربيع بن عبد العزى بعل هذه فكانت خديجة خالته فسألت خديجة رسول الله ص أن يزوجه زينب و كان رسول الله ص لا يخالف خديجة و ذلك قبل أن ينزل عليه الوحي فزوجه إياها فكان أبو العاص من خديجة بمنزلة ولدها فلما أكرم الله رسوله بنبوته آمنت به خديجة و بناته كلهن و صدقته و شهدن أن ما جاء به حق و دن بدينه و ثبت أبو العاص على شركه و كان رسول الله ص قد زوج عتبة بن أبي إحدى ابنتيه رقية أو أم كلثوم و ذلك من قبل أن ينزل عليه فلما أنزل عليه الوحي و نادى قومه بأمر الله باعدوه فقال بعضهم لبعض إنكم قد فرغتم محمد من همه أخذتم عنه بناته و أخرجتموهن من عياله فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن فمشوا إلى أبي العاص بن الربيع فقالوا فارق صاحبتك بنت محمد و نحن نزوجك أي

[ 190 ]

امرأة شئت من قريش فقال لا ها الله إذن لا أفارق صاحبتي و ما أحب أن لي بها امرأة من قريش فكان رسول الله ص إذا ذكره يثني عليه خيرا في صهره ثم مشوا إلى الفاسق عتبة بن أبي لهب فقالوا له طلق بنت محمد و نحن ننكحك أي امرأة شئت من قريش فقال إن أنتم زوجتموني ابنة أبان بن سعيد بن العاص أو ابنة سعيد بن العاص فارقتها فزوجوه ابنة سعيد بن العاص ففارقها و لم يكن دخل بها فأخرجها الله من يده كرامة لها و هوانا له ثم خلف عليها عثمان بن عفان بعده و كان رسول الله ص مغلوبا على أمره بمكة لا يحل و لا يحرم و كان الإسلام قد فرق بين زينب و أبي العاص إلا أن رسول الله ص كان لا يقدر و هو بمكة أن يفرق بينهما فأقامت معه على إسلامها و هو على شركه حتى هاجر رسول الله ص إلى المدينة و بقيت زينب بمكة مع أبي العاص فلما سارت قريش إلى بدر سار أبو العاص معهم فأصيب في الأسرى يوم بدر فأتي به النبي ص فكان عنده مع الأسارى فلما بعث أهل مكة في فداء أساراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بعلها بمال و كان فيما بعثت به قلادة كانت خديجة أمها أدخلتها بها على أبي العاص ليلة زفافها عليه فلما رآها رسول الله ص رق لها رقة شديدة و قال للمسلمين إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها و تردوا عليها ما بعثت به من الفداء فافعلوا فقالوا نعم يا رسول الله نفديك بأنفسنا و أموالنا فردوا عليها ما بعثت به و أطلقوا لها أبا العاص بغير فداء . قلت قرأت على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد البصري العلوي رحمه الله هذا الخبر فقال أ ترى أبا بكر و عمر لم يشهدا هذا المشهد أ ما كان يقتضي التكريم و الإحسان

[ 191 ]

أن يطيب قلب فاطمة بفدك و يستوهب لها من المسلمين أ تقصر منزلتها عند رسول الله ص عن منزله زينب أختها و هي سيدة نساء العالمين هذا إذا لم يثبت لها حق لا بالنحلة و لا بالإرث فقلت له فدك بموجب الخبر الذي رواه أبو بكر قد صار حقا من حقوق المسلمين فلم يجز له أن يأخذه منهم فقال و فداء أبي العاص بن الربيع قد صار حقا من حقوق المسلمين و قد أخذه رسول الله ص منهم فقلت رسول الله ص صاحب الشريعة و الحكم حكمه و ليس أبو بكر كذلك فقال ما قلت هلا أخذه أبو بكر من المسلمين قهرا فدفعه إلى فاطمة و إنما قلت هلا استنزل المسلمين عنه و استوهبه منهم لها كما استوهب رسول الله ص المسلمين فداء أبي العاص أ تراه لو قال هذه بنت نبيكم قد حضرت تطلب هذه النخلات أ فتطيبون عنها نفسا أ كانوا منعوها ذلك فقلت له قد قال قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد نحو هذا قال إنهما لم يأتيا بحسن في شرع التكرم و إن كان ما أتياه حسنا في الدين . قال محمد بن إسحاق و كان رسول الله ص لما أطلق سبيل أبي العاص أخذ عليه فيما نرى أو شرط عليه في إطلاقه أو أن أبا العاص وعد رسول الله ص ابتداء بأن يحمل زينب إليه إلى المدينة و لم يظهر ذلك من أبي العاص و لا من رسول الله ص إلا أنه لما خلي سبيله و خرج إلى مكة بعث رسول الله ص بعده زيد بن حارثة و رجلا من الأنصار فقال لهما كونا بمكان كذا حتى تمر بكما زينب فتصحبانها حتى تأتياني بها فخرجا نحو مكة و ذلك بعد بدر بشهر

[ 192 ]

أو شيعه فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فأخذت تتجهز قال محمد بن إسحاق فحدثت عن زينب أنها قالت بينا أنا أتجهز للحوق بأبي لقيتني هند بنت عتبة فقالت أ لم يبلغني يا بنت محمد أنك تريدين اللحوق بأبيك فقلت ما أردت ذلك فقالت أي بنت عم لا تفعلي إن كانت لك حاجة في متاع أو فيما يرفق بك في سفرك أو مال تبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك فلا تضطني مني فإنه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال قالت و ايم الله إني لأظنها حينئذ صادقة ما أظنها قالت حينئذ إلا لتفعل و لكن خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك قالت و تجهزت حتى فرغت من جهازي فحملني أخو بعلي و هو كنانة بن الربيع . قال محمد بن إسحاق قدم لها كنانة بن الربيع بعيرا فركبته و أخذ قوسه و كنانته و خرج بها نهارا يقود بعيرها و هي في هودج لها و تحدث بذلك الرجال من قريش و النساء و تلاومت في ذلك و أشفقت أن تخرج ابنة محمد من بينهم على تلك الحال فخرجوا في طلبها سراعا حتى أدركوها بذي طوى فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي و نافع بن عبد القيس الفهري فروعها هبار بالرمح و هي في الهودج و كانت حاملا فلما رجعت طرحت ما في بطنها و قد كانت من خوفها رأت دما و هي في الهودج فلذلك أباح رسول الله ص يوم فتح مكة دم هبار بن الأسود .

[ 193 ]

قلت و هذا الخبر أيضا قرأته على النقيب أبي جعفر رحمه الله فقال إذا كان رسول الله ص أباح دم هبار بن الأسود لأنه روع زينب فألقت ذا بطنها فظهر الحال أنه لو كان حيا لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها فقلت أروي عنك ما يقوله قوم إن فاطمة روعت فألقت المحسن فقال لا تروه عني و لا ترو عني بطلانه فإني متوقف في هذا الموضع لتعارض الأخبار عندي فيه . قال الواقدي فبرك حموها كنانة بن الربيع و نثل كنانته بين يديه ثم أخذ منها سهما فوضعه في كبد قوسه و قال أحلف بالله لا يدنو اليوم منها رجل إلا وضعت فيه سهما فتكر الناس عنه . قال و جاء أبو سفيان بن حرب في جلة من قريش فقال أيها الرجل اكفف عنا نبلك حتى نكلمك فكف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال إنك لم تحسن و لم تصب خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية جهارا و قد عرفت مصيبتنا و نكبتنا و ما دخل علينا من محمد أبيها فيظن الناس إذا أنت خرجت بابنته إليه جهارا أن ذلك عن ذل أصابنا و أن ذلك منا وهن و لعمري ما لنا في حبسها عن أبيها من حاجة و ما فيها من ثأر و لكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات و تحدث الناس بردها سلها سلا خفيا فألحقها بأبيها فردها كنانة بن الربيع إلى مكة فأقامت بها ليالي حتى إذا هدأ الصوت عنها حملها على بعيرها و خرج بها ليلا حتى سلمها إلى زيد بن حارثة و صاحبه فقدما بها على رسول الله ص .

قال محمد بن إسحاق فروى سليمان بن يسار عن أبي إسحاق الدوسي عن

[ 194 ]

أبي هريرة قال بعث رسول الله ص سرية أنا فيها إلى عير لقريش فيها متاع لهم و ناس منهم فقال إن ظفرتم بهبار بن الأسود و نافع بن عبد قيس فحرقوهما بالنار حتى إذا كان الغد بعث فقال لنا إني كنت قد أمرتكم بتحريق الرجلين إن أخذتموهما ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار إلا الله تعالى فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما و لا تحرقوهما . قلت لقائل من المجبرة أن يقول أ ليس هذا نسخ الشي‏ء قبل تقضي وقت فعله و أهل العدل لا يجيزون ذلك و هذا السؤال مشكل و لا جواب عنه إلا بدفع الخبر أما بتضعيف أحد من رواته أو إبطال الاحتجاج به لكونه خبر واحد أو بوجه آخر و هو أن نجيز للنبي الاجتهاد في الأحكام الشرعية كما يذهب إليه كثير من شيوخنا و هو مذهب القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة و مثل هذا الخبر حديث براءة و إنفاذها مع أبي بكر و بعث علي ع فأخذها منه في الطريق و قرأها على أهل مكة بعد أن كان أبو بكر هو المأمور بقراءتها عليهم . فأما البلاذري فإنه روى أن هبار بن الأسود كان ممن عرض لزينب بنت رسول الله ص حين حملت من مكة إلى المدينة فكان رسول الله ص يأمر سراياه إن ظفروا به أن يحرقوه بالنار ثم قال لا يعذب بالنار إلا رب النار و أمرهم إن ظفروا به أن يقطعوا يديه و رجليه و يقتلوه فلم يظفروا به حتى إذا كان يوم الفتح هرب هبار ثم قدم على رسول الله ص بالمدينة و يقال أتاه بالجعرانة حين فرغ من أمر حنين فمثل بين يديه و هو يقول أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله فقبل إسلامه و أمر ألا يعرض له و خرجت سلمى مولاة رسول الله ص

[ 195 ]

فقالت لا أنعم الله بك عينا فقال رسول الله ص مهلا فقد محا الإسلام ما قبله . قال البلاذري فقال الزبير بن العوام لقد رأيت رسول الله ص بعد غلظته على هبار بن الأسود يطأطئ رأسه استحياء منه و هبار يعتذر إليه و هو يعتذر إلى هبار أيضا . قال محمد بن إسحاق فأقام أبو العاص بمكة على شركه و أقامت زينب عند أبيها ص بالمدينة قد فرق بينهما الإسلام حتى إذا كان قبل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بمال له و أموال لقريش أبضعوا بها معه و كان رجلا مأمونا فلما فرغ من تجارته و أقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله ص فأصابوا ما معه و أعجزهم هو هاربا فخرجت السرية بما أصابت من ماله حتى قدمت به على رسول الله ص و خرج أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب ابنة رسول الله ص منزلها فاستجار بها فأجارته و إنما جاء في طلب ماله الذي أصابته تلك السرية فلما كبر رسول الله ص في صلاة الصبح و كبر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع فصلى رسول الله ص بالناس الصبح فلما سلم من الصلاة أقبل عليهم فقال أيها الناس هل سمعتم ما سمعت قالوا نعم قال أما و الذي نفس محمد بيده ما علمت بشي‏ء مما كان حتى سمعتم إنه يجير على الناس أدناهم ثم انصرف و دخل على ابنته زينب فقال أي بنية أكرمي مثواه و أحسني قراه و لا يصلن إليك فإنك

[ 196 ]

لا تحلين له ثم بعث إلى تلك السرية الذين كانوا أصابوا مال أبي العاص فقال لهم إن هذا الرجل منا بحيث علمتم و قد أصبتم له مالا فإن تحسنوا و تردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك و إن أبيتم فهو في‏ء الله الذي أفاء عليكم و أنتم أحق به فقالوا يا رسول الله بل نرده عليه فردوا عليه ماله و متاعه حتى إن الرجل كان يأتي بالحبل و يأتي الآخر بالشنة و يأتي الآخر بالإداوة و الآخر بالشظاظ حتى ردوا ماله و متاعه بأسره من عند آخره و لم يفقد منه شيئا ثم احتمل إلى مكة فلما قدمها أدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ممن كان أبضع معه بشي‏ء حتى إذا فرغ من ذلك قال لهم يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا فجزاك الله خيرا لقد وجدناك وفيا كريما قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و الله ما منعني من الإسلام إلا تخوف أن تظنوا أني أردت أن آكل أموالكم و أذهب بها فإذ سلمها الله لكم و أداها إليكم فإني أشهدكم أني قد أسلمت و اتبعت دين محمد ثم خرج سريعا حتى قدم على رسول الله المدينة . قال محمد بن إسحاق فحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ص رد زينب بعد ست سنين على أبي العاص بالنكاح الأول لم يحدث شيئا قال الواقدي فلما فرغ رسول الله ص من أمر الأسارى و فرق الله عز و جل ببدر بين الكفر و الإيمان أذل رقاب المشركين و المنافقين و اليهود و لم يبق بالمدينة يهودي و لا منافق إلا خضعت عنقه .

[ 197 ]

و قال قوم من المنافقين ليتنا خرجنا معه حتى نصيب غنيمة و قالت يهود فيما بينها هو الذي نجد نعته في كتبنا و الله لا ترفع له راية بعد اليوم إلا ظهرت . و قال كعب بن الأشرف بطن الأرض اليوم خير من ظهرها هؤلاء أشراف الناس و ساداتهم و ملوك العرب و أهل الحرم و الأمن قد أصيبوا و خرج إلى مكة فنزل على أبي وداعة بن ضبيرة و جعله يرسل هجاء المسلمين و رثى قتلى بدر من المشركين فقال

طحنت رحى بدر لمهلك أهله
و لمثل بدر يستهل و يدمع
قتلت سراة الناس حول حياضه
لا تبعدوا إن الملوك تصرع
و يقول أقوام أذل بعزهم
إن ابن أشرف ظل كعبا يجزع
صدقوا فليت الأرض ساعة قتلوا
ظلت تسيخ بأهلها و تصدع
نبئت أن الحارث بن هشامهم
في الناس يبني الصالحات و يجمع
ليزور يثرب بالجموع و إنما
يسعى على الحسب القديم الأروع

قال الواقدي أملاها علي عبد الله بن جعفر و محمد بن صالح و ابن أبي الزناد فلما أرسل كعب هذه الأبيات أخذها الناس بمكة عنه و أظهروا المراثي و قد كانوا حرموها كيلا يشمت المسلمون بهم و جعل الصبيان و الجواري ينشدونها بمكة فناحت بها قريش

[ 198 ]

على قتلاها شهرا و لم تبق دار بمكة إلا فيها النوح و جز النساء شعورهن و كان يؤتى براحلة الرجل منهم أو بفرسه فتوقف بين أظهرهم فينوحون حولها و خرجن إلى السكك و ضربن الستور في الأزقة و قطعن فخرجن إليها ينحن و صدق أهل مكة رؤيا عاتكة و جهيم بن الصلت . قال الواقدي و كان الذين قدموا من قريش في فداء الأسرى أربعة عشر رجلا و قيل خمسة عشر رجلا و كان أول من قدم المطلب بن أبي وداعة ثم قدم الباقون بعده بثلاث ليال . قال فحدثني إسحاق بن يحيى قال سألت نافع بن جبير كيف كان الفداء قال أرفعهم أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف إلا قوما لا مال لهم من عليهم رسول الله ص . قال الواقدي و قال رسول الله ص في أبي وداعة إن له بمكة ابنا كيسا له مال و هو مغل فداءه فلما قدم افتداه بأربعة آلاف و كان أول أسير افتدي و ذلك أن قريشا قالت لابنه المطلب بن أبي وداعة و رأته يتجهز يخرج إليه لا تعجل فإنا نخاف أن تفسد علينا في أسارانا و يرى محمد تهالكنا فيغلي علينا الفدية فإن كنت تجد فإن كل قومك لا يجدون من السعة ما تجد فقال لا أخرج حتى تخرجوا فخادعهم حتى إذا غفلوا خرج من الليل على راحلته فسار أربعة ليال إلى المدينة فافتدى أباه بأربعة آلاف فلامه قريش في ذلك فقال ما كنت لأترك أبي أسيرا في أيدي القوم و أنتم مضجعون فقال أبو سفيان بن حرب إن هذا غلام حدث يعجب بنفسه و برأيه و هو مفسد عليكم إني و الله غير مفتد عمرو بن أبي سفيان و لو مكث سنة

[ 199 ]

أو يرسله محمد و الله ما أنا بأعوذكم و لكني أكره أن أدخل عليكم ما يشق عليكم و لكن يكون عمرو كأسوتكم . قال الواقدي فأما أسماء القوم الذين قدموا في الأسرى فإنه قدم من بني عبد شمس الوليد بن عقبة بن أبي معيط و عمرو بن الربيع أخو أبي العاص بن الربيع و من بني نوفل بن عبد مناف جبير بن مطعم و من بني عبد الدار بن قصي طلحة بن أبي طلحة و من بني أسد بن عبد العزى بن قصي عثمان بن أبي حبيش و من بني مخزوم عبد الله بن أبي ربيعة و خالد بن الوليد و هشام بن الوليد بن المغيرة و فروة بن السائب و عكرمة بن أبي جهل و من بني جمح أبي بن خلف و عمير بن وهب و من بني سهم المطلب بن أبي وداعة و عمرو بن قيس و من بني مالك بن حسل مكرز بن حفص بن الأحنف كل هؤلاء قدموا المدينة في فداء أهلهم و عشائرهم و كان جبير بن مطعم يقول دخل الإسلام في قلبي منذ قدمت المدينة في الفداء سمعت رسول الله ص يقرأ في صلاة المغرب وَ اَلطُّورِ وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ فاستمعت قراءته فدخل الإسلام في قلبي منذ ذلك اليوم