ذكر الحجاب و ما ورد فيه من الخبر و الشعر

و القول في الحجاب كثير حضر باب عمر جماعة من الأشراف منهم سهيل بن عمرو و عيينة بن حصن و الأقرع بن حابس فحجبوا ثم خرج الآذن فنادى أين عمار أين سلمان أين صهيب

[ 92 ]

فأدخلهم فتمعرت وجوه القوم فقال سهيل بن عمرو لم تتمعر وجوهكم دعوا و دعينا فأسرعوا و أبطأنا و لئن حسدتموهم على باب عمر اليوم لأنتم غدا لهم أحسد . و استأذن أبو سفيان على عثمان فحجبه فقيل له حجبك فقال لا عدمت من أهلي من إذا شاء حجبني . و حجب معاوية أبا الدرداء فقيل لأبي الدرداء حجبك معاوية فقال من يغش أبواب الملوك يهن و يكرم و من صادف بابا مغلقا عليه وجد إلى جانبه بابا مفتوحا إن سأل أعطي و إن دعا أجيب و إن يكن معاوية قد احتجب فرب معاوية لم يحتجب . و قال أبرويز لحاجبه لا تضعن شريفا بصعوبة حجاب و لا ترفعن وضيعا بسهولته ضع الرجال مواضع أخطارهم فمن كان قديما شرفه ثم ازدرعه و لم يهدمه بعد آبائه فقدمه على شرفه الأول و حسن رأيه الآخر و من كان له شرف متقدم و لم يصن ذلك حياطة له و لم يزدرعه تثمير المغارسة فألحق بآبائه من رفعة حاله ما يقتضيه سابق شرفهم و ألحق به في خاصته ما ألحق بنفسه و لا تأذن له إلا دبريا و إلا سرارا و لا تلحقه بطبقة الأولين و إذا ورد كتاب عامل من عمالي فلا تحبسه عني طرفة عين إلا أن أكون على حال لا تستطيع الوصول إلي فيها و إذا أتاك من يدعي النصيحة لنا فلتكتبها سرا ثم أدخله بعد أن تستأذن له حتى إذا كان مني بحيث أراه فادفع إلي كتابه فإن أحمدت قبلت و إن كرهت رفضت و إن أتاك عالم مشتهر بالعلم و الفضل يستأذن فأذن له فإن العلم شريف و شريف صاحبه و لا تحجبن عني أحدا من أفناء الناس إذا أخذت مجلسي مجلس العامة فإن الملك لا يحجب إلا عن ثلاث عي يكره أن يطلع عليه منه أو بخل يكره أن يدخل عليه من يسأله أو ريبة هو مصر عليها فيشفق من إبدائها

[ 93 ]

و وقوف الناس عليها و لا بد أن يحيطوا بها علما و إن اجتهد في سترها و قد أخذ هذا المعنى الأخير محمود الوراق فقال

إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه
و رد ذوي الحاجات دون حجابه
ظننت به إحدى ثلاث و ربما
رجمت بظن واقع بصوابه
أقول به مس من العي ظاهر
ففي إذنه للناس إظهار ما به
فإن لم يكن عي اللسان فغالب
من البخل يحمى ماله عن طلابه
و إن لم يكن لا ذا و لا ذا فريبة
يكتمها مستورة بثيابه

أقام عبد العزيز بن زرارة الكلابي على باب معاوية سنة في شملة من صوف لا يأذن له ثم أذن له و قربه و أدناه و لطف محله عنده حتى ولاه مصر فكان يقال استأذن أقوام لعبد العزيز بن زرارة ثم صار يستأذن لهم و قال في ذلك

دخلت على معاوية بن حرب
و لكن بعد يأس من دخول
و ما نلت الدخول عليه حتى
حللت محلة الرجل الذليل
و أغضيت الجفون على قذاها
و لم أنظر إلى قال و قيل
و أدركت الذي أملت منه
و حرمان المنى زاد العجول

و يقال إنه قال له لما دخل عليه أمير المؤمنين دخلت إليك بالأمل و احتملت جفوتك بالصبر و رأيت ببابك أقواما قدمهم الحظ و آخرين أخرهم الحرمان فليس ينبغي للمقدم أن يأمن عواقب الأيام و لا للمؤخر أن ييأس من عطف الزمان . و أول المعرفة الاختبار فابل و اختبر إن رأيت و كان يقال لم يلزم باب السلطان أحد فصبر على ذل الحجاب و كلام البواب و ألقى الأنف و حمل الضيم و أدام الملازمة إلا وصل إلى حاجته أو إلى معظمها .

[ 94 ]

قال عبد الملك لحاجبه إنك عين أنظر بها و جنة أستلئم بها و قد وليتك ما وراء بابي فما ذا تراك صانعا برعيتي قال أنظر إليهم بعينك و أحملهم على قدر منازلهم عندك و أضعهم في إبطائهم عن بابك و لزوم خدمتك مواضع استحقاقهم و أرتبهم حيث وضعهم ترتيبك و أحسن إبلاغهم عنك و إبلاغك عنهم قال لقد وفيت بما عليك و لكن إن صدقت ذلك بفعلك و قال دعبل و قد حجب عن باب مالك بن طوق

لعمري لئن حجبتني العبيد
لما حجبت دونك القافيه
سأرمي بها من وراء الحجاب
شنعاء تأتيك بالداهيه
تصم السميع و تعمي البصير
و يسأل من مثلها العافيه

و قال آخر

سأترك هذا الباب ما دام إذنه
على ما أرى حتى يلين قليلا
فما خاب من لم يأته مترفعا
و لا فاز من قد رام فيه دخولا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعا
وجدنا إلى ترك المجي‏ء سبيلا

و كتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف الكاتب و قد حجبه

و إن عدت بعد اليوم إني لظالم
سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم
متى يفلح الغادي إليك لحاجة
و نصفك محجوب و نصفك نائم

يعني ليله و نهاره . استأذن رجلان على معاوية فأذن لأحدهما و كان أشرف منزلة من الآخر ثم أذن للآخر فدخل فجلس فوق الأول فقال معاوية إن الله قد ألزمنا تأديبكم

[ 95 ]

كما ألزمنا رعايتكم و أنا لم نأذن له قبلك و نحن نريد أن يكون مجلسه دونك فقم لا أقام الله لك وزنا و قال بشار

تأبى خلائق خالد و فعاله
إلا تجنب كل أمر عائب
و إذا أتينا الباب وقت غدائه
أدنى الغداء لنا برغم الحاجب

و قال آخر يهجو

يا أميرا على جريب من الأر
ض له تسعة من الحجاب
قاعد في الخراب يحجب عنا
ما سمعنا بحاجب في خراب

و كتب بعضهم إلى جعفر بن محمد بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب

أبا جعفر إن الولاية إن تكن
منبلة قوسا فأنت لها نبل
فلا ترتفع عنا لأمر وليته
كما لم يصغر عندنا شأنك العزل

و من جيد ما مدح به بشر بن مروان قول القائل

بعيد مراد الطرف ما رد طرفه
حذار الغواشي باب دار و لا ستر
و لو شاء بشر كان من دون بابه
طماطم سود أو صقالبة حمر
و لكن بشرا يستر الباب للتي
يكون لها في غبها الحمد و الأجر

و قال بشار

خليلي من كعب أعينا أخاكما
على دهره إن الكريم يعين
و لا تبخلا بخل ابن قرعة إنه
مخافة أن يرجى نداه حزين
إذا جئته للعرف أغلق بابه
فلم تلقه إلا و أنت كمين
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا
و في كل معروف عليك يمين

[ 96 ]

و قال إبراهيم بن هرمة

هش إذا نزل الوفود ببابه
سهل الحجاب مؤدب الخدام
و إذا رأيت صديقه و شقيقه
لم تدر أيهما ذوي الأرحام

و قال آخر

و إني لأستحيي الكريم إذا أتى
على طمع عند اللئيم يطالبه
و أرثي له من مجلس عند بابه
كمرثيتي للطرف و العلج راكبه

و قال عبد الله بن محمد بن عيينة

أتيتك زائرا لقضاء حق
فحال الستر دونك و الحجاب
و رأيي مذهب عن كل ناء
يجانبه إذا عز الذهاب
و لست بساقط في قدر قوم
و إن كرهوا كما يقع الذباب

و قال آخر

ما ضاقت الأرض على راغب
تطلب الرزق و لا راهب
بل ضاقت الأرض على شاعر
أصبح يشكو جفوة الحاجب
قد شتم الحاجب في شعره
و إنما يقصد للصاحب

ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وَ بِطَانَةً فِيهِمُ اِسْتِئْثَارٌ وَ تَطَاوُلٌ وَ قِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ فَاحْسِمْ مَئُونَةَ مَادَّةَ أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ اَلْأَحْوَالِ وَ لاَ تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وَ حَامَّتِكَ قَطِيعَةً وَ لاَ يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اِعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ اَلنَّاسِ فِي

[ 97 ]

شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ يَحْمِلُونَ مَئُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ وَ عَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلآْخِرَةِ وَ أَلْزِمِ اَلْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ اَلْقَرِيبِ وَ اَلْبَعِيدِ وَ كُنْ فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَ خَوَاصِّكَ خَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ وَ اِبْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ وَ إِنْ ظَنَّتِ اَلرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ وَ اِعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ وَ رِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ وَ إِعْذَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى اَلْحَقِّ نهاه ع عن أن يحمل أقاربه و حاشيته و خواصه على رقاب الناس و أن يمكنهم من الاستئثار عليهم و التطاول و الإذلال و نهاه من أن يقطع أحدا منهم قطيعة أو يملكه ضيعة تضر بمن يجاورها من السادة و الدهاقين في شرب يتغلبون على الماء منه أو ضياع يضيفونها إلى ما ملكهم إياه و إعفاء لهم من مئونة أو حفر و غيره فيعفيهم الولاة منه مراقبة لهم فيكون مئونة ذلك الواجب عليهم قد أسقطت عنهم و حمل ثقلها على غيرهم . ثم قال ع لأن منفعة ذلك في الدنيا تكون لهم دونك و الوزر في الآخرة عليك و العيب و الذم في الدنيا أيضا لاحقان بك . ثم قال له إن اتهمتك الرعية بحيف عليهم أو ظنت بك جورا فاذكر لهم عذرك

[ 98 ]

في ذلك و ما عندك ظاهرا غير مستور فإنه الأولى و الأقرب إلى استقامتهم لك على الحق . و أصحرت بكذا أي كشفته مأخوذ من الإصحار و هو الخروج إلى الصحراء . و حامة الرجل أقاربه و بطانته و اعتقدت عقدة أي ادخرت ذخيرة و المهنأ مصدر هنأه كذا و مغبة الشي‏ء عاقبته . و اعدل عنك ظنونهم نحها و الإعذار إقامة العذر