القول في مقتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه

قال الواقدي كان وحشي عبدا لابنة الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف و يقال كان لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقالت له ابنة الحارث إن أبي قتل يوم بدر فإن أنت قتلت أحد الثلاثة فأنت حر محمد و علي بن أبي طالب و حمزة بن عبد المطلب فإني لا أرى في القوم كفؤا لأبي غيرهم فقال وحشي أما محمد فقد علمت أني لا أقدر عليه و أن أصحابه لن يسلموه و أما حمزة فو الله لو وجدته نائما ما أيقظته من هيبته و أما علي فألتمسه قال وحشي فكنت يوم أحد ألتمسه فبينا أنا في طلبه طلع علي فطلع رجل حذر مرس كثير الالتفات فقلت ما هذا بصاحبي الذي ألتمس إذ رأيت حمزة يفري الناس فريا فكمنت له إلى صخرة و هو مكبس له كتيت فاعترض له سباع ابن أم نيار و كانت أمه ختانة بمكة مولاة لشريف بن علاج بن عمرو بن وهب الثقفي و كان سباع يكنى أبا نيار فقال له حمزة و أنت أيضا يا ابن مقطعة البظور ممن يكثر علينا هلم إلي فاحتمله حتى إذا برقت قدماه رمى به فبرك عليه فشحطه شحط الشاة ثم أقبل علي مكبا حين رآني فلما

[ 12 ]

بلغ المسيل وطئ على جرف فزلت قدمه فهززت حربتي حتى رضيت منها فأضرب بها في خاصرته حتى خرجت من مثانته و كر عليه طائفة من أصحابه فأسمعهم يقولون أبا عمارة فلا يجيب فقلت قد و الله مات الرجل و ذكرت هندا و ما لقيت على أبيها و عمها و أخيها و انكشف عنه أصحابه حين أيقنوا بموته و لا يروني فأكر عليه فشققت بطنه فاستخرجت كبده فجئت بها إلى هند بنت عتبة فقلت ما ذا لي إن قتلت قاتل أبيك قالت سلني فقلت هذه كبد حمزة فمضغتها ثم لفظتها فلا أدري لم تسغها أو قذرتها فنزعت ثيابها و حليها فأعطتنيه ثم قالت إذا جئت مكة فلك عشرة دنانير ثم قالت أرني مصرعه فأريتها مصرعه فقطعت مذاكيره و جدعت أنفه و قطعت أذنيه ثم جعلت ذلك مسكتين و معضدين و خدمتين حتى قدمت بذلك مكة و قدمت بكبده أيضا معها . قال الواقدي و حدثني عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون عن الزهري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال غزونا الشام في زمن عثمان بن عفان فمررنا بحمص بعد العصر فقلنا وحشي فقيل لا تقدرون عليه هو الآن يشرب الخمر حتى يصبح فبتنا من أجله و إننا لثمانون رجلا فلما صلينا الصبح جئنا إلى منزله فإذا شيخ كبير قد طرحت له زربية قدر مجلسه فقلنا له أخبرنا عن قتل حمزة و عن قتل مسيلمة فكره ذلك و أعرض عنه فقلنا ما بتنا هذه الليلة إلا من أجلك فقال إني كنت عبدا لجبير بن مطعم بن عدي فلما خرج الناس إلى أحد دعاني فقال قد رأيت مقتل طعيمة بن عدي قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر فلم تزل نساؤنا في حزن

[ 13 ]

شديد إلى يومي هذا فإن قتلت حمزة فأنت حر فخرجت مع الناس و لي مزاريق كنت أمر بهند بنت عتبة فتقول إيه أبا دسمة اشف و اشتف فلما وردنا أحدا نظرت إلى حمزة يقدم الناس يهدهم هدا فرآني و قد كمنت له تحت شجرة فأقبل نحوي و تعرض له سباع الخزاعي فأقبل إليه و قال و أنت أيضا يا ابن مقطعة البظور ممن يكثر علينا هلم إلي و أقبل نحوه حتى رأيت برقان رجليه ثم ضرب به الأرض و قتله و أقبل نحوي سريعا فيعترض له جرف فيقع فيه و أزرقه بمزراق فيقع في لبته حتى خرج من بين رجليه فقتله و مررت بهند بنت عتبة فآذنتها فأعطتني ثيابها و حليها و كان في ساقيها خدمتان من جزع ظفار و مسكتان من ورق و خواتيم من ورق كن في أصابع رجليها فأعطتني بكل ذلك و أما مسيلمة فإنا دخلنا حديقة الموت يوم اليمامة فلما رأيته زرقته بالمزراق و ضربه رجل من الأنصار بالسيف فربك أعلم أينا قتله إلا أني سمعت امرأة تصيح فوق جدار قتله العبد الحبشي قال عبيد الله فقلت أ تعرفني فأكر بصره علي و قال ابن عدي لعاتكة بنت العيص قلت نعم قال أما و الله ما لي بك عهد بعد أن دفعتك إلى أمك في محفتك التي كانت ترضعك فيها و نظرت إلى برقان قدميك حتى كأنه الآن . و روى محمد بن إسحاق في كتاب المغازي قال علت هند يومئذ صخرة مشرفة و صرخت بأعلى صوتها

نحن جزيناكم بيوم بدر
و الحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر
و لا أخي و عمه و بكري
شفيت نفسي و قضيت نذري
شفيت وحشي غليل صدري

[ 14 ]

فشكر وحشي على عمري
حتى ترم أعظمي في قبري

قال فأجابتها هند بنت أثاثة بن المطلب بن عبد مناف

خزيت في بدر و غير بدر
يا بنت غدار عظيم الكفر
أفحمك الله غداة الفجر
بالهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري
حمزة ليثي و علي صقري
إذ رام شيب و أبوك قهري
فخضبا منه ضواحي النحر

قال محمد بن إسحاق و من الشعر الذي ارتجزت به هند بنت عتبة يوم أحد

شفيت من حمزة نفسي بأحد
حين بقرت بطنه عن الكبد
أذهب عني ذاك ما كنت أجد
من لوعة الحزن الشديد المعتمد
و الحرب تعلوكم بشؤبوب برد
نقدم إقداما عليكم كالأسد

قال محمد بن إسحاق حدثني صالح بن كيسان قال حدثت أن عمر بن الخطاب قال لحسان يا أبا الفريعة لو سمعت ما تقول هند و لو رأيت شرها قائمة على صخرة ترتجز بنا و تذكر ما صنعت بحمزة فقال حسان و الله إني لأنظر إلى الحربة تهوي و أنا على فارع يعني أطمة فقلت و الله إن هذه لسلاح ليس بسلاح العرب و إذا بها تهوي إلى حمزة و لا أدري و لكن أسمعني بعض قولها أكفيكموها فأنشده عمر بعض ما قالت فقال حسان يهجوها

أشرت لكاع و كان عادتها
لؤما إذا أشرت مع الكفر

[ 15 ]

أخرجت مرقصة إلى أحد
في القوم مقتبة على بكر
بكر ثفال لا حراك به
لا عن معاتبة و لا زجر
أخرجت ثائرة محاربة
بأبيك و ابنك بعد في بدر
و بعمك المتروك منجدلا
و أخيك منعفرين في الجفر
فرجعت صاغرة بلا ترة
منا ظفرت بها و لا وتر

و قال أيضا يهجوها

لمن سواقط ولدان مطرحة
باتت تفحص في بطحاء أجياد
باتت تمخض لم تشهد قوابلها
إلا الوحوش و إلا جنة الوادي
يظل يرجمه الصبيان منعفرا
و خاله و أبوه سيدا النادي

في أبيات كرهت ذكرها لفحشها . قال و روى الواقدي عن صفية بنت عبد المطلب قالت كنا قد رفعنا يوم أحد في الآطام و معنا حسان بن ثابت و كان من أجبن الناس و نحن في فارع فجاء نفر من يهود يرومون الأطم فقلت دونك يا ابن الفريعة فقال لا و الله لا أستطيع القتال و يصعد يهودي إلى الأطم فقلت شد على يدي السيف ثم برئت ففعل فضربت

[ 16 ]

عنق اليهودي و رميت برأسه إليهم فلما رأوه انكشفوا قالت و إني لفي فارع أول النهار مشرفة على الأطم فرأيت المزراق فقلت أ و من سلاحهم المزاريق أ فلا أراه هوى إلى أخي و لا أشعر ثم خرجت آخر النهار حتى جئت رسول الله ص و قد كنت أعرف انكشاف المسلمين و أنا على الأطم برجوع حسان إلى أقصى الأطم فلما رأى الدولة للمسلمين أقبل حتى وقف على جدار الأطم قال فلما انتهيت إلى رسول الله ص و معي نسوة من الأنصار لقيته و أصحابه أوزاع فأول من لقيت علي ابن أخي فقال ارجعي يا عمة فإن في الناس تكشفا فقلت رسول الله ص قال صالح قلت ادللني عليه حتى أراه فأشار إليه إشارة خفية فانتهيت إليه و به الجراحة .

قال الواقدي و كان رسول الله ص يقول يوم أحد ما فعل عمي ما فعل عمي فخرج الحارث بن الصمة يطلبه فأبطأ فخرج علي ع يطلبه فيقول

يا رب إن الحارث بن الصمة
كان رفيقا و بنا ذا ذمة
قد ضل في مهامة مهمة
يلتمس الجنة فيها ثمة

حتى انتهى إلى الحارث و وجد حمزة مقتولا فجاء فأخبر النبي ص فأقبل يمشي حتى وقف عليه فقال ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا الموقف . فطلعت صفية فقال يا زبير أغن عني أمك و حمزة يحفر له فقال الزبير يا أمه إن في الناس تكشفا فارجعي فقالت ما أنا بفاعلة حتى أرى رسول الله ص فلما رأته قالت يا رسول الله أين ابن أمي حمزة فقال هو في الناس قالت لا أرجع حتى أنظر إليه قال الزبير فجعلت أطدها إلى الأرض حتى دفن و

قال رسول الله

[ 17 ]

ص لو لا أن تحزن نساؤنا لذلك لتركناه للعافية يعني السباع و الطير حتى يحشر يوم القيامة من بطونها و حواصلها . قال الواقدي و روي أن صفية لما جاءت حالت الأنصار بينها و بين رسول الله ص فقال دعوها فجلست عنده فجعلت إذا بكت يبكي رسول الله ص و إذا نشجت ينشج رسول الله ص و جعلت فاطمة ع تبكي فلما بكت بكى رسول الله ص ثم قال لن أصاب بمثل حمزة أبدا

ثم قال ص لصفية و فاطمة أبشرا أتاني جبرائيل ع فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله

قال الواقدي و رأى رسول الله ص بحمزة مثلا شديدا فحزنه ذلك و قال إن ظفرت بقريش لأمثلن بثلاثين منهم فأنزل الله عليه وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ فقال ص بل نصبر فلم يمثل بأحد من قريش

قال الواقدي و قام أبو قتادة الأنصاري فجعل ينال من قريش لما رأى من غم رسول الله ص و في كل ذلك يشير إليه أن اجلس ثلاثا فقال رسول الله ص يا أبا قتادة إن قريشا أهل أمانة من بغاهم العواثر كبه الله لفيه و عسى إن طالت بك مدة أن تحقر عملك مع أعمالهم و فعالك مع فعالهم

[ 18 ]

لو لا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله تعالى فقال أبو قتادة و الله يا رسول الله ما غضبت إلا لله و رسوله حين نالوا منه ما نالوا فقال صدقت بئس القوم كانوا لنبيهم . قال الواقدي و كان عبد الله بن جحش قبل أن تقع الحرب قال يا رسول الله إن هؤلاء القوم قد نزلوا بحيث ترى فقد سألت الله فقلت اللهم أقسم عليك أن نلقى العدو غدا فيقتلوني و يبقروا بطني و يمثلوا بي فتقول لي فيم صنع بك هذا فأقول فيك قال و أنا أسألك يا رسول الله أخرى أن تلي تركتي من بعدي فقال له نعم فخرج عبد الله فقتل و مثل به كل المثل و دفن هو و حمزة في قبر واحد و ولي تركته رسول الله ص فاشترى لأمه مالا بخيبر . قال الواقدي و أقبلت أخته حمنة بنت جحش فقال لها رسول الله ص يا حمن احتسبي قالت من يا رسول الله قال خالك حمزة قالت إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ غفر الله له و رحمه و هنيئا له الشهادة ثم قال لها احتسبي قالت من يا رسول الله قال أخوك عبد الله قالت إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ غفر الله له و رحمه و هنيئا له الشهادة ثم قال احتسبي قالت من يا رسول قال بعلك مصعب بن عمير فقالت وا حزناه و يقال إنها قالت وا عقراه . قال محمد بن إسحاق في كتابه فصرخت و ولولت

قال الواقدي فقال رسول الله ص إن للزوج من المرأة مكانا ما هو لأحد و هكذا روى ابن إسحاق أيضا . قال الواقدي ثم قال لها رسول الله ص لم قلت هذا قالت ذكرت يتم بنيه فراعني فدعا رسول الله ص لولده أن يحسن الله عليهم الخلف

[ 19 ]

فتزوجت طلحة بن عبيد الله فولدت منه محمد بن طلحة فكان أوصل الناس لولد مصعب بن عمير