ذكر بعض ما دار بين علي و معاوية من الكتب

و أول هذا الكتاب من عبد الله علي أمير المؤمنين ع إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن الدنيا دار تجارة و ربحها أو خسرها الآخرة فالسعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة و من رأى الدنيا بعينها و قدرها بقدرها و إني لأعظك مع علمي بسابق العلم فيك مما لا مرد له دون نفاذه و لكن الله تعالى أخذ على العلماء أن يؤدوا الأمانة و أن ينصحوا الغوي و الرشيد فاتق الله و لا تكن ممن لا يرجو لله وقارا و من حقت عليه كلمة العذاب فإن الله بالمرصاد و إن دنياك ستدبر عنك و ستعود حسرة عليك فاقلع عما أنت عليه من الغي و الضلال على كبر سنك و فناء عمرك فإن حالك اليوم كحال الثوب المهيل الذي لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر و قد أرديت جيلا من الناس كثيرا خدعتهم بغيك إلى آخر الكتاب . قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني فكتب إليه معاوية من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فقد وقفت على كتابك و قد أبيت على الفتن إلا تماديا و إني لعالم أن الذي يدعوك إلى ذلك مصرعك الذي

[ 134 ]

لا بد لك منه و إن كنت موائلا فازدد غيا إلى غيك فطالما خف عقلك و منيت نفسك ما ليس لك و التويت على من هو خير منك ثم كانت العاقبة لغيرك و احتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك و السلام .

فكتب علي ع إليه أما بعد فإن ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشبه مما أتى به أهلك و قومك الذين حملهم الكفر و تمني الأباطيل على حسد محمد ص حتى صرعوا مصارعهم حيث علمت لم يمنعوا حريما و لم يدفعوا عظيما و أنا صاحبهم في تلك المواطن الصالي بحربهم و الفال لحدهم و القاتل لرءوسهم و رءوس الضلالة و المتبع إن شاء الله خلفهم بسلفهم فبئس الخلف خلف أتبع سلفا محله و محطه النار و السلام . قال فكتب إليه معاوية أما بعد فقد طال في الغي ما استمررت أدراجك كما طالما تمادي عن الحرب نكوصك و إبطاؤك فتوعد وعيد الأسد و تروغ روغان الثعلب فحتام تحيد عن لقاء مباشرة الليوث الضارية و الأفاعي القاتلة و لا تستبعدنها فكل ما هو آت قريب إن شاء الله و السلام .

قال فكتب إليه علي ع أما بعد فما أعجب ما يأتيني منك و ما أعلمني بما أنت إليه صائر و ليس إبطائي عنك إلا ترقبا لما أنت له مكذب و أنا به مصدق و كأني بك غدا و أنت تضج من الحرب ضجيج الجمال من الأثقال و ستدعوني أنت و أصحابك إلى كتاب تعظمونه بألسنتكم و تجحدونه بقلوبكم و السلام . قال فكتب إليه معاوية

[ 135 ]

أما بعد فدعني من أساطيرك و اكفف عني من أحاديثك و اقصر عن تقولك على رسول الله ص و افترائك من الكذب ما لم يقل و غرور من معك و الخداع لهم فقد استغويتهم و يوشك أمرك أن ينكشف لهم فيعتزلوك و يعلموا أن ما جئت به باطل مضمحل و السلام .

قال فكتب إليه علي ع أما بعد فطالما دعوت أنت و أولياؤك أولياء الشيطان الرجيم الحق أساطير الأولين و نبذتموه وراء ظهوركم و جهدتم بإطفاء نور الله بأيديكم و أفواهكم وَ اَللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكافِرُونَ و لعمري ليتمن النور على كرهك و لينفذن العلم بصغارك و لتجازين بعملك فعث في دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك فكأنك بباطلك و قد انقضى و بعملك و قد هوى ثم تصير إلى لظى لم يظلمك الله شيئا وَ ما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ . قال فكتب إليه معاوية أما بعد فما أعظم الرين على قلبك و الغطاء على بصرك الشره من شيمتك و الحسد من خليقتك فشمر للحرب و اصبر للضرب فو الله ليرجعن الأمر إلى ما علمت و العاقبة للمتقين هيهات هيهات أخطأك ما تمنى و هوى قلبك مع من هوى فاربع على ظلعك و قس شبرك بفترك لتعلم أين حالك من حال من يزن الجبال حلمه و يفصل بين أهل الشك علمه و السلام .

قال فكتب إليه علي ع أما بعد فإن مساوئك مع علم الله تعالى فيك حالت بينك و بين أن يصلح لك أمرك و أن يرعوي قلبك يا ابن الصخر اللعين زعمت أن يزن الجبال حلمك و يفصل بين أهل الشك علمك و أنت الجلف المنافق الأغلف القلب القليل العقل الجبان الرذل فإن كنت صادقا فيما تسطر و يعينك عليه أخو بني سهم فدع الناس جانبا و تيسر لما دعوتني إليه من الحرب و الصبر على

[ 136 ]

الضرب و أعف الفريقين من القتال ليعلم أينا المرين على قلبه المغطى على بصره فأنا أبو الحسن قاتل جدك و أخيك و خالك و ما أنت منهم ببعيد و السلام . قلت و أعجب و أطرب ما جاء به الدهر و إن كانت عجائبه و بدائعه جمة أن يفضى أمر علي ع إلى أن يصير معاوية ندا له و نظيرا مماثلا يتعارضان الكتاب و الجواب و يتساويان فيما يواجه به أحدهما صاحبه و لا يقول له علي ع كلمة إلا قال مثلها و أخشن مسا منها فليت محمدا ص كان شاهد ذلك ليرى عيانا لا خبرا أن الدعوة التي قام بها و قاسى أعظم المشاق في تحملها و كابد الأهوال في الذب عنها و ضرب بالسيوف عليها لتأييد دولتها و شيد أركانها و ملأ الآفاق بها خلصت صفوا عفوا لأعدائه الذين كذبوه لما دعا إليها و أخرجوه عن أوطانه لما حض عليها و أدموا وجهه و قتلوا عمه و أهله فكأنه كان يسعى لهم و يدأب لراحتهم كما قال أبو سفيان في أيام عثمان و قد مر بقبر حمزة و ضربه برجله و قال يا أبا عمارة إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعبون به ثم آل الأمر إلى أن يفاخر معاوية عليا كما يتفاخر الأكفاء و النظراء .

إذا عير الطائي بالبخل مادر
و قرع قسا بالفهاهة باقل
و قال السها للشمس أنت خفية
و قال الدجى يا صبح لونك حائل
و فاخرت الأرض السماء سفاهة
و كاثرت الشهب الحصى و الجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة
و يا نفس جدي إن دهرك هازل

ثم أقول ثانيا لأمير المؤمنين ع ليت شعري لما ذا فتح باب الكتاب

[ 137 ]

و الجواب بينه و بين معاوية و إذا كانت الضرورة قد قادت إلى ذلك فهلا اقتصر في الكتاب إليه على الموعظة من غير تعرض للمفاخرة و المنافرة و إذا كان لا بد منهما فهلا اكتفى بهما من غير تعرض لأمر آخر يوجب المقابلة و المعارضة بمثله و بأشد منه وَ لا تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ فَيَسُبُّوا اَللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ و هلا دفع هذا الرجل العظيم الجليل نفسه عن سباب هذا السفيه الأحمق هذا مع أنه القائل من واجه الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون أي افتروا عليه و قالوا فيه الباطل .

أيها الشاتمي لتحسب مثلي
إنما أنت في الضلال تهيم
لا تسبنني فلست بسبي
إن سبي من الرجال الكريم

و هكذا جرى في القنوت و اللعن قنت بالكوفة على معاوية و لعنه في الصلاة و خطبة الجمعة و أضاف إليه عمرو بن العاص و أبا موسى و أبا الأعور السلمي و حبيب بن مسلمة فبلغ ذلك معاوية بالشام فقنت عليه و لعنه بالصلاة و خطبة الجمعة و أضاف إليه الحسن و الحسين و ابن عباس و الأشتر النخعي و لعله ع قد كان يظهر له من المصلحة حينئذ ما يغيب عنا الآن و لله أمر هو بالغه

[ 138 ]