ذكر الجواب عما فخرت به بنو أمية

و نحن نذكر ما أجاب به أبو عثمان عن كلامهم و نضيف إليه من قبلنا أمورا لم يذكرها فنقول قالت هاشم أما ذكرتم من الدهاء و المكر فإن ذلك من أسماء فجار العقلاء و ليس من أسماء أهل الصواب في الرأي من العقلاء و الأبرار و قد بلغ أبو بكر و عمر من التدبير و صواب الرأي و الخبرة بالأمور العامة و ليس من أوصافهما و لا من أسمائهما أن يقال كانا داهيين و لا كانا مكيرين و ما عامل معاوية و عمرو بن العاص عليا ع قط بمعاملة إلا و كان علي ع أعلم بها منهما و لكن الرجل الذي يحارب و لا يستعمل إلا ما يجل له أقل مذاهب في وجوه الحيل و التدبير من الرجل الذي يستعمل ما يحل و ما لا يحل و كذلك من حدث و أخبر أ لا ترى أن الكذاب ليس لكذبه غاية و لا لما يولد و يصنع نهاية و الصدوق إنما يحدث عن شي‏ء معروف و معنى محدود و يدل على ما قلنا أنكم عددتم أربعة في الدهاء و ليس واحد منهم عند المسلمين في طريق المتقين و لو كان الدهاء مرتبة و المكر منزلة لكان تقدم هؤلاء الجميع السابقين الأولين عيبا شديدا في السابقين الأولين و لو أن إنسانا أراد أن يمدح أبا بكر و عمر و عثمان و عليا ثم قال الدهاة أربعة و عدهم لكان قد قال قولا مرغوبا عنه لأن الدهاء و المكر ليس من صفات الصالحين و إن علموا من غامض الأمور ما يجهله جميع العقلاء أ لا ترى أنه قد يحسن أن يقال كان رسول الله ص أكرم الناس و أحلم الناس و أجود الناس و أشجع الناس و لا يجوز أن يقال كان أمكر الناس و أدهى الناس و إن علمنا أن علمه قد أحاط بكل مكر و خديعة و بكل أدب و مكيدة . و أما ما ذكرتم من جود سعيد بن العاص و عبد الله بن عامر فأين أنتم من عبد الله بن جعفر و عبيد الله بن العباس و الحسن بن علي و أين أنتم من جود خلفاء بني

[ 271 ]

العباس كمحمد المهدي و هارون و محمد بن زبيدة و عبد الله المأمون و جعفر المقتدر بل لعل جود بعض صنائع هؤلاء كبني برمك و بني الفرات أعظم من جود الرجلين اللذين ذكرتموهما بل من جميع ما جاء به خلفاء بني أمية . و أما ما ذكرتم من حلم معاوية فلو شئنا أن نجعل جميع ساداتنا حلماء لكانوا محتملين لذلك و لكن الوجه في هذا ألا يشتق للرجل اسم إلا من أشرف أعماله و أكرم أخلاقه و إلا أن يتبين بذلك عند أصحابه حتى يصير بذلك اسما يسمى و يصير معروفا به كما عرف الأحنف بالحلم و كما عرف حاتم بالجود و كذلك هرم قالوا هرم الجواد و لو قلتم كان أبو العاص بن أمية أحلم الناس لقلنا و لعله يكون قد كان حليما و لكن ليس كل حلم يكون صاحبه به مذكورا و من إشكاله بائنا و إنكم لتظلمون خصومكم في تسميتكم معاوية بالحلم فكيف من دونه لأن العرب تقول أحلم الحلمين ألا يتعرض ثم يحلم و لم يكن في الأرض رجل أكثر تعرضا من معاوية و التعرض هو السفه فإن ادعيتم أن الأخبار التي جاءت في تعرضه كلها باطلة فإن لقائل أن يقول و كل خبر رويتموه في حلمه باطل و لقد شهر الأحنف بالحلم و لكنه تكلم بكلام كثير يجرح في الحلم و يثلم في العرض و لا يستطيع أحد أن يحكي عن العباس بن عبد المطلب و لا عن الحسن بن علي بن أبي طالب لفظا فاحشا و لا كلمة ساقطة و لا حرفا واحدا مما يحكى عن الأحنف و معاوية . و كان المأمون أحلم الناس و كان عبد الله السفاح أحلم الناس و بعد فمن يستطيع أن يصف هاشما أو عبد المطلب بالحلم دون غيره من الأخلاق و الأفعال حتى يسميه بذلك و يخص به دون كل شي‏ء فيه من الفضل و كيف و أخلاقهم متساوية و كلها في الغاية و لو أن رجلا كان أظهر الناس زهدا و أصدقهم للعدو لقاء و أصدق الناس لسانا

[ 272 ]

و أجود الناس كفا و أفصحهم منطقا و كان بكل ذلك مشهورا لمنع بعض ذلك من بعض و لما كان له اسم السيد المقدم و الكامل المعظم و لم يكن الجواد أغلب على اسمه و لا البيان و لا النجدة . و أما ما ذكرتم من الخطابة و الفصاحة و السؤدد و العلم بالأدب و النسب فقد علم الناس أن بني هاشم في الجملة أرق ألسنة من بني أمية كان أبو طالب و الزبير شاعرين و كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شاعرا و لم يكن من أولاد أمية بن عبد شمس لصلبه شاعر و لم يكن في أولاد أمية إلا أن تعدوا في الإسلام العرجي من ولد عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن الحكم فنعد نحن الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب و عبد الله بن معاوية بن جعفر و لنا من المتأخرين محمد بن الحسين بن موسى المعروف بالرضي و أخوه أبو القاسم و لنا الحماني و علي بن محمد صاحب الزنج و كان إبراهيم بن الحسن صاحب باخمرى أديبا شاعرا فاضلا و لنا محمد بن علي بن صالح الذي خرج في أيام المتوكل . قال أبو الفرج الأصفهاني كان من فتيان آل أبي طالب و فتاكهم و شجعانهم و ظرافهم و شعرائهم و إن عددتم الخطابة و البيان و الفصاحة لم تعدوا كعلي بن أبي طالب ع و لا كعبد الله بن العباس و لنا من الخطباء زيد بن علي بن الحسين و عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر و جعفر بن الحسين بن الحسن و داود بن علي بن عبد الله بن العباس و داود و سليمان ابنا جعفر بن سليمان . قالوا كان جعفر بن الحسين بن الحسن ينازع زيد بن علي بن الحسين في الوصية

[ 273 ]

و كان الناس يجتمعون ليستمعوا محاورتهما و كان سليمان بن جعفر بن سليمان بن علي والي مكة فكان أهل مكة يقولون لم يرد علينا أمير إلا و سليمان أبين منه قاعدا و أخطب منه قائما و كان داود إذا خطب اسحنفر فلم يرده شي‏ء . قالوا و لنا عبد الملك بن صالح بن علي كان خطيبا بليغا و سأله الرشيد و سليمان بن أبي جعفر و عيسى بن جعفر حاضران فقال له كيف رأيت أرض كذا قال مسافي ريح و منابت شيح قال فأرض كذا قال هضبات حمر و ربوات عفر حتى أتى على جميع ما سأله عنه فقال عيسى لسليمان و الله ما ينبغي لنا أن نرضى لأنفسنا بالدون من الكلام . قالوا و أما ما ذكرتم من نساك الملوك فلنا علي بن أبي طالب ع و بزهده و بدينه يضرب المثل و لنا محمد بن الواثق من خلفاء بني العباس و هو الملقب بالمهتدي كان يقول إني لآنف لبني العباس ألا يكون منهم مثل عمر بن عبد العزيز فكان مثله و فوقه و لنا القادر أبو العباس بن إسحاق بن المقتدر و لنا القائم عبد الله بن القادر كانا على قدم عظيمة من الزهد و الدين و النسك و إن عددتم النساك من غير الملوك فأين أنتم عن علي بن الحسين زين العابدين و أين أنتم عن علي بن عبد الله بن العباس و أين أنتم عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ع الذي كان يقال له علي الخير و علي الأغر و علي العابد و ما أقسم على الله بشي‏ء إلا و أبر قسمه و أين أنتم عن موسى بن جعفر بن محمد و أين أنتم عن علي بن محمد الرضا لابس الصوف طول عمره مع سعة أمواله و كثرة ضياعه و غلاته .

[ 274 ]

و أما ما ذكرتم من الفتوح فلنا الفتوح المعتصمية التي سارت بها الركبان و ضربت بها الأمثال و لنا فتوح الرشيد و لنا الآثار الشريفة في قتل بابك الخرمي بعد أن دامت فتنته في دار الإسلام نحو ثلاثين سنة و إن شئت أن تعد فتوح الطالبيين بإفريقية و مصر و ما ملكوه من مدن الروم و الفرنج و الجلالقة في سني ملكهم عددت الكثير الجم الذي يخرج عن الحصر و يحتاج إلى تاريخ مفرد يشتمل على جلود كثيرة . فأما الفقه و العلم و التفسير و التأويل فإن ذكرتموه لم يكن لكم فيه أحد و كان لنا فيه مثل علي بن أبي طالب ع و عبد الله بن العباس و زيد بن علي و محمد بن علي ابني علي بن الحسين بن علي و جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه و فقهه و يقال إن أبا حنيفة من تلامذته و كذلك سفيان الثوري و حسبك بهما في هذا الباب و لذلك نسب سفيان إلى أنه زيدي المذهب و كذلك أبو حنيفة . و من مثل علي بن الحسين زين العابدين و قال الشافعي في الرسالة في إثبات خبر الواحد وجدت علي بن الحسين و هو أفقه أهل المدينة يعول على أخبار الآحاد . و من مثل محمد بن الحنفية و ابنه أبي هاشم الذي قرر علوم التوحيد و العدل و قالت المعتزلة غلبنا الناس كلهم بأبي هاشم الأول و أبي هاشم الثاني . و إن ذكرتم النجدة و البسالة و الشجاعة فمن مثل علي بن أبي طالب ع و قد وقع اتفاق أوليائه و أعدائه على أنه أشجع البشر . و من مثل حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله و من مثل الحسين بن علي ع قالوا يوم الطف ما رأينا مكثورا قد أفرد من إخوته و أهله و أنصاره أشجع منه كان كالليث المحرب يحطم الفرسان حطما و ما ظنك برجل أبت نفسه الدنية و أن يعطي

[ 275 ]

بيده فقاتل حتى قتل هو و بنوه و إخوته و بنو عمه بعد بذل الأمان لهم و التوثقة بالأيمان المغلظة و هو الذي سن للعرب الإباء و اقتدى بعده أبناء الزبير و بنو المهلب و غيرهم . و من لكم مثل محمد و إبراهيم بن عبد الله و من لكم كزيد بن علي و قد علمتم كلمته التي قالها حيث خرج من عند هشام ما أحب الحياة إلا من ذل فلما بلغت هشاما قال خارج و رب الكعبة فخرج بالسيف و نهى عن المنكر و دعا إلى إقامة شعائر الله حتى قتل صابرا محتسبا . و قد بلغتكم شجاعة أبي إسحاق المعتصم و وقوفه في مشاهد الحرب بنفسه حتى فتح الفتوح الجليلة و بلغتكم شجاعة عبد الله بن علي و هو الذي أزال ملك بني مروان و شهد الحروب بنفسه و كذلك صالح بن علي و هو الذي اتبع مروان بن محمد إلى مصر حتى قتله . قالوا و إن كان الفضل و الفخر في تواضع الشريف و إنصاف السيد و سجاحة الخلق و لين الجانب للعشيرة و الموالي فليس لأحد من ذلك ما لبني العباس و لقد سألنا طارق بن المبارك و هو مولى لبني أمية و صنيعة من صنائعهم فقلنا أي القبيلتين أشد نخوة و أعظم كبرياء و جبرية أ بنو مروان أم بنو العباس فقال و الله لبنو مروان في غير دولتهم أعظم كبرياء من بني العباس في دولتهم و قد كان أدرك الدولتين و لذلك قال شاعرهم

إذا نابه من عبد شمس رأيته
يتيه فرشحه لكل عظيم

[ 276 ]

و إن تاه تياه سواهم فإنما
يتيه لنوك أو يتيه للوم

و من كلامهم من لم يكن من بني أمية تياها فهو دعي قالوا و إن كان الكبر مفخرا يمدح به الرجال و يعد من خصال الشرف و الفضل فمولانا عمارة بن حمزة أعظم كبرا من كل أموي كان و يكون في الدنيا و أخباره في كبره و تيهه مشهورة متعالمة . قالوا و إن كان الشرف و الفخر في الجمال و في الكمال و في البسطة في الجسم و تمام القوام فمن كان كالعباس بن عبد المطلب . قالوا رأينا العباس يطوف بالبيت و كأنه فسطاط أبيض . و من مثل علي بن عبد الله بن العباس و ولده و كان كل واحد منهم إذا قام إلى جنب أبيه كان رأسه عند شحمة أذنه و كانوا من أطول الناس و إنك لتجد ميراث ذلك اليوم في أولادهم . ثم الذي رواه أصحاب الأخبار و حمال الآثار في عبد المطلب من التمام و القوام و الجمال و البهاء و ما كان من لقب هاشم بالقمر لجماله و لأنهم يستضيئون برأيه و كما رواه الناس أن عبد المطلب ولد عشرة كان الرجل منهم يأكل في المجلس الجذعة و يشرب الفرق و ترد آنفهم قبل شفاههم و إن عامر بن مالك لما رآهم يطوفون بالبيت كأنهم جمال جون قال بهؤلاء تمنع مكة و تشرف مكة . و قد سمعتم ما ذكره الناس من جمال السفاح و حسنه و كذلك المهدي و ابنه هارون الرشيد و ابنه محمد بن زبيدة و كذلك هارون الواثق و محمد المنتصر و الزبير المعتز .

[ 277 ]

قالوا ما رئي في العرب و لا في العجم أحسن صورة منه و كان المكتفي علي بن المعتضد بارع الجمال و لذلك قال الشاعر يضرب المثل به

و الله لا كلمته و لو أنه
كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي

فجعله ثالث القمرين و كان الحسن بن علي ع أصبح الناس وجها كان يشبه برسول الله ص و كذلك عبد الله بن الحسن المحض . قالوا و لنا ثلاثة في عصر بنو عم كلهم يسمى عليا و كلهم كان يصلح للخلافة بالفقه و النسك و المركب و الرأي و التجربة و الحال الرفيعة بين الناس علي بن الحسين بن علي و علي بن عبد الله بن العباس و علي بن عبد الله بن جعفر كل هؤلاء كان تاما كاملا بارعا جامعا و كانت لبابة بنت عبد الله بن العباس عند علي بن عبد الله بن جعفر قالت ما رأيته ضاحكا قط و لا قاطبا و لا قال شيئا احتاج إلى أن يعتذر منه و لا ضرب عبدا قط و لا ملكه أكثر من سنة . قالوا و بعد هؤلاء ثلاثة بنو عم و هم بنو هؤلاء الثلاثة و كلهم يسمى محمدا كما أن كل واحد من أولئك يسمى عليا و كلهم يصلح للخلافة بكرم النسب و شرف الخصال محمد بن علي بن الحسين بن علي و محمد بن علي بن عبد الله بن العباس و محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر . قالوا كان محمد بن علي بن الحسين لا يسمع المبتلى الاستعاذة و كان ينهى الجارية و الغلام أن يقولا للمسكين يا سائل و هو سيد فقهاء الحجاز و منه و من ابنه جعفر تعلم الناس الفقه و هو الملقب بالباقر باقر العلم لقبه به رسول الله ص و لم يخلق بعد و بشر به و وعد جابر بن عبد الله برؤيته و قال ستراه طفلا فإذا رأيته فأبلغه عني السلام فعاش جابر حتى رآه و قال له ما وصى به .

[ 278 ]

و توعد خالد بن عبد الله القسري هشام بن عبد الملك في رسالة له إليه و قال و الله إني لأعرف رجلا حجازي الأصل شامي الدار عراقي الهوى يريد محمد بن علي بن عبد الله بن العباس . قالوا و أما ما ذكرتم من أمر عاتكة بنت يزيد بن معاوية فإنا نذكر فاطمة بنت رسول الله ص و هي سيدة نساء العالمين و أمها خديجة سيدة نساء العالمين و بعلها علي بن أبي طالب سيد المسلمين كافة و ابن عمها جعفر ذو الجناحين و ذو الهجرتين و ابناها الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة و جدهما أبو طالب بن عبد المطلب أشد الناس عارضة و شكيمة و أجودهم رأيا و أشهمهم نفسا و أمنعهم لما وراء ظهره منع النبي ص من جميع قريش ثم بني هاشم و بني المطلب ثم منع بني إخوانه من بني أخواته من بني مخزوم الذين أسلموا و هو أحد الذين سادوا مع الإقلال و هو مع هذا شاعر خطيب و من يطيق أن يفاخر بني أبي طالب و أمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم و هي أول هاشمية ولدت لهاشمي و هي التي ربي رسول الله في حجرها و كان يدعوها أمي و نزل في قبرها و كان يوجب حقها كما يوجب حق الأم من يستطيع أن يسامي رجالا ولدهم هاشم مرتين من قبل أبيهم و من قبل أمهم قالوا و من العجائب أنها ولدت أربعة كل منهم أسن من الآخر بعشر سنين طالب و عقيل و جعفر و علي . و من الذي يعد من قريش أو من غيرهم ما يعده الطالبيون عشرة في نسق كل واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع جواد طاهر زاك فمنهم خلفاء و منهم مرشحون ابن ابن ابن ابن هكذا إلى عشرة و هم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ع و هذا لم يتفق لبيت من بيوت العرب و لا من بيوت العجم .

[ 279 ]

قالوا فإن فخرتم بأن منكم اثنتين من أمهات المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان و زينب بنت جحش و فزينب امرأة من بني أسد بن خزيمة ادعيتموه بالحلف لا بالولادة و فينا رجل ولدته أمان من أمهات المؤمنين محمد بن عبد الله بن الحسن المحض ولدته خديجة أم المؤمنين و أم سلمة أم المؤمنين و ولدته مع ذلك فاطمة بنت الحسين بن علي و فاطمة سيدة نساء العالمين ابنة رسول الله ص و فاطمة بنت أسد بن هاشم و كان يقال خير النساء الفواطم و العواتك و هن أمهاته . قالوا و نحن إذا ذكرنا إنسانا فقبل أن نعد من ولده نأتي به شريفا في نفسه مذكورا بما فيه دون ما في غيره قلتم لنا عاتكة بنت يزيد و عاتكة في نفسها كامرأة من عرض قريش ليس فيها في نفسها خاصة أمر تستوجب به المفاخرة و نحن نقول منا فاطمة و فاطمة سيدة نساء العالمين و كذلك أمها خديجة الكبرى و إنما تذكران مع مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم اللتين ذكرهما النبي ص و ذكر إحداهما القرآن و هن المذكورات من جميع نساء العالم من العرب و العجم . و قلتم لنا عبد الله بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ولده سبعة من الخلفاء و عبد الله هذا في نفسه ليس هناك و نحن نقول منا محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم كلهم سيد و أمه العالية بنت عبيد الله بن العباس و إخوته داود و صالح و سليمان و عبد الله رجال كلهم أغر محجل ثم ولدت الرؤساء إبراهيم الإمام و أخويه أبا العباس و أبا جعفر و من جاء بعدهما من خلفاء بني العباس . و قلتم منا عبد الله بن يزيد و قلنا منا الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة

[ 280 ]

و أولى الناس بكل مكرمة و أطهرهم طهارة مع النجدة و البصيرة و الفقه و الصبر و الحلم و الأنف و أخوه الحسن سيد شباب أهل الجنة و أرفع الناس درجة و أشبههم برسول الله خلقا و خلقا و أبوهما علي بن أبي طالب قال شيخنا أبو عثمان و هو الذي ترك وصفه أبلغ في وصفه إذ كان هذا الكتاب يعجز عنه و يحتاج إلى كتاب يفرد له و عمهما ذو الجناحين و أمهما فاطمة و جدتهما خديجة و أخوالهما القاسم و عبد الله و إبراهيم و خالاتهما زينب و رقية و أم كلثوم و جدتاهما آمنة بنت وهب والدة رسول الله ص و فاطمة بنت أسد بن هاشم و جدهما رسول الله ص المخرس لكل فاخر و الغالب لكل منافر قل ما شئت و اذكر أي باب شئت من الفضل فإنك تجدهم قد حووه . و قالت أمية نحن لا ننكر فخر بني هاشم و فضلهم في الإسلام و لكن لا فرق بيننا في الجاهلية إذ كان الناس في ذلك الدهر لا يقولون هاشم و عبد شمس و لا هاشم و أمية بل يقولون كانوا لا يزيدون في الجميع على عبد مناف حتى كان أيام تميزهم في أمر علي و عثمان في الشورى ثم ما كان في أيام تحزبهم و حربهم مع علي و معاوية . و من تأمل الأخبار و الآثار علم أنه ما كان يذكر فرق بين البيتين و إنما يقال بنو عبد مناف أ لا ترى أن أبا قحافة سمع رجة شديدة و أصواتا مرتفعة و هو يومئذ شيخ كبير مكفوف فقال ما هذا قالوا قبض رسول الله ص قال فما صنعت قريش قالوا ولوا الأمر ابنك قال و رضيت بذلك بنو عبد مناف قالوا نعم قال و رضي بذلك بنو المغيرة قالوا نعم قال فلا مانع لما أعطى الله و لا معطي

[ 281 ]

لما منع و لم يقل أ رضي بذلك بنو عبد شمس و إنما جمعهم على عبد مناف لأنه كذلك كان يقال . و هكذا قال أبو سفيان بن حرب لعلي ع و قد سخط إمارة أبي بكر أ رضيتم يا بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم و لم يقل أ رضيتم يا بني هاشم و كذلك قال خالد بن سعيد بن العاص حين قدم من اليمن و قد استخلف أبو بكر أ رضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم قالوا و كيف يفرقون بين هاشم و عبد شمس و هما أخوان لأب و أم و يدل على أن أمرهما كان واحدا و أن اسمهم كان جامعا

قول النبي ص و صنيعه حين قال منا خير فارس في العرب عكاشة بن محصن و كان أسديا و كان حليفا لبني عبد شمس و كل من شهد بدرا من بني كبير بن داود كانوا حلفاء بني عبد شمس فقال ضرار بن الأزور الأسدي ذاك منا يا رسول الله فقال ع بل هو منا بالحلف فجعل حليف بني عبد شمس حليف بني هاشم و هذا بين لا يحتاج صاحب هذه الصفة إلى أكثر منه . قالوا و لهذا نكح هذا البيت في هذا البيت فكيف صرنا نتزوج بنات النبي و بنات بني هاشم على وجه الدهر إلا و نحن أكفاء و أمرنا واحد و قد سمعتم إسحاق بن عيسى يقول لمحمد بن الحارث أحد بني عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد لو لا حي أكرمهم الله بالرسالة لزعمت أنك أشرف الناس أ فلا ترى أنه لم يقدم علينا رهطه إلا بالرسالة . قالت هاشم قلتم لو لا أنا كنا أكفاءكم لما أنكحتمونا نساءكم فقد نجد القوم يستوون في حسب الأب و يفترقون في حسب الأنفس و ربما استووا في حسب أبي

[ 282 ]

القبيلة كاستواء قريش في النضر بن كنانة و يختلفون كاختلاف كعب بن لؤي و عامر بن لؤي و كاختلاف ابن قصي و عبد مناف و عبد الدار و عبد العزى و القوم قد يساوي بعضهم بعضا في وجوه و يفارقونهم في وجوه و يستجيزون بذلك القدر مناكحتهم و إن كانت معاني الشرف لم تتكامل فيهم كما تكاملت فيمن زوجهم و قد يزوج السيد ابن أخيه و هو حارض ابن حارض على وجه صلة الرحم فيكون ذلك جائزا عندهم و لوجوه في هذا الباب كثيرة فليس لكم أن تزعموا أنكم أكفاؤنا من كل وجه و إن كنا قد زوجناكم و ساويناكم في بعض الآباء و الأجداد و بعد فأنتم في الجاهلية و الإسلام قد أخرجتم بناتكم إلى سائر قريش و إلى سائر العرب أ فتزعمون أنهم أكفاؤكم عينا بعين و أما قولكم إن الحيين كان يقال لهما عبد مناف فقد كان يقال لهما أيضا مع غيرهما من قريش و بنيها بنو النضر و قال الله تعالى وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ فلم يدع النبي ص أحدا من بني عبد شمس و كانت عشيرته الأقربون بني هاشم و بني المطلب و عشيرته فوق ذاك عبد مناف و فوق ذلك قصي و من ذلك أن النبي ص لما أتي بعبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس و أم عامر بن كريز أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم قال ع هذا أشبه بنا منه بكم ثم تفل في فيه فازدرده فقال أرجو أن تكون مشفيا فكان كما قال ففي قوله هو أشبه بنا منه بكم خصلتان إحداهما أن عبد شمس و هاشما لو كانا شيئا واحدا كما أن عبد المطلب شي‏ء واحد لما قال هو بنا أشبه به منكم و الأخرى أن في هذا القول تفضيلا لبني هاشم على بني عبد شمس أ لا ترون أنه خرج خطيبا جوادا نبيلا و سيدا مشفيا له مصانع و آثار كريمة لأنه قال و هو بنا أشبه به منكم و أتي عبد المطلب

[ 283 ]

بعامر بن كريز و هو ابن ابنته أم حكيم البيضاء فتأمله و قال و عظام هاشم ما ولدنا ولدا أحرض منه فكان كما قال عبد الله يحمق و لم يقل و عظام عبد مناف لأن شرف جده عبد مناف له فيه شركاء و شرف هاشم أبيه خالص له . فأما ما ذكرتم من قول أبي سفيان و خالد بن سعيد أ رضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم فإن هذه الكلمة كلمة تحريض و تهييج فكان الأبلغ فيما يريد من اجتماع قلوب الفريقين أن يدعوهم لأب و أن يجمعهم على واحد و إن كانا مفترقين و هذا المذهب سديد و هذا التدبير صحيح . قال معاوية بن صعصعة للأشهب بن رميلة و هو نهشلي و للفرزدق بن غالب و هو مجاشعي و لمسكن بن أنيف و هو عبدلي أ رضيتم معشر بني دارم أن يسب آباءكم و يشتم أعراضكم كلب بني كليب و إنما نسبهم إلى دارم الأب الأكبر المشتمل على آباء قبائلهم ليستووا في الحمية و يتفقوا على الأنف و هذا في مثل هذا الموضع تدبير صحيح . قالوا و يدل على ما قلنا ما قاله الشعراء في هذا الباب قبل مقتل عثمان و قبل صفين قال حسان بن ثابت لأبي سفيان الحارث بن عبد المطلب

و أنت منوط نيط في آل هاشم
كما نيط خلف الراكب القدح الفرد

لم يقل نيط في آل عبد مناف . و قال

ما أنت من هاشم في بيت مكرمة
و لا بني جمح الخضر الجلاعيد

[ 284 ]

و لم يقل ما أنت من آل عبد مناف و كيف يقول هذا و قد علم الناس أن عبد مناف ولد أربعة هاشما و المطلب و عبد شمس و نوفلا و أن هاشما و المطلب كانا يدا واحدة و أن عبد شمس و نوفلا كانا يدا واحدة و كان مما بطأ ببني نوفل عن الإسلام إبطاء إخوتهم من بني عبد شمس و كان مما حث بني المطلب على الإسلام فضل محبتهم لبني هاشم لأن أمر النبي ص كان بينا و إنما كانوا يمتنعون منه من طريق الحسد و البغضة فمن لم يكن فيه هذه العلة لم يكن له دون الإسلام مانع و لذلك لم يصحب النبي ص من بني نوفل أحد فضلا أن يشهدوا معه المشاهد الكريمة و إنما صحبه حلفاؤهم كيعلى بن منبه و عتبة بن غزوان و غيرهما و بنو الحارث بن المطلب كلهم بدري عبيد و طفيل و حصين و من بني المطلب مسطح بن أثاثة بدري . و كيف يكون الأمر كما قلتم و أبو طالب يقول لمطعم بن عدي بن نوفل في أمر النبي ص لما تمالأت قريش عليه

جزى الله عنا عبد شمس و نوفلا
جزاء مسي‏ء عاجلا غير آجل
أ مطعم إما سامني القوم خطة
فأنى متى أوكل فلست بأكل
أ مطعم لم أخذلك في يوم شدة
و لا مشهد عند الأمور الجلائل

و لقد قسم النبي ص قسمة فجعلها في بني هاشم و بني المطلب فأتاه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف و جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقالا له يا رسول الله إن قرابتنا منك و قرابة بني المطلب واحدة فكيف أعطيتهم دوننا فقال النبي ص إنا لم نزل و بني المطلب كهاتين و شبك بين أصابعه فكيف تقولون كنا شيئا واحدا و كان الاسم الذي يجمعنا واحدا

[ 285 ]

ثم نرجع إلى افتخار بني هاشم قالوا و إن كان الفخر بالأيد و القوة و اهتصار الأقران و مباطشة الرجال فمن أين لكم كمحمد بن الحنفية و قد سمعتم أخباره و أنه قبض على درع فاضلة فجذبها فقطع ذيلها ما استدار منه كله و سمعتم أيضا حديث الأيد القوي الذي أرسله ملك الروم إلى معاوية يفخر به على العرب و أن محمدا قعد له ليقيمه فلم يستطع فكأنما يحرك جبلا و أن الرومي قعد ليقيمه محمد فرفعه إلى فوق رأسه ثم جلد به الأرض هذا مع الشجاعة المشهورة و الفقه في الدين و الحلم و الصبر و الفصاحة و العلم بالملاحم و الأخبار عن الغيوب حتى ادعي له أنه المهدي و قد سمعتم أحاديث أبي إسحاق المعتصم و أن أحمد بن أبي دواد عض ساعده بأسنانه أشد العض فلم يؤثر فيه و أنه قال ما أظن الأسنة و لا السهام تؤثر في جسده و سمعتم ما قيل في عبد الكريم المطيع و أنه جذب ذنب ثور فاستله من بين وركيه . و إن كان الفخر بالبشر و طلاقة الأوجه و سجاحة الأخلاق فمن مثل علي بن أبي طالب ع و قد بلغ من سجاحة خلقه و طلاقة وجهه أن عيب بالدعابة و من الذي يسوي بين عبد شمس و بين هاشم في ذلك كان الوليد جبارا و كان هشام شرس الأخلاق و كان مروان بن محمد لا يزال قاطبا عابسا و كذلك كان يزيد بن الوليد الناقص و كان المهدي المنصور أسرى خلق الله و ألطفهم خلقا و كذلك محمد الأمين و أخوه المأمون و كان السفاح يضرب به المثل في السرو و سجاحة الخلق . قالوا و نحن نعد من رهطنا رجالا لا تعدون أمثالهم أبدا فمنا الأمراء بالديلم الناصر الكبير و هو الحسن الأطروش بن علي بن الحسن بن عمر بن علي بن عمر الأشرف

[ 286 ]

بن زين العابدين و هو الذي أسلمت الديلم على يده و الناصر الأصغر و هو أحمد بن يحيى بن الحسن بن القاسم بن إبراهيم بن طباطبا و أخوه محمد بن يحيى و هو الملقب بالمرتضى و أبوه يحيى بن الحسن و هو الملقب بالهادي و من ولد الناصر الكبير الثائر و هو جعفر بن محمد بن الحسن الناصر الكبير و هم الأمراء بطبرستان و جيلان و جرجان و مازندران و سائر ممالك الديلم ملكوا تلك الأصقاع مائة و ثلاثين سنة و ضربوا الدنانير و الدراهم بأسمائهم و خطب لهم على المنابر و حاربوا الملوك السامانية و كسروا جيوشهم و قتلوا أمراءهم فهؤلاء واحدهم أعظم كثيرا من ملوك بني أمية و أطول مدة و أعدل و أنصف و أكثر نسكا و أشد حضا على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و ممن يجري مجراهم الداعي الأكبر و الداعي الأصغر ملكا الديلم قادا الجيوش و اصطنعا الصنائع . قالوا و لنا ملوك مصر و إفريقية ملكوا مائتين و سبعين سنة فتحوا الفتوح و استردوا ما تغلب عليه الروم من مملكة الإسلام و اصطنعوا الصنائع الجليلة . و لهم الكتاب و الشعراء و الأمراء و القواد فأولهم المهدي عبيد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و آخرهم العاضد و هو عبد الله بن الأمير أبي القاسم بن الحافظ أبي الميمون بن المستعلي بن المستنصر بن الطاهر بن الحاكم بن عبد العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي فإن افتخرت الأموية بملوكها في الأندلس من ولد هشام بن عبد الملك و اتصال ملكهم و جعلوهم بإزاء ملوكنا بمصر و إفريقية قلنا لهم إلا أنا نحن أزلنا ملككم بالأندلس كما أزلنا ملككم بالشام و المشرق كله لأنه لما ملك قرطبة

[ 287 ]

الظافر من بني أمية و هو سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الملقب بالناصر خرج عليه علي بن حميد بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع فقتله و أزال ملكه . و ملك قرطبة دار ملك بني أمية و يلقب بالناصر ثم قام بعده أخوه القاسم بن حمود و يلقب بالمعتلي فنحن قتلناكم و أزلنا ملككم في المشرق و المغرب و نحن لكم على الرصد حيث كنتم اتبعناكم فقتلناكم و شردناكم كل مشرد و الفخر للغالب على المغلوب بهذا قضت الأمم قاطبة قالوا و لنا من أفراد الرجال من ليس لكم مثله منا يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس كان شجاعا جريئا و هو الذي ولي الموصل لأخيه السفاح فاستعرض أهلها حتى ساخت الأقدام في الدم . و منا يعقوب بن إبراهيم بن عيسى بن أبي جعفر المنصور كان شاعرا فصيحا و هو المعروف بأبي الأسباط و منا محمد و جعفر ابنا سليمان بن علي كانا أعظم من ملوك بني أمية و أجل قدرا و أكثر أموالا و مكانا عند الناس و أهدى محمد بن سليمان من البصرة إلى الخيزران مائة وصيفة في يد كل واحدة منهن جام من ذهب وزنه ألف مثقال مملوء مسكا و كان لجعفر بن سليمان ألفا عبد من السودان خاصة فكم يكون ليت شعري غيرهم من البيض و من الإماء و ما رئي جعفر بن سليمان راكبا قط إلا ظن أنه الخليفة . و من رجالنا محمد بن السفاح كان جوادا أيدا شديد البطش قالوا ما رئي أخوان

[ 288 ]

أشد قوة من محمد و ريطة أخته ولدي أبي العباس السفاح كان محمد يأخذ الحديد فيلويه فتأخذه هي فترده . و من رجالنا محمد بن إبراهيم طباطبا صاحب أبي السرايا كان ناسكا عابدا فقيها عظيم القدر عند أهل بيته و عند الزيدية . و من رجالنا عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس و هو الذي شيد ملك المنصور و حارب ابني عبد الله بن حسن و أقام عمود الخلافة بعد اضطرابه و كان فصيحا أديبا شاعرا . و من رجالنا عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام حج بالناس و ولي الشام و كان فصيحا خطيبا . و من رجالنا عبد الله بن موسى الهادي كان أكرم الناس و جوادا ممدوحا أديبا شاعرا و أخوه عيسى بن موسى الهادي كان أكرم الناس و أجود الناس كان يلبس الثياب و قد حدد ظفره فيخرقها بظفره لئلا تعاد إليه و عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن موسى الهادي و كان أديبا ظريفا . و من رجالنا عبد الله بن المعتز بالله كان أوحد الدنيا في الشعر و الأدب و الأمثال الحكمية و السؤدد و الرئاسة كان كما قيل فيه لما قتل

لله درك من ميت بمضيعة
ناهيك في العلم و الأشعار و الخطب
ما فيه لو و لا لو لا فتنقصه
و إنما أدركته حرفة الأدب

و من رجالنا النقيب أبو أحمد الحسين بن موسى شيخ بني هاشم الطالبيين و العباسيين في عصره و من أطاعه الخلفاء و الملوك في أقطار الأرض و رجعوا إلى قوله و ابناه علي و محمد و هما المرتضى و الرضي و هما فريدا العصر في الأدب و الشعر و الفقه و الكلام و كان الرضي شجاعا أديبا شديد الأنف

[ 289 ]

و من رجالنا القاسم بن عبد الرحيم بن عيسى بن موسى الهادي كان شاعرا ظريفا . و من رجالنا القاسم بن إبراهيم طباطبا صاحب المصنفات و الورع و الدعاء إلى الله و إلى التوحيد و العدل و منابذة الظالمين و من أولاده أمراء اليمن . و من رجالنا محمد الفأفاء بن إبراهيم الإمام كان سيدا مقدما ولي الموسم و حج بالناس و كان الرشيد يسايره و هو مقنع بطيلسانه . و من رجالنا محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين صاحب أبي السرايا ساد حدثا و كان شاعرا أديبا فقيها يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و لما أسر و حمل إلى المأمون أكرمه و أفضل عليه و رعى له فضله و نسبه . و من رجالنا موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس كنيته أبو عيسى و هو أجل ولد عيسى و أنبلهم ولي الكوفة و سوادها زمانا طويلا للمهدي ثم الهادي و ولي المدينة و إفريقية و مصر للرشيد قال له ابن السماك لما رأى تواضعه إن تواضعك في شرفك لأحب إلي من شرفك فقال موسى إن قومنا يعني بني هاشم يقولون إن التواضع أحد مصائد الشرف . و من رجالنا موسى بن محمد أخو السفاح و المنصور كان نبيلا عندهم هو و إبراهيم الإمام لأم واحدة رأى في منامه قبل أن يصير من أمرهم ما صار أنه دخل بستانا فلم يأخذ إلا عنقودا واحدا عليه من الحب المتراص ما ربك به عليم فلم يولد له إلا عيسى ثم ولد لعيسى من ظهره أحد و ثلاثون ذكرا و عشرون أنثى . و من رجالنا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع و هو عبد الله المحض و أبوه الحسن بن الحسن و أمه فاطمة بنت الحسين و كان إذا قيل من

[ 290 ]

أجمل الناس قالوا عبد الله بن الحسن فإذا قيل من أكرم الناس قالوا عبد الله بن الحسن فإذا قالوا من أشرف الناس قالوا عبد الله بن الحسن . و من رجالنا أخوه الحسن بن الحسن و عمه زيد بن الحسن و بنوه محمد و إبراهيم و موسى و يحيى أما محمد و إبراهيم فأمرهما مشهور و فضلهما غير مجحود في الفقه و الأدب و النسك و الشجاعة و السؤدد و أما يحيى صاحب الديلم فكان حسن المذهب و الهدي مقدما في أهل بيته بعيدا مما يعاب على مثله و قد روى الحديث و أكثر الرواية عن جعفر بن محمد و روى عن أكابر المحدثين و أوصى جعفر بن محمد إليه لما حضرته الوفاة و إلى ولده موسى بن جعفر و أما موسى بن عبد الله بن الحسن فكان شابا نجيبا صبورا شجاعا سخيا شاعرا . و من رجالنا الحسن المثلث و هو الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع كان متألها فاضلا ورعا يذهب في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مذهب أهله و إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع كان مقدما في أهله يقال إنه أشبه أهل زمانه برسول الله ص . و من رجالنا عيسى بن زيد و يحيى بن زيد أخوه و كانا أفضل أهل زمانهما شجاعة و زهدا و فقها و نسكا . و من رجالنا يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد صاحب الدعوة كان فقيها فاضلا شجاعا فصيحا شاعرا و يقال إن الناس ما أحبوا طالبيا قط دعا إلى نفسه حبهم يحيى و لا رثي أحد منهم بمثل ما رثي به .

[ 291 ]

قال أبو الفرج الأصفهاني كان يحيى فارسا شجاعا شديد البدن مجتمع القلب بعيدا عن زهو الشباب و ما يعاب به مثله كان له عمود حديد ثقيل يصحبه في منزله فإذا سخط على عبد أو أمة من حشمه لواه في عنقه فلا يقدر أحد أن يحله عنه حتى يحله هو . و من رجالنا محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب ع صاحب الطالقان لقب بالصوفي لأنه لم يكن يلبس إلا الصوف الأبيض و كان عالما فقيها دينا زاهدا حسن المذهب يقول بالعدل و التوحيد . و من رجالنا محمد بن علي بن صالح بن عبد الله بن موسى بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ع كان من فتيان آل أبي طالب و فتاكهم و شجعانهم و ظرفائهم و شعرائهم و له شعر لطيف محفوظ . و منهم أحمد بن عيسى بن زيد كان فاضلا عالما مقدما في عشيرته معروفا بالفضل و قد روى الحديث و روي عنه . و من رجالنا موسى بن جعفر بن محمد و هو العبد الصالح جمع من الفقه و الدين و النسك و الحلم و الصبر و ابنه علي بن موسى المرشح للخلافة و المخطوب له بالعهد كان أعلم الناس و أسخى الناس و أكرم الناس أخلاقا . قالوا و أما ما ذكرتم من أمر الشجرة الملعونة فإن المفسرين كلهم قالوا ذلك و رووا فيه أخبارا كثيرة عن النبي ص و لستم قادرين على جحد ذلك و قد عرفتم تأخركم عن الإسلام و شدة عداوتكم للرسول الداعي إليه و محاربتكم في بدر و أحد و الخندق و صدكم الهدي عن البيت و ليس ذلك مما يوجب أن يعمكم اللعن حتى

[ 292 ]

لا يغادر واحدا فإن زعم ذلك زاعم فقد تعدى و أما اختصاص محمد بن علي بالوصية و الخلافة دون إخوته فقد علمتم أن وراثة السيادة و المرتبة ليس من جنس وراثة الأموال أ لا ترى أن المرأة و الصبي و المجنون يرثون الأموال و لا يرثون المراتب و سواء في الأموال كان الابن حارضا بائرا أو بارعا جامعا . و قيل وراثة المقام سبيل وراثة اللواء دفع رسول الله ص لواء بني عبد الدار إلى مصعب بن عمير و دفع عمر بن الخطاب لواء بني تميم إلى وكيع بن بشر ثم دفعه إلى الأحنف حين لم يوجد في بني زرارة من يستحق وراثة اللواء فإن كان الأمر بالسن فإنما كان بين محمد بن علي و أبيه علي بن عبد الله أربع عشرة سنة كان علي يخضب بالسواد و محمد يخضب بالحمرة فكان القادم يقدم عليهما و الزائر يأتيهما فيظن أكثرهم أن محمدا هو علي و أن عليا هو محمد حتى ربما قيل لعلي كيف أصبح الشيخ من علته و متى رجع الشيخ إلى منزله و أخرى أن أمه كانت العالية بنت عبد الله بن العباس فقد ولده العباس مرتين و ولده جواد بني العباس كما والده خيرهم و حبرهم و لم يكن لأحد من إخوته مثل ذلك و كان بعض ولد محمد أسن من عامة ولد علي و ولد محمد المهدي بن عبد الله المنصور و العباس بن محمد بن علي في عام واحد و كذلك محمد بن سليمان بن علي و لم يكن لأحد من ولد علي بن عبد الله بن العباس و إن كانوا فضلاء نجباء كرماء نبلاء مثل عقله و لا كجماله كان إذا دخل المدينة و مكة جلس الناس على أبواب دورهم و النساء على سطوحهن للنظر إليه و التعجب من كماله و بهائه و قد قاتل إخوته أعداءه في دفع الملك إلى ولده غير مكرهين و لا مجبرين على أن محمدا إنما أخذ الأمر عن أساس مؤسس و قاعدة مقررة و وصية انتقلت إليه من أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية و أخذها أبو هاشم عن أبيه محمد و أخذها محمد عن علي بن أبي طالب أبيه .

[ 293 ]

قالوا لما سمت بنو أمية أبا هاشم مرض فخرج من الشام وقيذا يؤم المدينة فمر بالحميمة و قد أشفى فاستدعى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فدفع الوصية إليه و عرفه ما يصنع و أخبره بما سيكون من الأمر و قال له إني لم أدفعها إليك من تلقاء نفسي و لكن أبي أخبرني عن أبيه علي بن أبي طالب ع بذلك و أمرني به و أعلمني بلقائي إياك في هذا المكان ثم مات فتولى محمد بن علي تجهيزه و دفنه و بث الدعاة حينئذ في طلب الأمر و هو الذي قال لرجال الدعوة و القائمين بأمر الدولة حين اختارهم للتوجه و انتخبهم للدعاء و حين قال بعضهم ندعو بالكوفة و قال بعضهم بالبصرة و قال بعضهم بالجزيرة و قال بعضهم بالشام و قال بعضهم بمكة و قال بعضهم بالمدينة و احتج كل إنسان لرأيه و اعتل لقوله فقال محمد أما الكوفة و سوادها فشيعة علي و ولده و أما البصرة فعثمانية تدين بالكف و قبيل عبد الله المقتول يدينون بجميع الفرق و لا يعينون أحدا و أما الجزيرة فحرورية مارقة و الخارجية فيهم فاشية و أعراب كأعلاج و مسلمون في أخلاق النصارى و أما الشام فلا يعرفون إلا آل أبي سفيان و طاعة بني مروان عداوة راسخة و جهلا متراكما و أما مكة و المدينة فقد غلب عليهما أبو بكر و عمر و ليس يتحرك معنا في أمرنا هذا منهم أحد و لا يقوم بنصرنا إلا شيعتنا أهل البيت و لكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير و الجلد الظاهر و صدورا سليمة و قلوبا مجتمعة لم تتقسمها الأهواء و لم تتوزعها النحل و لم تشغلها ديانة و لا هدم فيها فساد و ليس لهم اليوم همم العرب و لا فيهم تجارب كتجارب الأتباع مع السادات و لا تحالف كتحالف القبائل و لا عصبية كعصبية العشائر و ما زالوا ينالون و يمتهون و يظلمون فيكظمون و ينتظرون الفرج و يؤملون

[ 294 ]

دولة و هم جند لهم أبدان و أجسام و مناكب و كواهل و هامات و لحي و شوارب و أصوات هائلة و لغات فخمة تخرج من أجواف منكرة . و بعد فكأني أتفاءل جانب المشرق فإن مطلع الشمس سراج الدنيا و مصباح هذا الخلق فجاء الأمر كما دبر و كما قدر فإن كان الرأي الذي رأى صوابا فقد وافق الرشاد و طبق المفصل و إن كان ذلك عن رواية متقدمة فلم يتلق تلك الرواية إلا عن نبوة . قالوا و أما قولكم إن منا رجلا مكث أربعين سنة أميرا و خليفة فإن الإمارة لا تعد فخرا مع الخلافة و لا تضم إليها و نحن نقول إن منا رجلا مكث سبعا و أربعين سنة خليفة و هو أحمد الناصر بن الحسن المستضي‏ء و منا رجل مكث خمسا و أربعين سنة خليفة و هو عبد الله القائم و مكث أبوه أحمد القادر ثلاثا و أربعين سنة خليفة فملكهما أكثر من ملك بني أمية كلهم و هم أربعة عشر خليفة . و يقول الطالبيون منا رجل مكث ستين سنة خليفة و هو معد بن الطاهر صاحب مصر و هذه مدة لم يبلغها خليفة و لا ملك من ملوك العرب في قديم الدهر و لا في حديثه . و قلتم لنا عاتكة بنت يزيد يكتنفها خمسة من الخلفاء و نحن نقول لنا زبيدة بنت جعفر يكتنفها ثمانية من الخلفاء جدها المنصور خليفة و عم أبيها السفاح خليفة و عمها المهدي خليفة و ابن عمها الهادي خليفة و بعلها الرشيد خليفة و ابنها الأمين خليفة و ابنا بعلها المأمون و المعتصم خليفتان . قالوا و أما ما ذكرتموه من الأعياص و العنابس فلسنا نصدقكم فيما زعمتموه أصلا بهذه التسمية و إنما سموا الأعياص لمكان العيص و أبي العيص و العاص و أبي العاص و هذه أسماؤهم الأعلام ليست مشتقة من أفعال لهم كريمة و لا خسيسة و أما العنابس

[ 295 ]

فإنما سموا بذلك لأن حرب بن أمية كان اسمه عنبسة و أما حرب فلقبه ذكر ذلك النسابون و لما كان حرب أمثلهم سموا جماعتهم باسمه فقيل العنابس كما يقال المهالبة و المناذرة و لهذا المعنى سمي أبو سفيان بن حرب بن عنبسة و سمي سعيد بن العاص بن عنبسة