الطعن الثاني

قال قاضي القضاة بعد أن ذكر قول عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة و قد تقدم منا القول في ذلك في أول هذا الكتاب و مما طعنوا به على أبي بكر أنه قال عند موته ليتني كنت سألت رسول الله ص عن ثلاثة فذكر في أحدها ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر حق قالوا و ذلك يدل على شكه في صحة بيعته و ربما قالوا قد روي أنه قال في مرضه ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه و ليتني في ظلة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين فكان هو الأمير و كنت الوزير قالوا و ذلك يدل على ما روي من إقدامه على بيت فاطمة ع عند اجتماع علي ع و الزبير و غيرهما فيه و يدل على أنه كان يرى الفضل لغيره لا لنفسه . قال قاضي القضاة و الجواب أن قوله ليتني لا يدل على الشك فيما تمناه و قول إبراهيم ع رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أقوى من ذلك في الشبهة ثم حمل تمنيه على أنه أراد سماع شي‏ء مفصل أو أراد ليتني سألته عند الموت لقرب العهد لأن ما قرب عهده لا ينسى و يكون أردع للأنصار على ما حاولوه ثم قال على أنه ليس في ظاهره أنه تمنى أن

[ 165 ]

يسأل هل لهم حق في الإمامة أم لا لأن الإمامة قد يتعلق بها حقوق سواها ثم دفع الرواية المتعلقة ببيت فاطمة ع و قال فأما تمنيه أن يبايع غيره فلو ثبت لم يكن ذما لأن من اشتد التكليف عليه فهو يتمنى خلافه . اعترض المرتضى رحمه الله هذا الكلام فقال ليس يجوز أن يقول أبو بكر ليتني كنت سألت عن كذا إلا مع الشك و الشبهة لأن مع العلم و اليقين لا يجوز مثل هذا القول هكذا يقتضي الظاهر فأما قول إبراهيم ع فإنما ساغ أن يعدل عن ظاهره لأن الشك لا يجوز على الأنبياء و يجوز على غيرهم على أنه ع قد نفى عن نفسه الشك بقوله بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي و قد قيل إن نمرود قال له إذا كنت تزعم أن لك ربا يحيي الموتى فاسأله أن يحيي لنا ميتا إن كان على ذلك قادرا فإن لم تفعل ذلك قتلتك فأراد بقوله وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي لآمن توعد عدوك لي بالقتل و قد يجوز أن يكون طلب ذلك لقومه و قد سألوه أن يرغب إلى الله تعالى فيه فقال ليطمئن قلبي إلى إجابتك لي و إلى إزاحة علة قومي و لم يرد ليطمئن قلبي إلى أنك تقدر على أن تحيي الموتى لأن قلبه قد كان بذلك مطمئنا و أي شي‏ء يريد أبو بكر من التفضيل أكثر من قوله إن هذا الأمر لا يصلح إلا لهذا الحي من قريش و أي فرق بين ما يقال عند الموت و بين ما يقال قبله إذا كان محفوظا معلوما لم ترفع كلمة و لم تنسخ . و بعد فظاهر الكلام لا يقتضي هذا التخصيص و نحن مع الإطلاق و الظاهر و أي حق يجوز أن يكون للأنصار في الإمامة غير أن يتولاها رجل منهم حتى يجوز أن يكون الحق الذي تمنى أن يسأل عنه غير الإمامة و هل هذا إلا تعسف و تكلف

[ 166 ]

و أي شبهة تبقى بعد قول أبي بكر ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر حق فكنا لا ننازعه أهله و معلوم أن التنازع لم يقع بينهم إلا في الإمامة نفسها لا في حق آخر من حقوقها . فأما قوله إنا قد بينا أنه لم يكن منه في بيت فاطمة ما يوجب أن يتمنى أنه لم يفعله فقد بينا فساد ما ظنه فيما تقدم . فأما قوله إن من اشتد التكليف عليه قد يتمنى خلافه فليس بصحيح لأن ولاية أبي بكر إذا كانت هي التي اقتضاها الدين و النظر للمسلمين في تلك الحال و ما عداها كان مفسدة و مؤديا إلى الفتنة فالتمني لخلافها لا يكون إلا قبيحا . قلت أما قول قاضي القضاة إن هذا التمني لا يقتضي الشك في أن الإمامة لا تكون إلا في قريش كما أن قول إبراهيم وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي لا يقتضي الشك في أنه تعالى قادر على ذلك فجيد . فأما قول المرتضى إنما ساغ أن يعدل عن الظاهر في حق إبراهيم لأنه نبي معصوم لا يجوز عليه الشك فيقال له و كذلك ينبغي أن يعدل عن ظاهر كلام أبي بكر لأنه رجل مسلم عاقل فحسن الظن به يقتضي صيانة أفعاله و أقواله عن التناقض قوله إن إبراهيم قد نفى عن نفسه الشك بقوله بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قلنا إن أبا بكر قد نفى عن نفسه الشك بدفع الأنصار عن الإمامة و إثباتها في قريش خاصة فإن كانت لفظة بلى دافعة لشك إبراهيم الذي يقتضيه قوله وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ففعل أبي بكر و قوله يوم السقيفة

[ 167 ]

يدفع الشك الذي يقتضيه قوله ليتني سألته و لا فرق في دفع الشك بين أن يتقدم الدافع أو يتأخر أو يقارن . ثم يقال للمرتضى أ لست في هذا الكتاب و هو الشافي بينت أن قصة السقيفة لم يجر فيها ذكر نص عن رسول الله ص بأن الأئمة من قريش و أنه لم يكن هناك إلا احتجاج أبي بكر و عمر بأن قريشا أهل النبي ص و عشيرته و أن العرب لا تطيع غير قريش و ذكرت عن الزهري و غيره أن القول الصادر عن أبي بكر إن هذا الأمر لا يصلح إلا لهذا الحي من قريش ليس نصا مرويا عن رسول الله ص و إنما هو قول قاله أبو بكر من تلقاء نفسه و رويت في ذلك الروايات و نقلت من الكتب من تاريخ الطبري و غيره صورة الكلام و الجدال الدائر بينه و بين الأنصار فإذا كان هذا قولك فلم تنكر على أبي بكر قوله ليتني كنت سألت رسول الله ص هل للأنصار في هذا الأمر حق لأنه لم يسمع النص و لا رواه و لا روي له و إنما دفع الأنصار بنوع من الجدل فلا جرم بقي في نفسه شي‏ء من ذلك و قال عند موته ليتني كنت سألت رسول الله ص و ليس ذلك مما يقتضي شكه في بيعته كما زعم الطاعن لأنه إنما يشك في بيعته لو كان قال قائل أو ذهب ذاهب إلى أن الإمامة ليست إلا في الأنصار و لم يقل أحد ذلك بل النزاع كان في هل الإمامة مقصورة على قريش خاصة أم هي فوضى بين الناس كلهم و إذا كانت الحال هذه لم يكن شاكا في إمامته و بيعته بقوله ليتني سألت رسول الله ص هل للأنصار في هذا حق لأن بيعته على كلا التقديرين تكون صحيحة .

[ 168 ]

فأما قول قاضي القضاة لعله أراد حقا للأنصار غير الإمامة نفسها فليس بجيد و الذي اعترضه به المرتضى جيد فإن الكلام لا يدل إلا على الإمامة نفسها و لفظة المنازعة تؤكد ذلك . و أما حديث الهجوم على بيت فاطمة ع فقد تقدم الكلام فيه و الظاهر عندي صحة ما يرويه المرتضى و الشيعة و لكن لا كل ما يزعمونه بل كان بعض ذلك و حق لأبي بكر أن يندم و يتأسف على ذلك و هذا يدل على قوة دينه و خوفه من الله تعالى فهو بأن يكون منقبة له أولى من كونه طعنا عليه . فأما قول قاضي القضاة إن من اشتد التكليف عليه فقد يتمنى خلافه و اعتراض المرتضى عليه فكلام قاضي القضاة أصح و أصوب لأن أبا بكر و إن كانت ولايته مصلحة و ولاية غير مفسدة فإنه ما يتمنى أن يكون الإمام غيره مع استلزام ذلك للمفسدة بل تمنى أن يلي الأمر غيره و تكون المصلحة بحالها أ لا ترى أن خصال الكفارة في اليمين كل واحدة منها مصلحة و ما عداها لا يقوم مقامها في المصلحة و أحدها يقوم مقام الأخرى في المصلحة فأبو بكر تمنى أن يلي الأمر عمر أو أبو عبيدة بشرط أن تكون المصلحة الدينية التي تحصل من بيعته حاصلة من بيعة كل واحد من الآخرين