الفصل الثالث في أن فدك هل صح كونها نحلة رسول الله ص لفاطمة ع أم لا

نذكر في هذا الفصل ما حكاه المرتضى عن قاضي القضاة في المغني و ما اعترض به عليه ثم نذكر ما عندنا في ذلك . قال المرتضى حاكيا عن قاضي القضاة و مما عظمت الشيعة القول في أمر فدك قالوا و قد روى أبو سعيد الخدري أنه لما أنزلت وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ حَقَّهُ أعطى رسول الله ص فاطمة ع فدك ثم فعل عمر بن عبد العزيز مثل ذلك فردها على ولدها قالوا و لا شك أن أبا بكر أغضبها إن لم يصح كل الذي روي في هذا الباب و قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبوا منها فضلا عن الدين ثم ذكروا أنها استشهدت أمير المؤمنين ع و أم أيمن فلم يقبل شهادتهما هذا مع تركه أزواج النبي ص في حجرهن و لم يجعلها صدقة و صدقهن في ذلك أن ذلك لهن و لم يصدقها .

[ 269 ]

قال و الجواب عن ذلك أن أكثر ما يروون في هذا الباب غير صحيح و لسنا ننكر صحة ما روي من ادعائها فدك فأما أنها كانت في يدها فغير مسلم بل إن كانت في يدها لكان الظاهر أنها لها فإذا كانت في جملة التركة فالظاهر أنها ميراث و إذا كان كذلك فغير جائز لأبي بكر قبول دعواها لأنه لا خلاف في أن العمل على الدعوى لا يجوز و إنما يعمل على مثل ذلك إذا علمت صحته بمشاهدة أو ما جرى مجراها أو حصلت بينة أو إقرار ثم إن البينة لا بد منها و إن أمير المؤمنين ع لما خاصمه اليهودي حاكمه و أن أم سلمة التي يطبق على فضلها لو ادعت نحلا ما قبلت دعواها . ثم قال و لو كان أمير المؤمنين ع هو الوالي و لم يعلم صحة هذه الدعوى ما الذي كان يجب أن يعمل فإن قلتم يقبل الدعوى فالشرع بخلاف ذلك و إن قلتم يلتمس البينة فهو الذي فعله أبو بكر . ثم قال و أما قول أبي بكر رجل مع الرجل و امرأة مع المرأة فهو الذي يوجبه الدين و لم يثبت أن الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين ع بل الرواية المنقولة أنه شهد لها مولى لرسول الله ص مع أم أيمن . قال و ليس لأحد أن يقول فلما ذا ادعت و لا بينة معها لأنه لا يمتنع أن تجوز أن يحكم أبو بكر بالشاهد و اليمين أو تجوز عند شهادة من شهد لها أن تذكر غيره فيشهد لا و هذا هو الموجب على ملتمس الحق و لا عيب عليها في ذلك و لا على أبي بكر في التماس البينة و إن لم يحكم لها لما لم يتم و لم يكن لها خصم لأن التركة صدقة على ما ذكرنا و كان لا يمكن أن يعول في ذلك على يمين أو نكول و لم يكن في الأمر إلا ما فعله قال و قد أنكر أبو علي ما قاله السائل من أنها لما ردت في دعوى النحلة ادعته إرثا و قال بل كان طلبت الإرث قبل ذلك فلما سمعت منه الخبر كفت و ادعت النحلة .

[ 270 ]

قال فأما فعل عمر بن عبد العزيز فلم يثبت أنه رده على سبيل النحلة بل عمل في ذلك ما عمله عمر بن الخطاب بأن أقره في يد أمير المؤمنين ع ليصرف غلاتها في المواضع التي كان يجعلها رسول الله ص فيه فقام بذلك مدة ثم ردها إلى عمر في آخر سنته و كذلك فعل عمر بن عبد العزيز و لو ثبت أنه فعل بخلاف ما فعل السلف لكان هو المحجوج بفعلهم و قولهم و أحد ما يقوي ما ذكرناه أن الأمر لما انتهى إلى أمير المؤمنين ع ترك فدك على ما كان و لم يجعله ميراثا لولد فاطمة و هذا يبين أن الشاهد كان غيره لأنه لو كان هو الشاهد لكان الأقرب أن يحكم بعلمه على أن الناس اختلفوا في الهبة إذا لم تقبض فعند بعضهم تستحق بالعقد و عند بعضهم أنها إذا لم تقبض يصير وجودها كعدمها فلا يمتنع من هذا الوجه أن يمتنع أمير المؤمنين ع من ردها و إن صح عنده عقد الهبة و هذا هو الظاهر لأن التسليم لو كان وقع لظهر أنه كان في يدها و لكان ذلك كافيا في الاستحقاق فأما حجر أزواج النبي ص فإنما تركت في أيديهن لأنها كانت لهن و نص الكتاب يشهد بذلك و قوله وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ و روي في الأخبار أن النبي ص قسم ما كان له من الحجر على نسائه و بناته و يبين صحة ذلك أنه لو كان ميراثا أو صدقة لكان أمير المؤمنين ع لما أفضى الأمر إليه يغيره . قال و ليس لأحد أن يقول إنما لم يغير ذلك لأن الملك قد صار له فتبرع به و ذلك أن الذي يحصل له ليس إلا ربع ميراث فاطمة ع و هو الثمن من ميراث رسول الله ص فقد كان يجب أن ينتصف لأولاد العباس و أولاد فاطمة منهن في باب الحجر و يأخذ هذا الحق منهن فتركه ذلك يدل على صحة ما قلناه و ليس يمكنهم بعد ذلك إلا التعلق بالتقية و قد سبق الكلام فيها .

[ 271 ]

قال و مما يذكرونه أن فاطمة ع لغضبها على أبي بكر و عمر أوصت ألا يصليا عليها و أن تدفن سرا منهما فدفنت ليلا و هذا كما ادعوا رواية رووها عن جعفر بن محمد ع و غيره أن عمر ضرب فاطمة ع بالسوط و ضرب الزبير بالسيف و أن عمر قصد منزلها و فيه علي ع و الزبير و المقداد و جماعة ممن تخلف عن أبي بكر و هم مجتمعون هناك فقال لها ما أحد بعد أبيك أحب إلينا منك و ايم الله لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك لنحرقن عليهم فمنعت القوم من الاجتماع . قال و نحن لا نصدق هذه الروايات و لا نجوزها و أما أمر الصلاة فقد روي أن أبا بكر هو الذي صلى على فاطمة ع و كبر عليها أربعا و هذا أحد ما استدل به كثير من الفقهاء في التكبير على الميت و لا يصح أيضا أنها دفنت ليلا و إن صح ذلك فقد دفن رسول الله ص ليلا و دفن عمر ابنه ليلا و قد كان أصحاب رسول الله ص يدفنون بالنهار و يدفنون بالليل فما في هذا مما يطعن به بل الأقرب في النساء أن دفنهن ليلا أستر و أولى بالسنة . ثم حكى عن أبي علي تكذيب ما روي من الضرب بالسوط قال و المروي عن جعفر بن محمد ع أنه كان يتولاهما و يأتي القبر فيسلم عليهما مع تسليمه على رسول الله ص روى ذلك عباد بن صهيب و شعبة بن الحجاج و مهدي بن هلال و الدراوردي و غيرهم و قد روى عن أبيه محمد بن علي ع و عن علي بن الحسين مثل ذلك فكيف يصح ما ادعوه و هل هذه الرواية إلا كروايتهم على أن علي بن أبي طالب ع هو إسرافيل و الحسن ميكائيل و الحسين جبرائيل و فاطمة ملك الموت و آمنة أم النبي ص ليلة القدر فإن صدقوا ذلك أيضا قيل لهم فعمر بن الخطاب كيف يقدر على ضرب ملك الموت و إن قالوا لا نصدق ذلك فقد جوزوا رد هذه الروايات و صح أنه لا يجوز التعويل على هذا الخبر

[ 272 ]

و إنما يتعلق بذلك من غرضه الإلحاد كالوراق و ابن الراوندي لأن غرضهم القدح في الإسلام . و حكى عن أبي علي أنه قال و لم صار غضبها إن ثبت كأنه غضب رسول الله ص من حيث

قال فمن أغضبها فقد أغضبني أولى من أن يقال فمن أغضب أبا بكر و عمر فقد نافق و فارق الدين لأنه روي عنه ع

قال حب أبي بكر و عمر إيمان و بغضهما نفاق و من يورد مثل هذا فقصده الطعن في الإسلام و أن يتوهم الناس أن أصحاب النبي ص نافقوا مع مشاهدة الأعلام ليضعفوا دلالة العلم في النفوس . قال و أما حديث الإحراق فلو صح لم يكن طعنا على عمر لأن له أن يهدد من امتنع من المبايعة إرادة للخلاف على المسلمين لكنه غير ثابت انتهى كلام قاضي القضاة . قال المرتضى نحن نبتدئ فندل على أن فاطمة ع ما ادعت من نحل فدك إلا ما كانت مصيبة فيه و إن مانعها و مطالبها بالبينة متعنت عادل عن الصواب لأنها لا تحتاج إلى شهادة و بينة ثم نعطف على ما ذكره على التفصيل فنتكلم عليه . أما الذي يدل على ما ذكرناه فهو أنها كانت معصومة من الغلط مأمونا منها فعل القبيح و من هذه صفته لا يحتاج فيما يدعيه إلى شهادة و بينة فإن قيل دللوا على الأمرين قلنا بيان الأول قوله تعالى إِنَّما يُرِيدُ اَللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و الآية تتناول جماعة منهم فاطمة

[ 273 ]

ع بما تواترت الأخبار في ذلك و الإرادة هاهنا دلالة على وقوع الفعل للمراد و أيضا فيدل على ذلك

قوله ع فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى الله عز و جل و هذا يدل على عصمتها لأنها لو كانت ممن تقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له على كل حال بل كان متى فعل المستحق من ذمها أو إقامة الحد عليها إن كان الفعل يقتضيه سارا له و مطيعا على أنا لا نحتاج أن ننبه هذا الموضع على الدلالة على عصمتها بل يكفي في هذا الموضع العلم بصدقها فيما ادعته و هذا لا خلاف فيه بين المسلمين لأن أحدا لا يشك أنها لم تدع ما ادعته كاذبة و ليس بعد ألا تكون كاذبة إلا أن تكون صادقة و إنما اختلفوا في هل يجب مع العلم بصدقها تسلم ما ادعته بغير بينة أم لا يجب ذلك قال الذي يدل على الفصل الثاني أن البينة إنما تراد ليغلب في الظن صدق المدعي أ لا ترى أن العدالة معتبرة في الشهادات لما كانت مؤثرة في غلبة الظن لما ذكرناه و لهذا جاز أن يحكم الحاكم بعلمه من غير شهادة لأن علمه أقوى من الشهادة و لهذا كان الإقرار أقوى من البينة من حيث كان أغلب في تأثير غلبة الظن و إذا قدم الإقرار على الشهادة لقوة الظن عنده فأولى أن يقدم العلم على الجميع و إذا لم يحتج مع الإقرار إلى شهادة لسقوط حكم الضعيف مع القوي لا يحتاج أيضا مع العلم إلى ما يؤثر الظن من البينات و الشهادات . و الذي يدل على صحة ما ذكرناه أيضا أنه لا خلاف بين أهل النقل في أن أعرابيا نازع النبي ص في ناقة فقال ع هذه لي و قد خرجت إليك من ثمنها فقال الأعرابي من يشهد لك بذلك فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد بذلك فقال النبي ص من أين علمت و ما حضرت ذلك قال لا و لكن علمت ذلك من حيث علمت أنك رسول الله فقال قد أجزت شهادتك و جعلتها شهادتين فسمي ذا الشهادتين .

[ 274 ]

و هذه القصة شبيهة لقصة فاطمة ع لأن خزيمة اكتفى في العلم بأن الناقة له ص و شهد بذلك من حيث علم لأنه رسول الله ص و لا يقول إلا حقا و أمضى النبي ص ذلك له من حيث لم يحضر الابتياع و تسليم الثمن فقد كان يجب على من علم أن فاطمة ع لا تقول إلا حقا ألا يستظهر عليها بطلب شهادة أو بينة هذا و قد روي أن أبا بكر لما شهد أمير المؤمنين ع كتب بتسليم فدك إليها فاعترض عمر قضيته و خرق ما كتبه .

روى إبراهيم بن السعيد الثقفي عن إبراهيم بن ميمون قال حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب ع عن أبيه عن جده عن علي ع قال جاءت فاطمة ع إلى أبي بكر و قالت إن أبي أعطاني فدك و علي و أم أيمن يشهدان فقال ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق قد أعطيتكها و دعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها فخرجت فلقيت عمر فقال من أين جئت يا فاطمة قالت جئت من عند أبي بكر أخبرته أن رسول الله ص أعطاني فدك و أن عليا و أم أيمن يشهدان لي بذلك فأعطانيها و كتب لي بها فأخذ عمر منها الكتاب ثم رجع إلى أبي بكر فقال أعطيت فاطمة فدك و كتبت بها لها قال نعم فقال إن عليا يجر إلى نفسه و أم أيمن امرأة و بصق في الكتاب فمحاه و خرقه . و قد روي هذا المعنى من طرق مختلفة على وجوه مختلفة فمن أراد الوقوف عليها و استقصاءها أخذها من مواضعها . و ليس لهم أن يقولوا إنها أخبار آحاد لأنها و إن كانت كذلك فأقل أحوالها أن توجب الظن و تمنع من القطع على خلاف معناها و ليس لهم أن يقولوا كيف يسلم إليها

[ 275 ]

فدك و هو يروي عن الرسول أن ما خلفه صدقة و ذلك لأنه لا تنافي بين الأمرين لأنه إنما سلمها على ما وردت به الرواية على سبيل النحل فلما وقعت المطالبة بالميراث روى الخبر في معنى الميراث فلا اختلاف بين الأمرين . فأما إنكار صاحب الكتاب لكون فدك في يدها فما رأيناه اعتمد في إنكار ذلك على حجة بل قال لو كان ذلك في يدها لكان الظاهر أنها لها و الأمر على ما قال فمن أين أنه لم يخرج عن يدها على وجه يقتضي الظاهر خلافه و قد روي من طرق مختلفة غير طريق أبي سعيد الذي ذكره صاحب الكتاب أنه لما نزل قوله تعالى وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ حَقَّهُ دعا النبي ص فاطمة ع فأعطاها فدك و إذا كان ذلك مرويا فلا معنى لدفعه بغير حجة . و قوله لا خلاف أن العمل على الدعوى لا يجوز صحيح و قد بينا أن قولها كان معلوما صحته و إنما قوله إنما يعمل على ذلك متى علم صحته بشهادة أو ما يجري مجراها أو حصلت بينة أو إقرار فيقال له إما علمت بمشاهدة فلم يكن هناك و إما بينة فقد كانت على الحقيقة لأن شهادة أمير المؤمنين ع من أكبر البينات و أعدلها و لكن على مذهبك أنه لم تكن هناك بينة فمن أين زعمت أنه لم يكن هناك علم و إن لم يكن عن مشاهدة فقد أدخلت ذلك في جملة الأقسام . فإن قال لأن قولها بمجرده لا يكون جهة للعلم قيل له لم قلت ذلك أو ليس قد دللنا على أنها معصومة و أن الخطأ مأمون عليها ثم لو لم يكن كذلك لكان قولها في تلك القضية معلوما صحته على كل حال لأنها لو لم تكن مصيبة لكانت مبطلة عاصية فيما ادعته إذ الشبهة لا تدخل في مثله و قد أجمعت الأمة على أنها لم يظهر منها بعد

[ 276 ]

رسول الله ص معصية بلا شك و ارتياب بل أجمعوا على أنها لم تدع إلا الصحيح و إن اختلفوا فمن قائل يقول مانعها مخطئ و آخر يقول هو أيضا مصيب لفقد البينة و إن علم صدقها . و أما قوله إنه لو حاكم غيره لطولب بالبينة فقد تقدم في هذا المعنى ما يكفي و قصة خزيمة بن ثابت و قبول شهادته تبطل هذا الكلام . و أما قوله إن أمير المؤمنين ع حاكم يهوديا على الوجه الواجب في سائر الناس فقد روي ذلك إلا أن أمير المؤمنين لم يفعل من ذلك ما كان يجب عليه أن يفعله و إنما تبرع به و استظهر بإقامة الحجة فيه و قد أخطأ من طالبه ببينة كائنا من كان فأما اعتراضه بأم سلمة فلم يثبت من عصمتها ما ثبت من عصمة فاطمة ع فلذلك احتاجت في دعواها إلى بينة فأما إنكاره و ادعاؤه أنه لم يثبت أن الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين فلم يزد في ذلك إلا مجرد الدعوى و الإنكار و الأخبار مستفيضة بأنه ع شهد لها فدفع ذلك بالزيغ لا يغني شيئا و قوله إن الشاهد لها مولى لرسول الله ص هو المنكر الذي ليس بمعروف . و أما قوله إنها جوزت أن يحكم أبو بكر بالشاهد و اليمين فطريف مع قوله فيما بعد إن التركة صدقة و لا خصم فيها فتدخل اليمين في مثلها أ فترى أن فاطمة لم تكن تعلم من الشريعة هذا المقدار الذي نبه صاحب الكتاب عليه و لو لم تعلمه ما كان أمير المؤمنين ع و هو أعلم الناس بالشريعة يوافقها عليه . و قوله إنها جوزت عند شهادة من شهد لها أن يتذكر غيرهم فيشهد باطل لأن مثلها لا يتعرض للظنة و التهمة و يعرض قوله للرد و قد كان يجب أن تعلم من يشهد لها

[ 277 ]

ممن لا يشهد حتى تكون دعواها على الوجه الذي يجب معه القبول و الإمضاء و من هو دونها في الرتبة و الجلالة و الصيانة من أفناء الناس لا يتعرض لمثل هذه الخطة و يتورطها للتجويز الذي لا أصل له و لا أمارة عليه . فأما إنكار أبي علي لأن يكون النحل قبل ادعاء الميراث و عكسه الأمر فيه فأول ما فيه أنا لا نعرف له غرضا صحيحا في إنكار ذلك لأن كون أحد الأمرين قبل الآخر لا يصحح له مذهبا فلا يفسد على مخالفه مذهبا . ثم إن الأمر في أن الكلام في النحل كان المتقدم ظاهرا و الروايات كلها به واردة و كيف يجوز أن تبتدئ بطلب الميراث فيما تدعيه بعينه نحلا أ و ليس هذا يوجب أن تكون قد طالبت بحقها من وجه لا تستحقه منه مع الاختيار و كيف يجوز ذلك و الميراث يشركها فيه غيرها و النحل تنفرد به و لا ينقلب مثل ذلك علينا من حيث طالبت بالميراث بعد النحل لأنها في الابتداء طالبت بالنحل و هو الوجه الذي تستحق فدك منه فلما دفعت عنه طالبت ضرورة بالميراث لأن للمدفوع عن حقه أن يتوصل إلى تناوله بكل وجه و سبب و هذا بخلاف قول أبي علي لأنه أضاف إليها ادعاء الحق من وجه لا تستحقه منه و هي مختارة . و أما إنكاره أن يكون عمر بن عبد العزيز رد فدك على وجه النحل و ادعاؤه أنه فعل في ذلك ما فعله عمر بن الخطاب من إقرارها في يد أمير المؤمنين ع ليصرف غلاتها في وجوهها فأول ما فيه أنا لا نحتج عليه بفعل عمر بن عبد العزيز على أي وجه وقع لأن فعله ليس بحجة و لو أردنا الاحتجاج بهذا الجنس من الحجج لذكرنا فعل المأمون فإنه رد فدك بعد أن جلس مجلسا مشهورا حكم فيه بين خصمين نصبهما أحدهما لفاطمة و الآخر لأبي بكر و ردها بعد قيام الحجة و وضوح الأمر

[ 278 ]

و مع ذلك فإنه قد أنكر من فعل عمر بن عبد العزيز ما هو معروف مشهور بلا خلاف بين أهل النقل فيه و قد روى محمد بن زكريا الغلابي عن شيوخه عن أبي المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان قال لما ولي عمر بن عبد العزيز رد فدك على ولد فاطمة و كتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك فكتب إليه إن فاطمة قد ولدت في آل عثمان و آل فلان و فلان فعلى من أرد منهم فكتب إليه أما بعد فإني لو كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لكتبت إلي أ جماء أم قرناء أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة ع من علي ع و السلام . قال أبو المقدام فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز و عاتبوه فيه و قالوا له هجنت فعل الشيخين و خرج إليه عمر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة فلما عاتبوه على فعله قال إنكم جهلتم و علمت و نسيتم و ذكرت إن أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه عن جده

أن رسول الله ص قال فاطمة بضعة مني يسخطها ما يسخطني و يرضيني ما أرضاها و إن فدك كان صافية على عهد أبي بكر و عمر ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لعبد العزيز أبي فورثتها أنا و إخوتي عنه فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها فمن بائع و واهب حتى استجمعت لي فرأيت أن أردها على ولد فاطمة قالوا فإن أبيت إلا هذا فأمسك الأصل و اقسم الغلة ففعل . و أما ما ذكره من ترك أمير المؤمنين ع فدك لما أفضى الأمر إليه و استدلاله بذلك على أنه لم يكن الشاهد فيها فالوجه في تركه ع رد فدك هو الوجه في إقراره

[ 279 ]

أحكام القوم و كفه عن نقضها و تغييرها و قد بينا ذلك فيما سبق و ذكرنا أنه كان في انتهاء الأمر إليه في بقية من التقية قوية . فأما استدلاله على أن حجر أزواج النبي ص كانت لهن بقوله تعالى وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فمن عجيب الاستدلال لأن هذه الإضافة لا تقتضي الملك بل العادة جارية فيها أن تستعمل من جهة السكنى و لهذا يقال هذا بيت فلان و مسكنه و لا يراد بذلك الملك و قد قال تعالى لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ و لا شبهة في أنه تعالى أراد منازل الرجال التي يسكنون فيها زوجاتهم و لم يرد بهذه الإضافة الملك . فأما ما رواه من أن رسول الله ص قسم حجره على نسائه و بناته فمن أين له إذا كان الخبر صحيحا أن هذه القسمة على وجه التمليك دون الإسكان و الإنزال و لو كان قد ملكهن ذلك لوجب أن يكون ظاهرا مشهورا . فأما الوجه في ترك أمير المؤمنين لما صار الأمر إليه في يده منازعة الأزواج في هذه الحجر فهو ما تقدم و تكرر . و أما قوله إن أبا بكر هو الذي صلى على فاطمة و كبر أربعا و إن كثيرا من الفقهاء يستدلون به في التكبير على الميت و هو شي‏ء ما سمع إلا منه و إن كان تلقاه عن غيره فممن يجري مجراه في العصبية و إلا فالروايات المشهورة و كتب الآثار و السير خالية من ذلك و لم يختلف أهل النقل في أن عليا ع هو الذي صلى على فاطمة إلا رواية نادرة شاذة وردت بأن العباس رحمه الله صلى عليها . و روى الواقدي بإسناده في تاريخه عن الزهري قال سألت ابن عباس

[ 280 ]

متى دفنتم فاطمة ع قال دفناها بليل بعد هدأة قال قلت فمن صلى عليها قال علي . و روى الطبري عن الحارث بن أبي أسامة عن المدائني عن أبي زكريا العجلاني أن فاطمة ع عمل لها نعش قبل وفاتها فنظرت إليه فقالت سترتموني ستركما الله . قال أبو جعفر محمد بن جرير و الثبت في ذلك أنها زينب لأن فاطمة دفنت ليلا و لم يحضرها إلا علي و العباس و المقداد و الزبير . و روى القاضي أبو بكر أحمد بن كامل بإسناده في تاريخه عن الزهري قال حدثني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن فاطمة عاشت بعد رسول الله ص ستة أشهر فلما توفيت دفنها علي ليلا و صلى عليها و ذكر في كتابه هذا أن عليا و الحسن و الحسين ع دفنوها ليلا و غيبوا قبرها . و روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن محمد بن الحنفية أن فاطمة دفنت ليلا . و روى عبد الله بن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد القطان عن معمر عن الزهري مثل ذلك . و قال البلاذري في تاريخه إن فاطمة ع لم تر متبسمة بعد وفاة النبي ص و لم يعلم أبو بكر و عمر بموتها . و الأمر في هذا أوضح و أشهر من أن نطنب في الاستشهاد عليه و نذكر الروايات فيه

[ 281 ]

فأما قوله و لا يصح أنها دفنت ليلا و إن صح فقد دفن فلان و فلان ليلا فقد بينا أن دفنها ليلا في الصحة أظهر من الشمس و أن منكر ذلك كالدافع للمشاهدات و لم يجعل دفنها ليلا بمجرده هو الحجة ليقال لقد دفن فلان و فلان ليلا بل يقع الاحتجاج بذلك على ما وردت به الروايات المستفيضة الظاهرة التي هي كالتواتر أنها أوصت بأن تدفن ليلا حتى لا يصلي الرجلان عليها و صرحت بذلك و عهدت فيه عهدا بعد أن كانا استأذنا عليها في مرضها ليعوداها فأبت أن تأذن لهما فلما طالت عليهما المدافعة رغبا إلى أمير المؤمنين ع في أن يستأذن لهما و جعلاها حاجة إليه و كلمها ع في ذلك و ألح عليها فأذنت لهما في الدخول ثم أعرضت عنهما عند دخولهما و لم تكلمهما فلما خرجا قالت لأمير المؤمنين ع هل صنعت ما أردت قال نعم قالت فهل أنت صانع ما آمرك به قال نعم قالت فإني أنشدك الله ألا يصليا على جنازتي و لا يقوما على قبري . و روى أنه عفى قبرها و علم عليه و رش أربعين قبرا في البقيع و لم يرش قبرها حتى لا يهتدى إليه و أنهما عاتباه على ترك إعلامهما بشأنها و إحضارهما الصلاة عليها فمن هاهنا احتججنا بالدفن ليلا و لو كان ليس غير الدفن بالليل من غير ما تقدم عليه و ما تأخر عنه لم يكن فيه حجة . و أما حكايته عن أبي علي إنكار ضرب الرجل لها و قوله إن جعفر بن محمد و أباه و جده كانوا يتولونهما فكيف لا ينكر أبو علي ذلك و اعتقاده فيهما اعتقاده و قد كنا نظن أن مخالفينا يقتنعون أن ينسبوا إلى أئمتنا الكف عن القوم و الإمساك و ما ظننا أنهم يحملون أنفسهم على أن ينسبوا إليهم الثناء و الولاء

[ 282 ]

و قد علم كل أحد أن أصحاب هؤلاء السادة المختصين بهم قد رووا عنهم ضد ما روى شعبة بن الحجاج و فلان و فلان و قولهم هما أول من ظلمنا حقنا و حمل الناس على رقابنا و قولهم أنهما أصفيا بإنائنا و اضطجعا بسبلنا و جلسا مجلسا نحن أحق به منهما إلى غير ذلك من فنون التظلم و الشكاية و هو طويل متسع و من أراد استقصاء ذلك فلينظر في كتاب المعرفة لأبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي فإنه قد ذكر عن رجل من أهل البيت بالأسانيد النيرة ما لا زيادة عليه ثم لو صح ما ذكره شعبة لجاز أن يحمل على التقية . و أما ذكره إسرافيل و ميكائيل فما كنا نظن أن مثله يذكر ذلك و هذا من أقوال الغلاة الذين ضلوا في أمير المؤمنين ع و أهل البيت و ليسوا من الشيعة و لا من المسلمين فأي عيب علينا فيما يقولونه ثم إن جماعة من مخالفينا قد غلوا في أبي بكر و عمر و رووا روايات مختلفة فيهما تجري مجرى ما ذكره في الشناعة و لا يلزم العقلاء و ذوي الألباب من المخالفين عيب من ذلك . و أما معارضة ما روي في فاطمة ع بما روي في أن حبهما إيمان و بغضهما نفاق فالخبر الذي رويناه مجمع عليه و الخبر الآخر مطعون فيه فكيف يعارض ذلك بهذا . و أما قوله إنما قصد من يورد هذه الأخبار تضعيف دلالة الأعلام في النفوس من حيث أضاف النفاق إلى من شاهدها فتشنيع في غير موضعه و استناد إلى ما لا يجدي نفعا لأن من شاهد الأعلام لا يضعفها و لا يوهن دليلها و لا يقدح في كونها حجة لأن الأعلام ليست ملجئة إلى العلم و لا موجبة لحصوله على كل حال و إنما تثمر العلم لمن أمعن النظر فيها من الوجه الذي تدل منه فمن عدل عن ذلك لسوء اختياره لا يكون

[ 283 ]

عدوله مؤثرا في دلالتها فكم قد عدل من العقلاء و ذوي الأحلام الراجحة و الألباب الصحيحة عن تأمل هذه الأعلام و إصابة الحق منها و لم يكن ذلك عندنا و عند صاحب الكتاب قادحا في دلالة الأعلام على أن هذا القول يوجب أن ينفي الشك و النفاق عن كل من صحب النبي ص و عاصره و شاهد أعلامه كأبي سفيان و ابنه و عمرو بن العاص و فلان و فلان ممن قد اشتهر نفاقهم و ظهر شكهم في الدين و ارتيابهم باتفاق بيننا و بينه و إن كانت إضافة النفاق إلى هؤلاء لا تقدح في دلالة الأعلام فكذلك القول في غيرهم . فأما قوله إن حديث الإحراق لم يصح و لو صح لساغ لعمر مثل ذلك فقد بينا أن خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة . و قوله إنه يسوغ مثل ذلك فكيف يسوغ إحراق بيت علي و فاطمة ع و هل في ذلك عذر يصغى إليه أو يسمع و إنما يكون علي و أصحابه خارقين للإجماع و مخالفين للمسلمين لو كان الإجماع قد تقرر و ثبت و ليس بمتقرر و لا ثابت مع خلاف علي وحده فضلا عن أن يوافقه على ذلك غيره و بعد فلا فرق بين أن يهدد بالإحراق لهذه العلة و بين أن يضرب فاطمة ع لمثلها فإن إحراق المنازل أعظم من ضرب سوط أو سوطين فلا وجه لامتعاض المخالف من حديث الضرب إذا كان عنده مثل هذا الاعتذار قلت أما الكلام في عصمة فاطمة ع فهو بفن الكلام أشبه و للقول فيه موضع غير هذا . و أما قول المرتضى إذا كانت صادقة لم يبق حاجة إلى من يشهد لها فلقائل أن

[ 284 ]

يقول لم قلت ذلك و لم زعمت أن الحاجة إلى البينة إنما كانت لزيادة غلبة الظن و لم لا يجوز أن يكون الله تعالى يعبد بالبينة لمصلحة يعلمها و إن كان المدعي لا يكذب أ ليس قد تعبد الله تعالى بالعدة في العجوز التي قد أيست من الحمل و إن كان أصل وضعها لاستبراء الرحم . و أما قصة خزيمة بن ثابت فيجوز أن يكون الله تعالى قد علم أن مصلحة المكلفين في تلك الصورة أن يكتفى بدعوى النبي ص وحدها و يستغنى فيها عن الشهادة . و لا يمتنع أن يكون غير تلك الصورة مخالفا لها و إن كان المدعي لا يكذب و يبين ذلك أن مذهب المرتضى جواز ظهور خوارق العادات على أيدي الأئمة و الصالحين و لو قدرنا أن واحدا من أهل الصلاح و الخير ادعى دعوى و قال بحضرة جماعة من الناس من جملتهم القاضي اللهم إن كنت صادقا فأظهر علي معجزة خارقة للعادة فظهرت عليه لعلمنا أنه صادق و مع ذلك لا تقبل دعواه إلا ببينة . و سألت علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد فقلت له أ كانت فاطمة صادقة قال نعم قلت فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته قال لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشي‏ء لأنه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيها تدعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة و لا شهود و هذا كلام صحيح و إن كان أخرجه مخرج الدعابة و الهزل . فأما قول قاضي القضاة لو كان في يدها لكان الظاهر أنها لها و اعتراض المرتضى عليه بقوله إنه لم يعتمد في إنكار ذلك على حجة بل قال لو كانت في يدها لكان الظاهر إنها لها و الأمر على ما قال فمن أين أنها لم تخرج عن يدها على وجه كما أن الظاهر

[ 285 ]

يقتضي خلافه فإنه لم يجب عما ذكره قاضي القضاة لأن معنى قوله إنها لو كانت في يدها أي متصرفة فيها لكانت اليد حجة في الملكية لأن اليد و التصرف حجة لا محالة فلو كانت في يدها تتصرف فيها و في ارتفاقها كما يتصرف الناس في ضياعهم و أملاكهم لما احتاجت إلى الاحتجاج بآية الميراث و لا بدعوى النحل لأن اليد حجة فهلا قالت لأبي بكر هذه الأرض في يدي و لا يجوز انتزاعها مني إلا بحجة و حينئذ كان يسقط احتجاج أبي بكر بقوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث لأنها ما تكون قد ادعتها ميراثا ليحتج عليها بالخبر و خبر أبي سعيد في قوله فأعطاها فدك يدل على الهبة لا على القبض و التصرف و لأنه يقال أعطاني فلان كذا فلم أقبضه و لو كان الإعطاء هو القبض و التصرف لكان هذا الكلام متناقضا . فأما تعجب المرتضى من قول أبي علي إن دعوى الإرث كانت متقدمة على دعوى النحل و قوله إنا لا نعرف له غرضا في ذلك فإنه لا يصح له بذلك مذهب و لا يبطل على مخالفيه مذهب فإن المرتضى لم يقف على مراد الشيخ أبي علي في ذلك و هذا شي‏ء يرجع إلى أصول الفقه فإن أصحابنا استدلوا على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بإجماع الصحابة لأنهم أجمعوا على تخصيص قوله تعالى يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ

برواية أبي بكر عن النبي ص لا نورث ما تركناه صدقة قالوا و الصحيح في الخبر أن فاطمة ع طالبت بعد ذلك بالنحل لا بالميراث فلهذا قال الشيخ أبو علي إن دعوى الميراث تقدمت على دعوى النحل و ذلك لأنه ثبت أن فاطمة انصرفت عن ذلك المجلس غير راضية و لا موافقة لأبي بكر فلو كانت دعوى الإرث متأخرة و انصرفت عن سخط لم يثبت الإجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد أما إذا كانت دعوى الإرث متقدمة فلما روى لها الخبر أمسكت و انتقلت إلى النزاع من جهة أخرى فإنه يصح حينئذ الاستدلال بالإجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد .

[ 286 ]

فأما أنا فإن الأخبار عندي متعارضة يدل بعضها على أن دعوى الإرث متأخرة و يدل بعضها على أنها متقدمة و أنا في هذا الموضع متوقف . و ما ذكره المرتضى من أن الحال تقتضي أن تكون البداية بدعوى النحل فصحيح و أما إخفاء القبر و كتمان الموت و عدم الصلاة و كل ما ذكره المرتضى فيه فهو الذي يظهر و يقوى عندي لأن الروايات به أكثر و أصح من غيرها و كذلك القول في موجدتها و غضبها فأما المنقول عن رجال أهل البيت فإنه يختلف فتارة و تارة و على كل حال فميل أهل البيت إلى ما فيه نصرة أبيهم و بيتهم . و قد أخل قاضي القضاة بلفظة حكاها عن الشيعة فلم يتكلم عليها و هي لفظة جيدة قال قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبا منها فضلا عن الدين و هذا الكلام لا جواب عنه و لقد كان التكرم و رعاية حق رسول الله ص و حفظ عهده يقتضي أن تعوض ابنته بشي‏ء يرضيها إن لم يستنزل المسلمون عن فدك و تسلم إليها تطييبا لقلبها و قد يسوغ للإمام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين إذا رأى المصلحة فيه و قد بعد العهد الآن بيننا و بينهم و لا نعلم حقيقة ما كان و إلى الله نرجع الأمور : وَ لَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ اَلطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا اَلْعَسَلِ وَ لُبَابِ هَذَا اَلْقَمْحِ وَ نَسَائِجِ هَذَا اَلْقَزِّ وَ لَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَ يَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ اَلْأَطْعِمَةِ وَ لَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ بِالْيَمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي اَلْقُرْصِ وَ لاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَ حَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَ أَكْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ اَلْقَائِلُ

وَ حَسْبُكَ عَاراً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ
وَ حَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى اَلْقِدِّ

[ 287 ]

أَ أَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ لاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ اَلدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ اَلْعَيْشِ فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ اَلطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ اَلْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا أَوِ اَلْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا وَ تَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا أَوْ أُتْرَكَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ اَلضَّلاَلَةِ أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ اَلْمَتَاهَةِ قد روي و لو شئت لاهتديت إلى هذا العسل المصفى و لباب هذا البر المنقى فضربت هذا بذاك حتى ينضج وقودا و يستحكم معقودا . و

روي و لعل بالمدينة يتيما تربا يتضور سغبا أ أبيت مبطانا و حولي بطون غرثى إذن يحضرني يوم القيامة و هم من ذكر و أنثى . و روي بطون غرثى بإضافة بطون إلى غرثى . و القمح الحنطة . و الجشع أشد الحرص . و المبطان الذي لا يزال عظيم البطن من كثرة الأكل فأما المبطن فالضامر البطن و أما البطين فالعظيم البطن لا من الأكل و أما البطن فهو الذي لا يهمه إلا بطنه و أما المبطون فالعليل البطن و بطون غرثى جائعة و البطنة الكظة و ذلك أن يمتلئ الإنسان من الطعام امتلاء شديدا و كان يقال ينبغي للإنسان أن يجعل وعاء بطنه أثلاثا فثلث للطعام و ثلث للشراب و ثلث للنفس .

[ 288 ]

و التقمم أكل الشاة ما بين يديها بمقمتها أي بشفتها و كل ذي ظلف كالثور و غيره فهو ذو مقمة . و تكترش من أعلافها تملأ كرشها من العلف . قوله أو أجر حبل الضلالة منصوب بالعطف على يشغلني و كذلك أترك و يقال أجررته رسنه إذا أهملته . و الاعتساف السلوك في غير طريق واضح . و المتاهة الأرض يتاه فيها أي يتحير . و في قوله لو شئت لاهتديت شبه من قول عمر لو نشاء لملأنا هذا الرحاب من صلائق و صناب و قد ذكرناه فيما تقدم . و هذا البيت من أبيات منسوبة إلى حاتم بن عبد الله الطائي الجواد و أولها

أيا ابنة عبد الله و ابنة مالك
و يا ابنة ذي الجدين و الفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له
أكيلا فإني لست آكله وحدي
قصيا بعيدا أو قريبا فإنني
أخاف مذمات الأحاديث من بعدي
كفى بك عارا أن تبيت ببطنة
و حولك أكباد تحن إلى القد
و إني لعبد الضيف ما دام نازلا
و ما من خلالي غيرها شيمة العبد

[ 289 ]

وَ كَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ إِذَا كَانَ هَذَا قُوتَ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ قَعَدَ بِهِ اَلضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ اَلْأَقْرَانِ وَ مُنَازَلَةِ اَلشُّجْعَانِ أَلاَ وَ إِنَّ اَلشَّجَرَةَ اَلْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً وَ اَلرَّوَاتِعَ اَلْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً وَ اَلنَّابِتَاتِ اَلْعِذْيَةَ أَقْوَى وَقُوداً وَ أَبْطَأُ خُمُوداً . وَ أَنَا مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ كَالضَّوْءِ مِنَ اَلضَّوْءِ وَ اَلذِّرَاعِ مِنَ اَلْعَضُدِ وَ اَللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ اَلْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا وَ لَوْ أَمْكَنَتِ اَلْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا وَ سَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ اَلْأَرْضَ مِنْ هَذَا اَلشَّخْصِ اَلْمَعْكُوسِ وَ اَلْجِسْمِ اَلْمَرْكُوسِ حَتَّى تَخْرُجَ اَلْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ اَلْحَصِيدِ الشجرة البرية التي تنبت في البر الذي لا ماء فيه فهي أصلب عودا من الشجرة التي تنبت في الأرض الندية و إليه وقعت الإشارة بقوله و الرواتع الخضرة أرق جلودا . ثم قال و النابتات العذية التي تنبت عذيا و العذي بسكون الذال الزرع لا يسقيه إلا ماء المطر و هو يكون أقل أخذا من الماء من النبت سقيا قال ع إنها تكون أقوى وقودا مما يشرب الماء السائح أو ماء الناضح و أبطأ خمودا و ذلك لصلابة جرمها . ثم قال و أنا من رسول الله ص كالضوء من الضوء و الذراع من العضد

[ 290 ]

و ذلك لأن الضوء الأول يكون علة في الضوء الثاني أ لا ترى أن الهواء المقابل للشمس يصير مضيئا من الشمس فهذا الضوء هو الضوء الأول ثم إنه يقابل وجه الأرض فيضي‏ء وجه الأرض منه فالضوء الذي على وجه الأرض هو الضوء الثاني و ما دام الضوء الأول ضعيفا فالضوء الثاني ضعيف فإذا ازداد الجو إضاءة ازداد وجه الأرض إضاءة لأن المعلول يتبع العلة فشبه ع نفسه بالضوء الثاني و شبه رسول الله ص بالضوء الأول و شبه منبع الأضواء و الأنوار سبحانه و جلت أسماؤه بالشمس التي توجب الضوء الأول ثم الضوء الأول يوجب الضوء الثاني و هاهنا نكتة و هي أن الضوء الثاني يكون أيضا علة لضوء ثالث و ذلك أن الضوء الحاصل على وجه الأرض و هو الضوء الثاني إذا أشرق على جدار مقابل ذلك الجدار قريبا منه مكان مظلم فإن ذلك المكان يصير مضيئا بعد أن كان مظلما و إن كان لذلك المكان المظلم باب و كان داخل البيت مقابل ذلك الباب جدار كان ذلك الجدار أشد إضاءة من باقي البيت ثم ذلك الجدار إن كان فيه ثقب إلى موضع آخر كان ما يحاذي ذلك البيت أشد إضاءة مما حواليه و هكذا لا تزال الأضواء يوجب بعضها بعضا على وجه الانعكاس بطريق العلية و بشرط المقابلة و لا تزال تضعف درجة درجة إلى أن تضمحل و يعود الأمر إلى الظلمة و هكذا عالم العلوم و الحكم المأخوذة من أمير المؤمنين ع لا تزال تضعف كما انتقلت من قوم إلى قوم إلى أن يعود الإسلام غريبا كما بدأ بموجب الخبر النبوي الوارد في الصحاح . و أما قوله و الذراع من العضد فلأن الذراع فرع على العضد و العضد أصل أ لا ترى أنه لا يمكن أن يكون ذراع إلا إذا كان عضد و يمكن أن يكون عضد لا ذراع له و لهذا قال الراجز لولده

يا بكر بكرين و يا خلب الكبد
أصبحت مني كذراع من عضد

[ 291 ]

فشبه ع بالنسبة إلى رسول الله ص بالذراع الذي العضد أصله و أسه و المراد من هذا التشبيه الإبابة عن شدة الامتزاج و الاتحاد و القرب بينهما فإن الضوء الثاني شبيه بالضوء الأول و الذراع متصل بالعضد اتصالا بينا و هذه المنزلة قد أعطاه إياها رسول الله ص في مقامات كثيرة نحو

قوله في قصة براءة قد أمرت أن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني و قوله

لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثن إليكم رجلا مني أو قال عديل نفسي و قد سماه الكتاب العزيز نفسه فقال وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ و

قد قال له لحمك مختلط بلحمي و دمك مسوط بدمي و شبرك و شبري واحد . فإن قلت أما قوله لو تظاهرت العرب علي لما وليت عنها فمعلوم فما الفائدة في قوله و لو أمكنت الفرصة من رقابها لسارعت إليها و هل هذا مما يفخر به الرؤساء و يعدونه منقبة و إنما المنقبة أن لو أمكنته الفرصة تجاوز و عفا . قلت غرضه أن يقرر في نفوس أصحابه و غيرهم من العرب أنه يحارب على حق و أن حربه لأهل الشام كالجهاد أيام رسول الله ص و أن من يجاهد الكفار يجب عليه أن يغلظ عليهم و يستأصل شأفتهم أ لا ترى أن رسول الله ص لما جاهد بني قريظة و ظفر لم يبق و لم يعف و حصد في يوم واحد رقاب ألف إنسان صبرا في مقام واحد لما علم في ذلك من إعزاز الدين و إذلال المشركين فالعفو له مقام و الانتقام له مقام . قوله و سأجهد في أن أطهر الأرض الإشارة في هذا إلى معاوية سماه شخصا معكوسا و جسما مركوسا و المراد انعكاس عقيدته و أنها ليست عقيدة هدى بل هي معاكسة للحق و الصواب و سماه مركوسا من قولهم ارتكس في الضلال و الركس

[ 292 ]

رد الشي‏ء مقلوبا قال تعالى وَ اَللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أي قلبهم و ردهم إلى كفرهم فلما كان تاركا للفطرة التي كل مولود يولد عليها كان مرتكسا في ضلالة و أصحاب التناسخ يفسرون هذا بتفسير آخر قالوا الحيوان على ضربين منتصب و منحن فالمنتصب الإنسان و المنحني ما كان رأسه منكوسا إلى جهة الأرض كالبهائم و السباع . قالوا و إلى ذلك وقعت الإشارة بقوله أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى‏ وَجْهِهِ أَهْدى‏ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . قالوا فأصحاب الشقاوة تنتقل أنفسهم عند الموت إلى الحيوان المكبوب و أصحاب السعادة تنتقل أنفسهم إلى الحيوان المنتصب و لما كان معاوية عنده ع من أهل الشقاوة سماه معكوسا و مركوسا رمزا إلى هذا المعنى . قوله حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد أي حتى يتطهر الدين و أهله منه و ذلك لأن الزراع يجتهدون في إخراج المدر و الحجر و الشوك و العوسج و نحو ذلك من بين الزرع كي تفسد منابته فيفسد الحب الذي يخرج منه فشبه معاوية بالمدر و نحوه من مفسدات الحب و شبه الدين بالحب الذي هو ثمرة الزرع : وَ مِنْ هَذَا اَلْكِتَابِ وَ هُوَ آخِرُهُ إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ قَدِ اِنْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ وَ أَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكِ وَ اِجْتَنَبْتُ اَلذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ

[ 293 ]

أَيْنَ اَلْقُرُونُ اَلَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِكِ أَيْنَ اَلْأُمَمُ اَلَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ فَهَا هُمْ رَهَائِنُ اَلْقُبُورِ وَ مَضَامِينُ اَللُّحُودِ وَ اَللَّهِ لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئِيّاً وَ قَالَباً حِسِّيّاً لَأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اَللَّهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِيِّ وَ أُمَمٍ أَلْقَيْتِهِمْ فِي اَلْمَهَاوِي وَ مُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى اَلتَّلَفِ وَ أَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ اَلْبَلاَءِ إِذْ لاَ وِرْدَ وَ لاَ صَدَرَ هَيْهَاتَ مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ وَ مَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ وَ مَنِ اِزْوَرَّ عَنْ حَبَائِلِكِ وُفِّقَ وَ اَلسَّالِمُ مِنْكِ لاَ يُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ وَ اَلدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمَ حَانَ اِنْسِلاَخُهُ إليك عني أي ابعدي و حبلك على غاربك كناية من كنايات الطلاق أي اذهبي حيث شئت لأن الناقة إذا ألقي حبلها على غاربها فقد فسح لها أن ترعى حيث شاءت و تذهب أين شاءت لأنه إنما يردها زمامها فإذا ألقي حبلها على غاربها فقد أهملت . و الغارب ما بين السنام و العنق و المداحض المزالق . و قيل إن في النسخة التي بخط الرضي رضي الله عنه غررتيهم بالياء و كذلك فتنتيهم و ألقيتيهم و أسلمتيهم و أوردتيهم و الأحسن حذف الياء و إذا كانت الرواية وردت بها فهي من إشباع الكسرة كقوله

أ لم يأتيك و الأنباء تنمي
بما فعلت لبون بني زياد

و مضامين اللحود أي الذين تضمنتهم و في الحديث نهى عن بيع المضامين و الملاقيح و هي ما في أصلاب الفحول و بطون الإناث .

[ 294 ]

ثم قال لو كنت أيتها الدنيا إنسانا محسوسا كالواحد من البشر لأقمت عليك الحد كما فعلت بالناس . ثم شرح أفعالها فقال منهم من غررت و منهم من ألقيت في مهاوي الضلال و الكفر و منهم من أتلفت و أهلكت . ثم قال و من وطئ دحضك زلق مكان دحض أي مزلة . ثم قال لا يبالي من سلم منك إن ضاق مناخه لا يبالي بالفقر و لا بالمرض و لا بالحبوس و السجون و غير ذلك من أنواع المحن لأن هذا كله حقير لا اعتداد به في جنب السلامة من فتنة الدنيا . قال و الدنيا عند من قد سلم منها كيوم قرب انقضاؤه و فناؤه : اُعْزُبِي عَنِّي فَوَاللَّهِ لاَ أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي وَ لاَ أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي وَ اَيْمُ اَللَّهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اَللَّهِ لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إِلَى اَلْقُرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً وَ تَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً وَ لَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعَهَا أَ تَمْتَلِئُ اَلسَّائِمَةُ مِنْ رِعْيِهَا فَتَبْرُكَ وَ تَشْبَعُ اَلرَّبِيضَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ وَ يَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ قَرَّتْ إِذاً عَيْنُهُ إِذَا اِقْتَدَى بَعْدَ اَلسِّنِينَ اَلْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ اَلْهَامِلَةِ وَ اَلسَّائِمَةِ اَلْمَرْعِيَّةِ طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا وَ عَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا وَ هَجَرَتْ فِي

[ 295 ]

اَللَّيْلِ غُمْضَهَا حَتَّى إِذَا غَلَبَ اَلْكَرَى عَلَيْهَا اِفْتَرَشَتْ أَرْضَهَا وَ تَوَسَّدَتْ كَفَّهَا فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ وَ تَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ وَ هَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمْ وَ تَقَشَّعَتْ بِطُولِ اِسْتِغْفَارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ أُولئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ فَاتَّقِ اَللَّهَ يَا اِبْنَ حُنَيْفٍ وَ لْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ لِيَكُونَ مِنَ اَلنَّارِ خَلاَصُكَ اعزبي ابعدي يقال عزب الرجل بالفتح أي بعد و لا أسلس لك بفتح اللام أي لا أنقاد لك سلس الرجل بالكسر يسلس فهو بين السلس أي سهل قياده . ثم حلف و استثنى بالمشيئة أدبا كما أدب الله تعالى رسوله ص ليروضن نفسه أي يدربها بالجوع و الجوع هو أصل الرياضة عند الحكماء و أرباب الطريقة . قال حتى أهش إلى القرص أي إلى الرغيف و أقنع من الإدام بالملح . و نضب معينها فني ماؤها . ثم أنكر على نفسه فقال أ تشبع السائمة من رعيها بكسر الراء و هو الكلأ و الربيضة جماعة من الغنم أو البقر تربض في أماكنها و أنا أيضا مثلها أشبع و أنام . لقد قرت عيني إذا حيث أشابه البهائم بعد الجهاد و السبق و العبادة و العم و الجد في السنين المتطاولة . قوله و عركت بجنبها بؤسها أي صبرت على بؤسها و المشقة التي تنالها يقال قد عرك فلان بجنبه الأذى أي أغضى عنه و صبر عليه .

[ 296 ]

قوله افترشت أرضها أي لم يكن لها فراش إلا الأرض . و توسدت كفها لم يكن لها وسادة إلا الكف . و تجافت عن مضاجعهم جنوبهم لفظ الكتاب العزيز تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضاجِعِ . و همهمت تكلمت كلاما خفيا . و تقشعت ذنوبهم زالت و ذهبت كما يتقشع السحاب . قوله و لتكفف أقراصك إنما هو نهي لابن حنيف أن يكف عن الأقراص و إن كان اللفظ يقتضي أن تكف الأقراص عن ابن حنيف و قد رواها قوم بالنصب قالوا فاتق الله يا ابن حنيف و لتكفف أقراصك لترجو بها من النار خلاصك و التاء هاهنا للأمر عوض الياء و هي لغة لا بأس بها و قد قيل إن رسول الله ص قرأ فبذلك فلتفرحوا بالتاء