44 و من كتاب له ع إلى زياد ابن أبيه

و قد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه : وَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْكَ يَسْتَزِلُّ لُبَّكَ وَ يَسْتَفِلُّ غَرْبَكَ فَاحْذَرْهُ فَإِنَّمَا هُوَ اَلشَّيْطَانُ يَأْتِي اَلْمَرْءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ وَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ لِيَقْتَحِمَ غَفْلَتَهُ وَ يَسْتَلِبَ غِرَّتَهُ وَ قَدْ كَانَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ فَلْتَةٌ مِنْ حَدِيثِ اَلنَّفْسِ وَ نَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ اَلشَّيْطَانِ لاَ يَثْبُتُ بِهَا نَسَبٌ وَ لاَ يُسْتَحَقُّ بِهَا إِرْثٌ وَ اَلْمُتَعَلِّقُ بِهَا كَالْوَاغِلِ اَلْمُدَفَّعِ وَ اَلنَّوْطِ اَلْمُذَبْذَبِ فَلَمَّا قَرَأَ زِيَادٌ اَلْكِتَابَ قَالَ شَهِدَ بِهَا وَ رَبِّ اَلْكَعْبَةِ وَ لَمْ تَزَلْ فِي نَفْسِهِ حَتَّى اِدَّعَاهُ مُعَاوِيَةُ قال الرضي رحمه الله تعالى قوله ع الواغل هو الذي يهجم على الشرب ليشرب معهم و ليس منهم فلا يزال مدفعا محاجزا و النوط المذبذب هو ما يناط برحل الراكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك فهو أبدا يتقلقل إذا حث ظهره و استعجل سيره

[ 178 ]

يستزل لبك يطلب زلله و خطأه أي يحاول أن تزل و اللب العقل و يستفل غربك يحاول أن يفل حدك أي عزمك و هذا من باب المجاز ثم أمره أن يحذره و قال إنه يعني معاوية كالشيطان يأتي المرء من كذا و من كذا و هو مأخوذ من قول الله تعالى ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ قالوا في تفسيره من بين أيديهم يطمعهم في العفو و يغريهم بالعصيان و من خلفهم يذكرهم مخلفيهم و يحسن لهم جمع المال و تركه لهم و عن أيمانهم يحبب إليهم الرئاسة و الثناء و عن شمائلهم يحبب إليهم اللهو و اللذات . و قال شقيق البلخي ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي أما من بين يدي فيقول لا تخف فإن الله غفور رحيم فأقرأ وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى‏ و أما من خلفي فيخوفني الضيعة على مخلفي فأقرأ وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اَللَّهِ رِزْقُها و أما من قبل يميني فيأتيني من جهة الثناء فأقرأ وَ اَلْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ و أما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ . فإن قلت لم لم يقل و من فوقهم و من تحتهم

[ 179 ]

قلت لأن جهة فوق جهة نزول الرحمة و مستقر الملائكة و مكان العرش و الأنوار الشريفة و لا سبيل له إليها و أما من جهة تحت فلأن الإتيان منها يوحش و ينفر عنه لأنها الجهة المعروفة بالشياطين فعدل عنها إلى ما هو أدعى إلى قبول وساوسه و أضاليله . و قد فسر قوم المعنى الأول فقالوا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من جهة الدنيا و مِنْ خَلْفِهِمْ من جهة الآخرة و عَنْ أَيْمانِهِمْ الحسنات و عَنْ شَمائِلِهِمْ أي يحثهم على طلب الدنيا و يؤيسهم من الآخرة و يثبطهم عن الحسنات و يغريهم بالسيئات . قوله ليقتحم غفلته أي ليلج و يهجم عليه و هو غافل جعل اقتحامه إياه اقتحاما للغرة نفسها لما كانت غالبة عليه . و يستلب غرته ليس المعنى باستلابه الغرة أن يرفعها و يأخذها لأنه لو كان كذلك لصار ذلك الغافل المغتر فاقدا للغفلة و الغرة و كان لبيبا فطنا فلا يبقى له سبيل عليه و إنما المعنى بقوله و يستلب غرته ما يعنيه الناس بقولهم أخذ فلان غفلتي و فعل كذا . و معنى أخذها هنا أخذ ما يستدل به على غفلتي . و فلتة أمر وقع من غير تثبت و لا روية . و نزغة كلمة فاسدة من نزغات الشيطان أي من حركاته القبيحة التي يستفسد بها مكلفين و لا يثبت بها نسب و لا يستحق بها إرث لأن المقر بالزناء لا يلحقه النسب و لا يرثه المولود

لقوله ص الولد للفراش و للعاهر الحجر