القول في أسماء الذين تعاقدوا من قريش على قتل رسول الله ص و ما أصابوه به في المعركة يوم الحرب

قال الواقدي تعاقد من قريش على قتل رسول الله ص عبد الله بن شهاب الزهري و ابن قميئة أحد بني الحارث بن فهر و عتبة بن أبي وقاص الزهري و أبي بن خلف الجمحي فلما أتى خالد بن الوليد من وراء المسلمين و اختلطت الصفوف و وضع المشركون السيف في المسلمين رمى عتبة بن أبي وقاص رسول الله ص بأربعة أحجار فكسر رباعيته و شجه في وجهه حتى غاب حلق المغفر في وجنتيه و أدمى شفتيه . قال الواقدي و قد روي أن عتبة أشظى باطن رباعيته السفلى قال و الثبت عندنا أن الذي رمى وجنتي رسول الله ص ابن قميئة و الذي رمى شفته و أصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص . قال الواقدي أقبل ابن قميئة يومئذ و هو يقول دلوني على محمد فو الذي يحلف به لئن رأيته لأقتلنه فوصل إلى رسول الله ص فعلاه بالسيف و رماه عتبة

[ 4 ]

بن أبي وقاص في الحال التي جلله ابن قميئة فيها السيف و كان ع فارسا و هو لابس درعين مثقل بهما فوقع رسول الله ص عن الفرس في حفرة كانت أمامه . قال الواقدي أصيب ركبتاه جحشتا لما وقع في تلك الحفرة و كانت هناك حفر حفرها أبو عامر الفاسق كالخنادق للمسلمين و كان رسول الله ص واقفا على بعضها و هو لا يشعر فجحشت ركبتاه و لم يصنع سيف ابن قميئة شيئا إلا وهز الضربة بثقل السيف فقد وقع رسول الله ص ثم انتهض و طلحة يحمله من ورائه و علي ع آخذ بيديه حتى استوى قائما . قال الواقدي فحدثني الضحاك بن عثمان عن حمزة بن سعيد عن أبي بشر المازني قال حضرت يوم أحد و أنا غلام فرأيت ابن قميئة علا رسول الله ص بالسيف و رأيت رسول الله ص وقع على ركبتيه في حفرة أمامه حتى توارى في الحفرة فجعلت أصيح و أنا غلام حتى رأيت الناس ثابوا إليه . قال فأنظر إلى طلحة بن عبيد الله آخذا بحضنه حتى قام . قال الواقدي و يقال إن الذي شج رسول الله ص في جبهته ابن شهاب و الذي أشظى رباعيته و أدمى شفتيه عتبة بن أبي وقاص و الذي أدمى وجنتيه حتى غاب الحلق فيهما ابن قميئة و إنه سال الدم من الشجة التي في جبهته حتى أخضل لحيته

و كان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه و رسول الله ص يقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم و هو يدعوهم إلى الله تعالى فأنزل الله تعالى قوله لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ الآية

[ 5 ]

قال الواقدي و روى سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله ص يومئذ اشتد غضب الله على قوم دموا فا رسول الله ص اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله ص قال سعد فلقد شفاني من عتبة أخي دعاء رسول الله ص و لقد حرصت على قتله حرصا ما حرصت على شي‏ء قط و إن كان ما علمت لعاقا بالوالد سيئ الخلق و لقد تخرقت صفوف المشركين مرتين أطلب أخي لأقتله و لكنه راغ مني روغان الثعلب فلما كان الثالثة قال رسول الله ص يا عبد الله ما تريد أ تريد أن تقتل نفسك فكففت فقال رسول الله ص اللهم لا تحولن الحول على أحد منهم قال سعد فو الله ما حال الحول على أحد ممن رماه أو جرحه مات عتبة و أما ابن قميئة فاختلف فيه فقائل يقول قتل في المعرك و قائل يقول إنه رمي بسهم في ذلك اليوم فأصاب مصعب بن عمير فقتله فقال خذها و أنا ابن قميئة فقال رسول الله ص أقمأه الله فعمد إلى شاة يحتلبها فتنطحه بقرنها و هو معتلقها فقتلته فوجد ميتا بين الجبال لدعوة رسول الله ص و كان عدو الله رجع إلى أصحابه فأخبرهم أنه قتل محمدا . قال و ابن قميئة رجل من بني الأدرم من بني فهر . و زاد البلاذري في الجماعة التي تعاهدت و تعاقدت على قتل رسول الله ص يوم أحد عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي . قال و ابن شهاب الذي شج رسول الله ص في جبهته هو عبد الله

[ 6 ]

بن شهاب الزهري جد الفقيه المحدث محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب و كان ابن قميئة أدرم ناقص الذقن و لم يذكر اسمه و لا ذكره الواقدي أيضا . قلت سألت النقيب أبا جعفر عن اسمه فقال عمرو فقلت له أ هو عمرو بن قميئة الشاعر قال لا هو غيره فقلت له ما بال بني زهرة في هذا اليوم فعلوا الأفاعيل برسول الله ص و هم أخواله ابن شهاب و عتبة بن أبي وقاص فقال يا ابن أخي حركهم أبو سفيان و هاجهم على الشر لأنهم رجعوا يوم بدر من الطريق إلى مكة فلم يشهدوها فاعترض عيرهم و منعهم عنها و أغرى بها سفهاء أهل مكة فعيروهم برجوعهم و نسبوهم إلى الجبن و إلى الإدهان في أمر محمد ص و اتفق أنه كان فيهم مثل هذين الرجلين فوقع منهما يوم أحد ما وقع . قال البلاذري مات عتبة يوم أحد من وجع أليم أصابه فتعذب به و أصيب ابن قميئة في المعركة و قيل نطحته عنز فمات . قال و لم يذكر الواقدي ابن شهاب كيف مات و أحسب ذلك بالوهم منه . قال و حدثني بعض قريش أن أفعى نهشت عبد الله بن شهاب في طريقه إلى مكة فمات قال و سألت بعض بني زهرة عن خبره فأنكروا أن يكون رسول الله ص دعا عليه أو يكون شج رسول الله ص و قالوا إن الذي شجه في وجهه عبد الله بن حميد الأسدي . فأما عبد الله بن حميد الفهري فإن الواقدي و إن لم يذكره في الجماعة الذين

[ 7 ]

تعاقدوا على قتل رسول الله ص إلا أنه قد ذكر كيفية قتله . قال الواقدي و يقبل عبد الله بن حميد بن زهير حين رأى رسول الله ص على تلك الحال يعني سقوطه من ضربة ابن قميئة يركض فرسه مقنعا في الحديد يقول أنا ابن زهير دلوني على محمد فو الله لأقتلنه أو لأموتن دونه فتعرض له أبو دجانة فقال هلم إلى من يقي نفس محمد ص بنفسه فضرب فرسه فعرقبها فاكتسعت ثم علاه بالسيف و هو يقول خذها و أنا ابن خرشة حتى قتله

و رسول الله ص ينظر إليه و يقول اللهم ارض عن ابن خرشة كما أنا عنه راض هذه رواية الواقدي و بها قال البلاذري إن عبد الله بن حميد قتله أبو دجانة . فأما محمد بن إسحاق فقال إن الذي قتل عبد الله بن حميد علي بن أبي طالب ع و به قالت الشيعة . و روى الواقدي و البلاذري أن قوما قالوا إن عبد الله بن حميد هذا قتل يوم بدر . فالأول الصحيح أنه قتل يوم أحد و قد روى كثير من المحدثين أن رسول الله ص قال لعلي ع حين سقط ثم أقيم اكفني هؤلاء لجماعة قصدت نحوه فحمل عليهم فهزمهم و قتل منهم عبد الله بن حميد من بني أسد بن عبد العزى ثم حملت عليه طائفة أخرى فقال له اكفني هؤلاء فحمل عليهم فانهزموا من بين يديه و قتل منهم أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي . قال فأما أبي بن خلف فروى الواقدي أنه أقبل يركض فرسه حتى إذا دنا من رسول الله ص اعترض له ناس من أصحابه ليقتلوه فقال لهم استأخروا

[ 8 ]

عنه ثم قام إليه و حربته في يده فرماه بها بين سابغة البيضة و الدرع فطعنه هناك فوقع عن فرسه فانكسر ضلع من أضلاعه و احتمله قوم من المشركين ثقيلا حتى ولوا قافلين فمات في الطريق و قال و فيه أنزلت وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اَللَّهَ رَمى‏ قال يعني قذفه إياه بالحربة قال الواقدي و حدثني يونس بن محمد الظفري عن عاصم بن عمر عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال كان أبي بن خلف قدم في فداء ابنه و كان أسر يوم بدر فقال يا محمد إن عندي فرسا لي أعلفها فرقا من ذرة كل يوم لأقتلك عليها فقال رسول الله ص بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله تعالى . و يقال إن أبيا إنما قال ذلك بمكة فبلغ رسول الله ص بالمدينة كلمته فقال بل أنا أقتله عليها إن شاء الله قال و كان رسول الله ص في القتال لا يلتفت وراءه فكان يوم أحد يقول لأصحابه إني أخشى أن يأتي أبي بن خلف من خلفي فإذا رأيتموه فآذنوني و إذا بأبي يركض على فرسه و قد رأى رسول الله ص فعرفه فجعل يصيح بأعلى صوته يا محمد لا نجوت إن نجوت فقال القوم يا رسول الله ما كنت صانعا حين يغشاك أبي فاصنع فقد جاءك و إن شئت عطف عليه بعضنا فأبى رسول الله ص و دنا أبي فتناول رسول الله ص الحربة من الحارث بن الصمة ثم انتفض كما ينتفض البعير قال فتطايرنا

[ 9 ]

عنه تطاير الشعارير و لم يكن أحد يشبه رسول الله ص إذا جد الجد ثم طعنه بالحربة في عنقه و هو على فرسه لم يسقط إلا أنه خار كما يخور الثور فقال له أصحابه أبا عامر و الله ما بك بأس و لو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره قال و اللات و العزى لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا كلهم أجمعون أ ليس قال لأقتلنه فاحتملوه و شغلهم ذلك عن طلب رسول الله ص حتى التحق بعظم أصحابه في الشعب . قال الواقدي و يقال إنه تناول الحربة من الزبير بن العوام قال و يقال إنه لما تناول الحربة من الزبير حمل أبي على رسول الله ص ليضربه بالسيف فاستقبله مصعب بن عمير حائلا بنفسه بينهما و إن مصعبا ضرب بالسيف أبيا في وجهه و أبصر رسول الله ص فرجة من بين سابغة البيضة و الدرع فطعنه هناك فوقع و هو يخور . قال الواقدي و كان عبد الله بن عمر يقول مات أبي بن خلف ببطن رابغ منصرفهم إلى مكة قال فإني لأسير ببطن رابغ بعد ذلك و قد مضى هوي من الليل إذا نار تأجج فهبتها و إذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح العطش و إذا رجل يقول لا تسقه فإن هذا قتيل رسول الله ص هذا أبي بن خلف فقلت ألا سحقا و يقال إنه مات بسرف

[ 10 ]