الطعن الثالث

قالوا إنه ولي عمر الخلافة و لم يوله رسول الله ص شيئا

[ 169 ]

من أعماله البتة إلا ما ولاه يوم خيبر فرجع منهزما و ولاه الصدقة فلما شكاه العباس عزله . أجاب قاضي القضاة بأن تركه ع أن يوليه لا يدل على أنه لا يصلح لذلك و توليته إياه لا يدل على صلاحيته للإمامة فإنه ص قد ولى خالد بن الوليد و عمرو بن العاص و لم يدل ذلك على صلاحيتهما للإمامة و كذلك تركه أن يولي لا يدل على أنه غير صالح بل المعتبر بالصفات التي تصلح للإمامة فإذا كملت صلح لذلك ولي من قبل أو لم يول و قد ثبت أن النبي ص ترك أن يولي أمير المؤمنين ع أمورا كثيرة و لم يجب إلا من يصلح لها و ثبت أن أمير المؤمنين ع لم يول الحسين ع ابنه و لم يمنع ذلك من أن يصلح للإمامة و حكي عن أبي علي أن ذلك إنما كان يصح أن يتعلق به لو ظفروا بتقصير من عمر فيما تولاه فأما و أحواله معروفة في قيامه بالأمر حين يعجز غيره فكيف يصح ما قالوه و بعد فهلا دل ما روي من قوله و إن تولوا عمر تجدوه قويا في أمر الله قويا في بدنه على جواز ذلك و إن ترك النبي ص توليته لأن هذا القول أقوى من الفعل . اعترض المرتضى رحمه الله فقال قد علمنا بالعادة أن من ترشح لكبار الأمور لا بد من أن يدرج إليها بصغارها لأن من يريد بعض الملوك تأهيله للأمر من بعده لا بد من أن ينبه عليه بكل قول و فعل يدل على ترشيحه لهذه المنزلة و يستكفيه من أمور ولاياته ما يعلم عنده أو يغلب على ظنه صلاحه لما يريده له و إن من يرى الملك مع حضوره و امتداد الزمان و تطاوله لا يستكفيه شيئا من الولايات و متى ولاه عزله و إنما يولي غيره و يستكفي سواه لا بد أن يغلب في الظن أنه ليس بأهل للولاية و إن جوزنا أنه لم يوله لأسباب كثيرة سوى أنه لا يصلح للولاية إلا أن مع هذا التجويز لا بد أن

[ 170 ]

يغلب على الظن بما ذكرناه فأما خالد و عمرو فإنما لم يصلحا للإمامة لفقد شروط الإمامة فيهما و إن كانا يصلحان لما ولياه من الإمارة فترك الولاية مع امتداد الزمان و تطاول الأيام و جميع الشروط التي ذكرناها تقتضي غلبه الظن لفقد الصلاح و الولاية لشي‏ء لا تدل على الصلاح لغيره إذا كانت الشرائط في القيام بذلك الغير معلوما فقدها و قد نجد الملك يولي بعض أموره من لا يصلح للملك بعده لظهور فقد الشرائط فيه و لا يجوز أن يكون بحضرته من يرشحه للملك بعده ثم لا يوليه على تطاول الزمان شيئا من الولايات فبان الفرق بين الولاية و تركها فيما ذكرناه . فأما أمير المؤمنين ع و إن يتول جميع أمور النبي ص في حياته فقد تولى أكثرها و أعظمها و خلفه في المدينة و كان الأمير على الجيش المبعوث إلى خيبر و جرى الفتح على يديه بعد انهزام من انهزم منها و كان المؤدي عنه سورة براءة بعد عزل من عزل عنها و ارتجاعها منه إلى غير ذلك من عظيم الولايات و المقامات بما يطول شرحه و لو لم يكن إلا أنه لم يول عليه واليا قط لكفى . فأما اعتراضه بأن أمير المؤمنين ع لم يول الحسين فبعيد عن الصواب لأن أيام أمير المؤمنين ع لم تطل فيتمكن فيها من مراداته و كانت على قصرها منقسمة بين قتال الأعداء لأنه ع لما بويع لم يلبث أن خرج عليه أهل البصرة فاحتاج إلى قتالهم ثم انكفأ من قتالهم إلى قتال أهل الشام و تعقب ذلك قتال أهل النهروان و لم تستقر به الدار و لا امتد به الزمان و هذا بخلاف أيام النبي ص التي تطاولت و امتدت على أنه قد نص عليه بالإمامة بعد أخيه الحسن و إنما تطلب الولايات لغلبة الظن بالصلاح للإمامة . فإن كان هناك وجه يقتضي العلم بالصلاح لها كان أولى من طريق الظن على أنه

[ 171 ]

لا خلاف بين المسلمين أن الحسين ع كان يصلح للإمامة و إن لم يوله أبوه الولايات و في مثل ذلك خلاف من حال عمر فافترق الأمران فأما قوله إنه لم يعثر على عمر بتقصير في الولاية فمن سلم بذلك أ و ليس يعلم أن مخالفته تعد تقصيرا كثيرا و لو لم يكن إلا ما اتفق عليه من خطئه في الأحكام و رجوعه من قول إلى غيره و استفتائه الناس في الصغير و الكبير و قوله كل الناس أفقه من عمر لكان فيه كفاية و ليس كل النهوض بالإمامة يرجع إلى حسن التدبير و السياسة الدنياوية و رم الأعمال و الاستظهار في جباية الأموال و تمصير الأمصار و وضع الأعشار بل حظ الإمامة من العلم بالأحكام و الفتيا بالحلال و الحرام و الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه أقوى فمن قصر في هذا لم ينفعه أن يكون كاملا في ذلك . فأما قوله فهلا دل ما روي من

قوله ع فإن وليتم عمر وجدتموه قويا في أمر الله قويا في بدنه فهذا لو ثبت لدل و قد تقدم القول عليه و أقوى ما يبطله عدول أبي بكر عن ذكره و الاحتجاج به لما أراد النص على عمر فعوتب على ذلك و قيل له ما تقول لربك إذ وليت علينا فظا غليظا فلو كان صحيحا لكان يحتج به و يقول وليت عليكم من شهد النبي ص بأنه قوي في أمر الله قوي في بدنه و قد قيل في الطعن على صحة هذا الخبر إن ظاهره يقتضي تفضيل عمر على أبي بكر و الإجماع بخلاف ذلك لأن القوة في الجسم فضل قال الله تعالى إِنَّ اَللَّهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ وَ اَلْجِسْمِ و بعد فكيف يعارض ما اعتمدناه من عدوله ع عن ولايته و هو أمر معلوم بهذا الخبر المردود المدفوع . قلت أما ما ادعاه من عادة الملوك فالأمر بخلافه فإنا قد وقفنا على سير الأكاسرة و ملوك الروم و غيرهم فما سمعنا أن أحدا منهم رشح ولده

[ 172 ]

للملك بعده باستعماله على طرف من الأطراف و لا جيش من الجيوش و إنما كانوا يثقفونهم بالآداب و الفروسية في مقار ملكهم لا غير و الحال في ملوك الإسلام كذلك فقد سمعنا بالدولة الأموية و رأينا الدولة العباسية فلم نعرف الدولة التي ادعاها المرتضى و إنما قد يقع في الأقل النادر شي‏ء مما أشار إليه و الأغلب الأكثر خلاف ذلك على أن أصحابنا لا يقولون إن عمر كان مرشحا للخلافة بعد رسول الله ص ليقال لهم فلو كان قد رشحه للخلافة بعده لاستكفاه كثيرا من أموره و إنما عمر مرشح عندهم في أيام أبي بكر للخلافة بعد أبي بكر و قد كان أبو بكر استعمله على القضاء مدة خلافته بل كان هو الخليفة في المعنى لأنه فوض إليه أكثر التدبير فعلى هذا يكون قد سلمنا أن ترك استعمال النبي ص لعمر يدل على أنه غير مرشح في نظره للخلافة بعده و كذلك نقول و لا يلزم من ذلك ألا يكون خليفة بعد أبي بكر على أنا لا نسلم أنه ما استعمله فقد ذكر الواقدي و ابن إسحاق أنه بعثه في سرية في سنة سبع من الهجرة إلى الوادي المعروف ببرمة بضم الباء و فتح الراء و بها جمع من هوازن فخرج و معه دليل من بني هلال و كانوا يسيرون الليل و يكمنون النهار و أتى الخبر هوازن فهربوا و جاء عمر محالهم فلم يلق منهم أحدا فانصرف إلى المدينة . ثم يعارض المرتضى بما ذكره قاضي القضاة من ترك تولية علي ابنه الحسين ع و قوله في العذر عن ذلك إن عليا ع كان ممنوا بحرب البغاة و الخوارج لا يدفع المعارضة لأن تلك الأيام التي هي أيام حروبه مع هؤلاء هي الأيام التي كان ينبغي أن يولي الحسين ع بعض الأمور فيها كاستعماله على جيش ينفذه سرية إلى بعض الجهات و استعماله على الكوفة بعد خروجه منها إلى حرب صفين أو استعماله على القضاء

[ 173 ]

و ليس اشتغاله بالحرب بمانع له عن ولاية ولده و قد كان مشتغلا بالحرب و هو يولي بني عمه العباس الولايات و البلاد الجليلة فأما قوله على أنه قد نص عليه بالإمامة بعد أخيه الحسن فهذا يغني عن توليته شيئا من الأعمال فلقائل أن يمنع ما ذكره من حديث النص فإنه أمر تنفرد به الشيعة و أكثر أرباب السير و التواريخ لا يذكرون أن أمير المؤمنين ع نص على أحد ثم إن ساغ له ذلك ساغ لقاضي القضاة أن يقول إن

قول النبي ص اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر و عمر يغني عن تولية عمر شيئا من الولايات لأن هذا القول آكد من الولاية في ترشحه للخلافة . فأما قوله على أنه لا خلاف بين المسلمين في صلاحية الحسين للخلافة و إن لم يوله أبوه الولايات و في عمر خلاف ظاهر بين المسلمين فلقائل أن يقول له إجماع المسلمين على صلاحية الحسين للخلافة لا يدفع المعارضة بل يؤكدها لأنه إذا كان المسلمون قد أجمعوا على صلاحيته للخلافة و لم يكن ترك تولية أبيه إياه الولايات قادحا في صلاحيته لها بعده جاز أيضا أن يكون ترك تولية رسول الله ص عمر الولايات في حياته غير قادح في صلاحيته للخلافة بعده . ثم ما ذكره من تقصير عمر في الخلافة بطريق اختلاف أحكامه و رجوعه إلى فتاوى العلماء فقد ذكرنا ذلك فيما تقدم لما تكلمنا في مطاعن الشيعة على عمر و أجبنا عنه . و أما قوله لا يغني حسن التدبير و السياسة و رم الأمور مر القصور في الفقه فأصحابنا يذهبون إلى أنه إذا تساوى اثنان في خصال الإمامة إلا أنه كان أحدهما أعلم و الآخر

[ 174 ]

أسوس فإن الأسوس أولى بالإمامة لأن حاجة الإمامة إلى السياسة و حسن التدبير آكد من حاجتها إلى العلم و الفقه . و أما الخبر المروي في عمر و هو قوله و إن تولوها عمر فيجوز ألا يكون أبو بكر سمعه من رسول الله ص و يكون الراوي له غيره و يجوز أن يكون سمعه و شذ عنه أن يحتج به على طلحة لما أنكر استخلاف عمر و يجوز ألا يكون شذ عنه و ترك الاحتجاج به استغناء عنه لعلمه أن طلحة لا يعتد بقوله عند الناس إذا عارض قوله و لعله كنى عن هذا النص بقوله إذا سألني ربي قلت له استخلفت عليهم خير أهلك على أنا متى فتحنا باب هلا احتج فلان بكذا جر علينا ما لا قبل لنا به و قيل هلا احتج علي ع على طلحة و عائشة و الزبير

بقول رسول الله ص من كنت مولاه فهذا علي مولاه و هلا احتج عليهم

بقوله أنت مني بمنزله هارون من موسى و لا يمكن الشيعة أن يعتذروا هاهنا بالتقية لأن السيوف كانت قد سلت من الفريقين و لم يكن مقام تقية . و أما قوله هذا الخبر لو صح لاقتضى أن يكون عمر أفضل من أبي بكر و هو خلاف إجماع المسلمين فلقائل أن يقول لم قلت إن المسلمين أجمعوا على أن أبا بكر أفضل من عمر مع أن كتب الكلام و التصانيف المصنفة في المقالات مشحونة بذكر الفرقة العمرية و هم القائلون إن عمر أفضل من أبي بكر و هي طائفة عظيمة من المسلمين يقال إن عبد الله بن مسعود منهم و قد رأيت أن جماعة من الفقهاء يذهبون إلى هذا و يناظرون عليه على أنه لا يدل الخبر على ما ذكره المرتضى لأنه و إن كان عمر أفضل منه باعتبار قوة البدن فلا يدل على أنه أفضل منه مطلقا فمن الجائز أن يكون بإزاء هذه الخصلة خصال كثيرة في أبي بكر من خصال الخير يفضل بها على عمر

[ 175 ]

أ لا ترى أنا نقول أبو دجانة أفضل من أبي بكر بجهاده بالسيف في مقام الحرب و لا يلزم من ذلك أن يكون أفضل منه مطلقا لأن في أبي بكر من خصال الفضل ما إذا قيس بهذه الخصلة أربى عليها أضعافا مضاعفة