الطعن الأول

قال قاضي القضاة بعد أن ذكر ما طعن به فيه في أمر فدك و قد سبق القول فيه و مما طعن به عليه قولهم كيف يصلح للإمامة من يخبر عن نفسه أن له شيطانا يعتريه و من يحذر الناس نفسه و من يقول أقيلوني بعد دخوله في الإمامة مع أنه لا يحل للإمام أن يقول أقيلوني البيعة . أجاب قاضي القضاة فقال إن شيخنا أبا علي قال لو كان ذلك نقصا فيه لكان قول الله في آدم و حواء فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطانُ و قوله فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطانُ و قوله وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى اَلشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ يوجب النقص في الأنبياء و إذا لم يجب ذلك فكذلك ما وصف به أبو بكر نفسه و إنما أراد أنه عند الغضب يشفق من المعصية و يحذر منها و يخاف أن يكون الشيطان يعتريه في تلك الحال فيوسوس إليه و ذلك منه على طريقة الزجر لنفسه عن المعاصي و قد روي عن أمير المؤمنين ع أنه ترك مخاصمة الناس في حقوقه إشفاقا من المعصية و كان يولي ذلك عقيلا فلما أسن عقيل كان يوليها عبد الله بن جعفر فأما ما روي في إقالة البيعة فهو خبر ضعيف و إن صح فالمراد به التنبيه على أنه لا يبالي لأمر يرجع إليه أن يقيله الناس البيعة و إنما يضرون بذلك أنفسهم و كأنه نبه بذلك

[ 156 ]

على أنه غير مكره لهم و أنه قد خلاهم و ما يريدون إلا أن يعرض ما يوجب خلافه و قد روي أن أمير المؤمنين ع أقال عبد الله بن عمر البيعة حين استقاله و المراد بذلك أنه تركه و ما يختار . اعترض المرتضى رضي الله عنه فقال أما قول أبي بكر وليتكم و لست بخيركم فإن استقمت فاتبعوني و إن اعوججت فقوموني فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبي فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم و أبشاركم فإنه يدل على أنه لا يصلح للإمامة من وجهين أحدهما أن هذا صفة من ليس بمعصوم و لا يأمن الغلط على نفسه من يحتاج إلى تقويم رعيته له إذا وقع في المعصية و قد بينا أن الإمام لا بد أن يكون معصوما موفقا مسددا و الوجه الآخر أن هذه صفة من لا يملك نفسه و لا يضبط غضبه و من هو في نهاية الطيش و الحدة و الخرق و العجلة و لا خلاف أن الإمام يجب أن يكون منزها عن هذه الأوصاف غير حاصل عليها و ليس يشبه قول أبي بكر ما تلاه من الآيات كلها لأن أبا بكر خبر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب و أن عادته بذلك جارية و ليس هذا بمنزلة من يوسوس إليه الشيطان و لا يطيعه و يزين له القبيح فلا يأتيه و ليس وسوسة الشيطان بعيب على الموسوس له إذا لم يستزله ذلك عن الصواب بل هو زيادة في التكليف و وجه يتضاعف معه الثواب و قوله تعالى أَلْقَى اَلشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ قيل معناه في تلاوته و قيل في فكرته على سبيل الخاطر و أي الأمرين كان فلا عار في ذلك على النبي ص و لا نقص و إنما العار و النقص على من يطيع الشيطان و يتبع ما يدعو إليه و ليس لأحد أن يقول هذا إن سلم لكم في جميع الآيات لم يسلم في قوله تعالى فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطانُ لأنه قد خبر عن تأثير غوايته و وسوسته بما كان منهما من الفعل و ذلك أن المعنى الصحيح في هذه الآية أن آدم و حواء كانا مندوبين إلى اجتناب الشجرة و ترك التناول منها و لم يكن ذلك عليهما واجبا لازما

[ 157 ]

لأن الأنبياء لا يخلون بالواجب فوسوس لهما الشيطان حتى تناولا من الشجرة فتركا مندوبا إليه و حرما بذلك أنفسهما الثواب و سماه إزلالا لأنه حط لهما عن درجة الثواب و فعل الأفضل و قوله تعالى في موضع آخر وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ لا ينافي هذا المعنى لأن المعصية قد يسمى بها من أخل بالواجب و الندب معا قوله فغوى أي خاب من حيث لم يستحق الثواب على ما ندب إليه على أن صاحب الكتاب يقول إن هذه المعصية من آدم كانت صغيرة لا يستحق بها عقابا و لا ذما فعلى مذهبه أيضا تكون المفارقة بينه و بين أبي بكر ظاهرة لأن أبا بكر خبر عن نفسه أن الشيطان يعتريه حتى يؤثر في الأشعار و الأبشار و يأتي ما يستحق به التقويم فأين هذا من ذنب صغير لا ذم و لا عقاب عليه و هو يجري من وجه من الوجوه مجرى المباح لأنه لا يؤثر في أحوال فاعله و حط رتبته و ليس يجوز أن يكون ذلك منه على سبيل الخشية و الإشفاق على ما ظن لأن مفهوم خطابه يقتضي خلاف ذلك أ لا ترى أنه قال إن لي شيطانا يعتريني و هذا قول من قد عرف عادته و لو كان على سبيل الإشفاق و الخوف لخرج عن هذا المخرج و لكان يقول فإني آمن من كذا و إني لمشفق منه فأما ترك أمير المؤمنين ع مخاصمة الناس في حقوقه فكأنه إنما كان تنزها و تكرما و أي نسبة بين ذلك و بين من صرح و شهد على نفسه بما لا يليق بالأئمة و أما خبر استقالة البيعة و تضعيف صاحب الكتاب له فهو أبدا يضعف ما لا يوافقه من غير حجة يعتمدها في تضعيفه و قوله إنه ما استقال على التحقيق و إنما نبه على أنه لا يبالي بخروج الأمر عنه و أنه غير مكره لهم عليه فبعيد من الصواب لأن ظاهر قوله أقيلوني أمر بالإقالة و أقل أحواله أن يكون عرضا لها و بذلا و كلا الأمرين قبيح و لو أراد ما ظنه لكان له

[ 158 ]

في غير هذا القول مندوحة و لكان يقول إني ما أكرهتكم و لا حملتكم على مبايعتي و ما كنت أبالي ألا يكون هذا الأمر في و لا إلي و إن مفارقته لتسرني لو لا ما ألزمنيه الدخول فيه من التمسك به و متى عدلنا عن ظواهر الكلام بلا دليل جر ذلك علينا ما لا قبل لنا به و أما أمير المؤمنين ع فإنه لم يقل ابن عمر البيعة بعد دخولها فيها و إنما استعفاه من أن يلزمه البيعة ابتداء فأعفاه قلة فكر فيه و علما بأن إمامته لا تثبت بمبايعة من يبايعه عليها فأين هذا من استقالة بيعة قد تقدمت و استقرت . قلت أما قول أبي بكر وليتكم و لست بخيركم فقد صدق عند كثير من أصحابنا لأن خيرهم علي بن أبي طالب ع و من لا يقول بذلك يقول بما قاله الحسن البصري و الله إنه ليعلم أنه خيرهم و لكن المؤمن يهضم نفسه و لم يطعن المرتضى فيه بهذه اللفظة لنطيل القول فيها و أما قول المرتضى عنه أنه قال فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبى فالمشهور في الرواية فإن لي شيطانا يعتريني قال المفسرون أراد بالشيطان الغضب و سماه شيطانا على طريق الاستعارة و كذا ذكره شيخنا أبو الحسين في الغرر قال معاوية لإنسان غضب في حضرته فتكلم بما لا يتكلم بمثله في حضرة الخلفاء اربع على ظلعك أيها الإنسان فإنما الغضب شيطان و أنا لم نقل إلا خيرا . و قد ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتاب التاريخ الكبير خطبتي أبي بكر عقيب بيعته بالسقيفة و نحن نذكرهما نقلا من كتابه أما الخطبة الأولى فهي

[ 159 ]

أما بعد أيها الناس فإني وليتكم و لست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني و إن أسأت فقوموني لأن الصدق أمانة و الكذب خيانة الضعيف منكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه و القوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل و لا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله و رسوله فإذا عصيت الله و رسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله و أما الخطبة الثانية فهي أيها الناس إنما أنا مثلكم و إني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله ص يطيقه إن الله اصطفى محمدا ص على العالمين و عصمه من الآفات و إنما أنا متبع و لست بمتبوع فإن استقمت فاتبعوني و إن زغت فقوموني و إن رسول الله ص قبض و ليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها ألا و إن لي شيطانا يعتريني فإذا غضبت فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم و أبشاركم ألا و إنكم تغدون و تروحون في أجل قد غيب عنكم علمه فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل إلا و أنتم في عمل صالح فافعلوا و لن تستطيعوا ذلك إلا بالله فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال فإن قوما نسوا آجالهم و جعلوا أعمالهم لغيرهم فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم الجد الجد الوحا الوحا فإن وراءكم طالبا حثيثا أجل مره سريع احذروا الموت و اعتبروا بالآباء و الأبناء و الإخوان و لا تغبطوا الأحياء إلا بما يغبط به الأموات . إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما يراد به وجهه فأريدوا وجه الله بأعمالكم و اعلموا

[ 160 ]

أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فلطاعة أتيتموها و حظ ظفرتم به و ضرائب أديتموها و سلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية لحين فقركم و حاجتكم فاعتبروا عباد الله بمن مات منكم و تفكروا فيمن كان قبلكم أين كانوا أمس و أين هم اليوم أين الجبارون أين الذين كان لهم ذكر القتال و الغلبة في مواطن الحرب قد تضعضع بهم الدهر و صاروا رميما قد تركت عليهم القالات الخبيثات و إنما الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات و أين الملوك الذين أثاروا الأرض و عمروها قد بعدوا بسيئ ذكرهم و بقي ذكرهم و صاروا كلا شي‏ء ألا إن الله قد أبقى عليهم التبعات و قطع عنهم الشهوات و مضوا و الأعمال أعمالهم و الدنيا دنيا غيرهم و بقينا خلفا من بعدهم فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا و إن اغتررنا كنا مثلهم أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم صاروا ترابا و صار ما فرطوا فيه حسرة عليهم أين الذين بنوا المدائن و حصنوها بالحوائط و جعلوا فيها العجائب و تركوها لمن خلفهم فتلك مساكنهم خاوية و هم في ظلم القبور هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا أين من تعرفون من آبائكم و إخوانكم قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا عليه و أقاموا للشقوة و للسعادة إلا إن الله لا شريك له ليس بينه و بين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا و لا يصرف عنه به شرا إلا بطاعته و اتباع أمره و اعلموا أنكم عباد مدينون و أن ما عنده لا يدرك إلا بتقواه و عبادته ألا و إنه لا خير بخير بعده النار و لا شر بشر بعد الجنة . فهذه خطبتا أبي بكر يوم السقيفة و اليوم الذي يليه إنما قال إن لي شيطانا يعتريني و أراد بالشيطان الغضب و لم يرد أن له شيطانا من مردة الجن يعتريه إذا

[ 161 ]

غضب فالزيادة فيما ذكره المرتضى في قوله إن لي شيطانا يعتريني عند غضبي تحريف لا محالة و لو كان له شيطان من الجن يعتاده و ينوبه لكان في عداد المصروعين من المجانين و ما ادعى أحد على أبي بكر هذا لا من أوليائه و لا من أعدائه و إنما ذكرنا خطبته على طولها و المراد منها كلمة واحدة لما فيها من الفصاحة و الموعظة على عادتنا في الاعتناء بإيداع هذا الكتاب ما كان ذاهبا هذا المذهب و سالكا هذا السبيل . فأما قول المرتضى فهذه صفة من ليس بمعصوم فالأمر كذلك و العصمة عندنا ليست شرطا في الإمامة و لو لم يدل على عدم اشتراطها إلا أنه قال على المنبر بحضور الصحابة هذا القول و أقروه على الإمامة لكفى في عدم كون العصمة شرطا لأنه قد حصل الإجماع على عدم اشتراط ذلك إذ لو كان شرطا لأنكر منكر إمامته كما لو قال إني لا أصبر عن شرب الخمر و عن الزنا . فأما قوله هذه صفة طائش لا يملك نفسه فلعمري إن أبا بكر كان حديدا و قد ذكره عمر بذلك و ذكره غيره من الصحابة بالحدة و السرعة و لكن لا بحيث أن تبطل به أهليته للإمامة لأن الذي يبطل الإمامة من ذلك و ما يخرج الإنسان عن العقل و أما ما هو دون ذلك فلا و ليس قوله فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم و أبشاركم محمول على ظاهره و إنما أراد به المبالغة في وصف القوة الغضبية عنده و إلا فما سمعنا و لا نقل ناقل من الشيعة و لا من غير الشيعة أن أبا بكر في أيام رسول الله ص و لا في الجاهلية و لا في أيام خلافته احتد على إنسان فقام إليه فضربه بيده و مزق شعره . فأما ما حكاه قاضي القضاة عن الشيخ أبي علي من تشبيه هذه اللفظة بما ورد في القرآن فهو على تقدير أن يكون أبو بكر عنى الشيطان حقيقة و ما اعترض به المرتضى ثانية عليه غير لازم لأن الله تعالى قال فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطانُ و تعقب ذلك قبولهما

[ 162 ]

وسوسته و أكلهما من الشجرة فكيف يقول المرتضى ليس قول أبي بكر بمنزلة من وسوس له الشيطان فلم يطعه و كذلك قوله تعالى في قصة موسى لما قتل القبطي هذا مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ و كذلك قوله فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطانُ عَنْها و قوله أَلْقَى اَلشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ و ما ذهب إليه المرتضى من التأويلات مبني على مذهبه في العصمة الكلية و هو مذهب يحتاج في نصرته إلى تكلف شديد و تعسف عظيم في تأويل الآيات على أنه إذا سلم أن الشيطان ألقى في تلاوة الرسول ص ما ليس من القرآن حتى ظنه السامعون كلاما من كلام الرسول فقد نقض دلالة التنفير المقتضية عنده في العصمة لأنه لا تنفير عنده أبلغ من تمكين الله الشيطان أن يخلط كلامه بكلامه و رسوله يؤديه إلى المكلفين حتى يعتقد السامعون كلهم أن الكلامين كلام واحد . و أما قوله إن آدم كان مندوبا إلى ألا يأكل من الشجرة لا محرم عليه أكلها و لفظة عصى إنما المراد بها خالف المندوب و لفظه غوى إنما المراد خاب من حيث لم يستحق الثواب على اعتماد ما ندب إليه فقول يدفعه ظاهر الآية لأن الصيغة صيغة النهي و هي قوله وَ لا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ و النهي عند المرتضى يقتضي التحريم لا محالة و ليس الأمر الذي قد يراد به الندب و قد يراد به الوجوب . و أما قول شيخنا أبي علي إن كلام أبي بكر خرج مخرج الإشفاق و الحذر من المعصية عند الغضب فجيد . و اعتراض المرتضى عليه بأنه ليس ظاهر اللفظ ذاك غير لازم لأن هذه عادة العرب يعبرون عن الأمر بما هو منه بسبب و سبيل كقولهم لا تدن من الأسد فيأكلك فليس أنهم قطعوا على الأكل عند الدنو و إنما المراد الحذر و الخوف و التوقع للأكل عند الدنو .

[ 163 ]

و أما الكلام في قوله أقيلوني فلو صح الخبر لم يكن فيه مطعن عليه لأنه إنما أراد في اليوم الثاني اختبار حالهم في البيعة التي وقعت في اليوم الأول ليعلم وليه من عدوه منهم و

قد روى جميع أصحاب السير أن أمير المؤمنين خطب في اليوم الثاني من بيعته فقال أيها الناس إنكم بايعتموني على السمع و الطاعة و أنا أعرض اليوم عليكم ما دعوتموني إليه أمس فإن أجبتم قعدت لكم و إلا فلا أجد على أحد و ليس بجيد قول المرتضى إنه لو كان يريد العرض و البذل لكان قد قال كذا و كذا فإن هذه مضايقة منه شديدة للألفاظ و لو شرعنا في مثل هذا لفسد أكثر ما يتكلم به الناس على أنا لو سلمنا أنه استقالهم البيعة حقيقة فلم قال المرتضى إن ذلك لا يجوز أ ليس يجوز للقاضي أن يستقيل من القضاء بعد توليته إياه و دخوله فيه فكذلك يجوز للإمام أن يستقيل من الإمامة إذا أنس من نفسه ضعفا عنها أو أنس من رعيته نبوة عنه أو أحس بفساد ينشأ في الأرض من جهة ولايته على الناس و من يذهب إلى أن الإمامة تكون بالاختيار كيف يمنع من جواز استقالة الإمام و طلبه إلى الأمة أن يختاروا غيره لعذر يعلمه من حال نفسه و إنما يمنع من ذلك المرتضى و أصحابه القائلون بأن الإمامة بالنص و إن الإمام محرم عليه ألا يقوم بالإمامة لأنه مأمور بالقيام بها لتعينه خاصة دون كل أحد من المكلفين و أصحاب الاختيار يقولون إذا لم يكن زيد إماما كان عمرو إماما عوضه لأنهم لا يعتبرون الشروط التي يعتبرها الإمامية من العصمة و أنه أفضل أهل عصره و أكثرهم ثوابا و أعلمهم و أشجعهم و غير ذلك من الشروط التي تقتضي تفرده و توحده بالأمر على أنه إذا جاز عندهم أن يترك الإمام الإمامة في الظاهر كما فعله الحسن و كما فعله غيره من الأئمة بعد الحسين ع للتقية جاز للإمام

[ 164 ]

على مذهب أصحاب الاختيار أن يترك الإمامة ظاهرا و باطنا لعذر يعلمه من حال نفسه أو حال رعيته