وفود الوليد بن جابر على معاوية

و روى أبو عبيد الله محمد بن موسى بن عمران المرزباني قال كان الوليد بن جابر بن ظالم الطائي ممن وفد على رسول الله ص فأسلم ثم صحب عليا ع و شهد معه صفين و كان من رجاله المشهورين ثم وفد على معاوية في الاستقامة و كان معاوية لا يثبته معرفة بعينه فدخل عليه في جملة الناس فلما انتهى إليه استنسبه فانتسب له فقال أنت صاحب ليلة الهرير قال نعم قال و الله ما تخلو مسامعي من رجزك تلك الليلة و قد علا صوتك أصوات الناس و أنت تقول

شدوا فداء لكم أمي و أب
فإنما الأمر غدا لمن غلب
هذا ابن عم المصطفى و المنتجب
تنمه للعلياء سادات العرب
ليس بموصوم إذا نص النسب
أول من صلى و صام و اقترب

قال نعم أنا قائلها قال فلما ذا قلتها قال لأنا كنا مع رجل لا نعلم خصلة

[ 130 ]

توجب الخلافة و لا فضيلة تصير إلى التقدمة إلا و هي مجموعة له كان أول الناس سلما و أكثرهم علما و أرجحهم حلما فات الجياد فلا يشق غباره يستولي على الأمد فلا يخاف عثاره و أوضح منهج الهدى فلا يبيد مناره و سلك القصد فلا تدرس آثاره فلما ابتلانا الله تعالى بافتقاده و حول الأمر إلى من يشاء من عباده دخلنا في جملة المسلمين فلم ننزع يدا عن طاعة و لم نصدع صفاة جماعة على أن لك منا ما ظهر و قلوبنا بيد الله و هو أملك بها منك فاقبل صفونا و أعرض عن كدرنا و لا تثر كوامن الأحقاد فإن النار تقدح بالزناد قال معاوية و إنك لتهددني يا أخا طيئ بأوباش العراق أهل النفاق و معدن الشقاق فقال يا معاوية هم الذين أشرقوك بالريق و حبسوك في المضيق و ذادوك عن سنن الطريق حتى لذت منهم بالمصاحف و دعوت إليها من صدق بها و كذبت و آمن بمنزلها و كفرت و عرف من تأويلها ما أنكرت فغضب معاوية و أدار طرفه فيمن حوله فإذا جلهم من مضر و نفر قليل من اليمن فقال أيها الشقي الخائن إني لإخال أن هذا آخر كلام تفوه به و كان عفير بن سيف بن ذي يزن بباب معاوية حينئذ فعرف موقف الطائي و مراد معاوية فخافه عليه فهجم عليهم الدار و أقبل على اليمانية فقال شاهت الوجوه ذلا و قلا و جدعا و فلا كشم الله هذه الأنف كشما مرعبا ثم التفت إلى معاوية فقال إني و الله يا معاوية ما أقول قولي هذا حبا لأهل العراق و لا جنوحا إليهم و لكن الحفيظة تذهب الغضب لقد رأيتك بالأمس خاطبت أخا ربيعة يعني صعصعة بن صوحان و هو أعظم جرما عندك من هذا و أنكأ لقلبك و أقدح في صفاتك و أجد في عداوتك و أشد انتصارا في حربك ثم أثبته و سرحته و أنت الآن مجمع على قتل هذا زعمت استصغارا لجماعتنا فإنا لا نمر و لا نحلي و لعمري لو وكلتك أبناء قحطان إلى قومك لكان جدك العاثر و ذكرك الداثر

[ 131 ]

و حدك المفلول و عرشك المثلول فاربع على ظلعك و اطونا على بلالتنا ليسهل لك حزننا و يتطامن لك شاردنا فإنا لا نرام بوقع الضيم و لا نتلمظ جرع الخسف و لا نغمز بغماز الفتن و لا نذر على الغضب فقال معاوية الغضب شيطان فاربع نفسك أيها الإنسان فإنا لم نأت إلى صاحبك مكروها و لم نرتكب منه مغضبا و لم ننتهك منه محرما فدونكه فإنه لم يضق عنه حلمنا و يسع غيره فأخذ عفير بيد الوليد و خرج به إلى منزله و قال له و الله لتئوبن بأكثر مما آب به معدي من معاوية و جمع من بدمشق من اليمانية و فرض على كل رجل دينارين في عطائه فبلغت أربعين ألفا فتعجلها من بيت المال و دفعها إلى الوليد و رده إلى العراق

[ 132 ]