فصل فيما يجب على مصاحب الملك

لما فرغ من أمر الخراج شرع في أمر الكتاب الذين يلون أمر الحضرة و يترسلون عنه إلى عماله و أمرائه و إليهم معاقد التدبير و أمر الديوان فأمره أن يتخير الصالح منهم و من يوثق على الاطلاع على الأسرار و المكايد و الحيل و التدبيرات و من لا يبطره الإكرام و التقريب فيطمع فيجترئ على مخالفته في ملإ من الناس و الرد عليه ففي ذلك من الوهن للأمير و سوء الأدب الذي انكشف الكاتب عنه ما لا خفاء به . قال الرشيد للكسائي يا علي بن حمزة قد أحللناك المحل الذي لم تكن تبلغه همتك فرونا من الأشعار أعفها و من الأحاديث أجمعها لمحاسن الأخلاق و ذاكرنا بآداب الفرس و الهند و لا تسرع علينا الرد في ملإ و لا تترك تثقيفنا في خلإ . و في آداب ابن المقفع لا تكونن صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة منك لنفسك على

[ 77 ]

طاعتهم في المكروه عندك و موافقتهم فيما خالفك و تقدير الأمور على أهوائهم دون هواك فإن كنت حافظا إذا ولوك حذرا إذا قربوك أمينا إذا ائتمنوك تعلمهم و كأنك تتعلم منهم و تأدبهم و كأنك تتأدب بهم و تشكر لهم و لا تكلفهم الشكر ذليلا إن صرموك راضيا إن أسخطوك و إلا فالبعد منهم كل البعد و الحذر منهم كل الحذر و إن وجدت عن السلطان و صحبته غنى فاستغن عنه فإنه من يخدم السلطان حق خدمته يخلى بينه و بين لذة الدنيا و عمل الأخرى و من يخدمه غير حق الخدمة فقد احتمل وزر الآخرة و عرض نفسه للهلكة و الفضيحة في الدنيا فإذا صحبت السلطان فعليك بطول الملازمة من غير إملال و إذا نزلت منه بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق و لا تكثر له من الدعاء و لا تردن عليه كلاما في حفل و إن أخطأ فإذا خلوت به فبصره في رفق و لا يكونن طلبك ما عنده بالمسألة و لا تستبطئه و إن أبطأ و لا تخبرنه أن لك عليه حقا و أنك تعتمد عليه ببلاء و إن استطعت ألا تنسى حقك و بلاءك بتجديد النصح و الاجتهاد فافعل و لا تعطينه المجهود كله من نفسك في أول صحبتك له و أعد موضعا للمزيد و إذا سأل غيرك عن شي‏ء فلا تكن المجيب . و اعلم أن استلابك الكلام خفة فيك و استخفاف منك بالسائل و المسئول فما أنت قائل إن قال لك السائل ما إياك سألت أو قال المسئول أجب بمجالسته و محادثته أيها المعجب بنفسه و المستخف بسلطانه . و قال عبد الملك بن صالح لمؤدب ولده بعد أن اختصه بمجالسته و محادثته يا عبد الله كن على التماس الحظ فيك بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام فإنهم قالوا إذا أعجبك الكلام فاصمت و إذا أعجبك الصمت فتكلم و اعلم أن أصعب الملوك معاملة الجبار الفطن المتفقد فإن ابتليت بصحبته فاحترس و إن عوفيت فاشكر الله على السلامة فإن السلامة أصل كل نعمة لا تساعدني على ما يقبح بي و لا تردن علي

[ 78 ]

خطأ في مجلس و لا تكلفني جواب التشميت و التهنئة و دع عنك كيف أصبح الأمير و كيف أمسى و كلمني بقدر ما أستنطقك و اجعل بدل التقريظ لي صواب الاستماع مني و اعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول فإذا سمعتني أتحدث فلا يفوتنك منه شي‏ء و أرني فهمك إياه في طرفك و وجهك فما ظنك بالملك و قد أحلك محل المعجب بما يسمعك إياه و أحللته محل من لا يسمع منه و كل من هذا يحبط إحسانك و يسقط حق حرمتك و لا تستدع الزيادة من كلامي بما تظهر من استحسان ما يكون مني فمن أسوأ حالا ممن يستكد الملوك بالباطل و ذلك يدل على تهاونه بقدر ما أوجب الله تعالى من حقهم و اعلم أني جعلتك مؤدبا بعد أن كنت معلما و جعلتك جليسا مقربا بعد أن كنت مع الصبيان مباعدا فمتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه لم تعرف رجحان ما دخلت فيه و قد قالوا من لم يعرف سوء ما أولى لم يعرف حسن ما أبلى ثم قال ع و ليكن كاتبك غير مقصر عن عرض مكتوبات عمالك عليك و الإجابة عنها حسن الوكالة و النيابة عنك فيما يحتج به لك عليهم من مكتوباتهم و ما يصدره عنك إليهم من الأجوبة فإن عقد لك عقدا قواه و أحكمه و إن عقد عليك عقدا اجتهد في نقضه و حله قال و أن يكون عارفا بنفسه فمن لم يعرف قدر نفسه لم يعرف قدر غيره . ثم نهاه أن يكون مستند اختياره لهؤلاء فراسته فيهم و غلبة ظنه بأحوالهم فإن التدليس ينم في ذلك كثيرا و ما زال الكتاب يتصنعون للأمراء بحسن الظاهر و ليس وراء ذلك كثير طائل في النصيحة و المعرفة و لكن ينبغي أن يرجع في ذلك إلى ما حكمت

[ 79 ]

به التجربة لهم و ما ولوه من قبل فإن كانت ولايتهم و كتابتهم حسنة مشكورة فهم هم و إلا فلا و يتعرفون لفراسات الولاة يجعلون أنفسهم بحيث يعرف بضروب من التصنع و روي يتعرضون . ثم أمره أن يقسم فنون الكتابة و ضروبها بينهم نحو أن يكون أحدهم للرسائل إلى الأطراف و الأعداء و الآخر لأجوبة عمال السواد و الآخرة بحضرة الأمير في خاصته و داره و حاشيته و ثقاته . ثم ذكر له أنه مأخوذ مع الله تعالى بما يتغابى عنه و يتغافل من عيوب كتابه فإن الدين لا يبيح الإغضاء و الغفلة عن الأعوان و الخول و يوجب التطلع عليهم