الطعن الرابع

قالوا إن أبا بكر كان في جيش أسامة و إن رسول الله ص كرر حين موته الأمر بتنفيذ جيش أسامة فتأخره يقتضي مخالفة الرسول ص فإن قلتم إنه لم يكن في الجيش قيل لكم لا شك أن عمر بن الخطاب كان في الجيش و أنه حبسه و منعه من النفوذ مع القوم و هذا كالأول في أنه معصية و ربما قالوا إنه ص جعل هؤلاء القوم في جيش أسامة ليبعدوا بعد وفاته عن المدينة فلا يقع منهم توثب على الإمامة و لذلك لم يجعل أمير المؤمنين ع في ذلك الجيش و جعل فيه أبا بكر و عمر و عثمان و غيرهم و ذلك من أوكد الدلالة على أنه لم يرد أن يختاروا للإمامة . أجاب قاضي القضاة بأن أنكر أولا أن يكون أبو بكر في جيش أسامة و أحال على كتب المغازي ثم سلم ذلك و قال إن الأمر لا يقتضي الفور فلا يلزم من تأخر أبي بكر عن النفوذ أن يكون عاصيا ثم قال إن خطابه ص بتنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجها إلى القائم بعده لأنه من خطاب الأئمة و هذا يقتضي ألا يدخل المخاطب بالتنفيذ في الجملة ثم قال و هذا يدل على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه لأنه لو كان لأقبل بالخطاب عليه و خصه بالأمر بالتنفيذ دون الجميع

[ 176 ]

ثم ذكر أن أمر رسول الله ص لا بد أن يكون مشروطا بالمصلحة و بأن لا يعرض ما هو أهم منه لأنه لا يجوز أن يأمرهم بالنفوذ و إن أعقب ضررا في الدين ثم قوى ذلك بأنه لم ينكر على أسامة تأخره و قوله لم أكن لأسأل عنك الركب ثم قال لو كان الإمام منصوصا عليه لجاز أن يسترد جيش أسامة أو بعضه لنصرته و كذلك إذا كان بالاختيار ثم حكى عن الشيخ أبي علي استدلاله على أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة بأنه ولاه الصلاة في مرضه مع تكريره أمر الجيش بالنفوذ و الخروج . ثم ذكر أن الرسول ص إنما يأمر بما يتعلق بمصالح الدنيا من الحروب و نحوها عن اجتهاده و ليس بواجب أن يكون ذلك عن وحي كما يجب في الأحكام الشرعية و أن اجتهاده يجوز أن يخالف بعد وفاته و إن لم يجز في حياته لأن اجتهاده في الحياة أولى من اجتهاد غيره ثم ذكر أن العلة في احتباس عمر عن الجيش حاجة أبي بكر إليه و قيامه بما لا يقوم به غيره و أن ذلك أحوط للدين من نفوذه . ثم ذكر أن أمير المؤمنين ع حارب معاوية بأمر الله تعالى و أمر رسوله و مع هذا فقد ترك محاربته في بعض الأوقات و لم يجب بذلك ألا يكون متمثلا للأمر و ذكر توليته ع أبا موسى و تولية الرسول ص خالد بن الوليد مع ما جرى منهما و أن ذلك يقتضي الشرط . ثم ذكر أن من يصلح للإمامة ممن ضمه جيش أسامة يجب تأخيره ليختار للإمامة أحدهم فإن ذلك أهم من نفوذهم فإذا جاز لهذه العلة التأخير قبل العقد جاز التأخير بعده للمعاضدة و غيرها و طعن في قول من جعل أن إخراجهم في الجيش على جهة الإبعاد لهم عن المدينة بأن قال إن بعدهم عن المدينة لا يمنع من أن يختاروا للإمامة

[ 177 ]

و لأنه ع لم يكن قاطعا على موته لا محالة لأنه لم يرد

نفذوا جيش أسامة في حياتي ثم ذكر أن ولاية أسامة عليهما لا تقتضي فضله و أنهما دونه و ذكر ولاية عمرو بن العاص عليهما و إن لم يكونا دونه في الفضل و أن أحدا لم يفضل أسامة عليهما ثم ذكر أن السبب في كون عمر من جملة جيش أسامة أن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي قال عند ولاية أسامة تولى علينا شاب حدث و نحن مشيخة قريش فقال عمر يا رسول الله مرني حتى أضرب عنقه فقد طعن في تأميرك إياه ثم قال أنا أخرج في جيش أسامة تواضعا و تعظيما لأمره ع . اعترض المرتضى هذه الأجوبة فقال أما كون أبي بكر في جملة جيش أسامة فظاهر قد ذكره أصحاب السير و التواريخ و قد روى البلاذري في تاريخه و هو معروف بالثقة و الضبط و بري‏ء من ممالاة الشيعة و مقاربتها أن أبا بكر و عمر معا كانا في جيش أسامة و الإنكار لما يجري هذا المجرى لا يغني شيئا و قد كان يجب على من أحال بذلك على كتب المغازي في الجملة أن يومئ إلى الكتاب المتضمن لذلك بعينه ليرجع إليه فأما خطابه ع بالتنفيذ للجيش فالمقصود به الفور دون التراخي إما من حيث مقتضى الأمر على مذهب من يرى ذلك لغة و إما شرعا من حيث وجدنا جميع الأمة من لدن الصحابة إلى هذا الوقت يحملون أوامره على الفور و يطلبون في تراخيها الأدلة ثم لو لم يثبت كل ذلك لكان قول أسامة لم أكن لأسأل عنك الركب أوضح دليل على أنه عقل من الأمر الفور لأن سؤال الركب عنه ع بعد وفاته لا معنى له .

[ 178 ]

و أما قول صاحب الكتاب إنه لم ينكر على أسامة تأخره فليس بشي‏ء و أي إنكار أبلغ من تكراره الأمر و ترداده القول في حال يشغل عن المهم و يقطع الفكر إلا فيها و قد كرر الأمر على المأمور تارة بتكرار الأمر و أخرى بغيره و إذا سلمنا أن أمره ع كان متوجها إلى القائم بعده بالأمر لتنفيذ الجيش بعد الوفاة لم يلزم ما ذكره من خروج المخاطب بالتنفيذ عن الجملة و كيف يصح ذلك و هو من جملة الجيش و الأمر متضمن تنفيذ الجيش فلا بد من نفوذ كل من كان في جملته لأن تأخر بعضهم يسلب النافذين اسم الجيش على الإطلاق أ و ليس من مذهب صاحب الكتاب أن الأمر بالشي‏ء أمر بما لا يتم إلا معه و قد اعتمد على هذا في مواضع كثيرة فإن كان خروج الجيش و نفوذه لا يتم إلا بخروج أبي بكر فالأمر بخروج الجيش أمر لأبي بكر بالنفوذ و الخروج و كذلك لو أقبل عليه على سبيل التخصيص و

قال نفذوا جيش أسامة و كان هو من جملة الجيش فلا بد أن يكون ذلك أمرا له بالخروج و استدلاله على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه بعموم الأمر بالتنفيذ ليس بصحيح لأنا قد بينا أن الخطاب إنما توجه إلى الحاضرين و لم يتوجه إلى الإمام بعده على أن هذا لازم له لأن الإمام بعده لا يكون إلا واحدا فلم عمم الخطاب و لم يفرد به الواحد فيقول لينفذ القائم من بعدي بالأمر جيش أسامة فإن الحال لا يختلف في كون الإمام بعده واحدا بين أن يكون منصوصا عليه أو مختارا . و أما ما ادعاه أن الشرط في أمره ع لهم بالنفوذ فباطل لأن إطلاق الأمر يمنع من إثبات الشرط و إنما يثبت من الشروط ما يقتضي الدليل إثباته من التمكن و القدرة لأن ذلك شرط ثابت في كل أمر ورد من حكيم و المصلحة بخلاف ذلك لأن الحكيم لا يأمر بشرط المصلحة بل إطلاق الأمر منه يقتضي ثبوت المصلحة و انتفاء المفسدة و ليس كذلك التمكن و ما يجري مجراه و لهذا لا يشترط

[ 179 ]

أحد في أوامر الله تعالى و رسوله ص بالشرائع المصلحة و انتفاء المفسدة و شرطوا في ذلك التمكن و رفع التعذر و لو كان الإمام منصوصا عليه بعينه و اسمه لما جاز أن يسترد جيش أسامة بخلاف ما ظنه و لا يعزل من ولاه ع و لا يولي من عزله للعلة التي ذكرناها . فأما استدلال أبي علي على أن أبا بكر لم يكن في الجيش بحديث الصلاة فأول ما فيه أنه اعتراف بأن الأمر بتنفيذ الجيش كان في الحياة دون بعد الوفاة و هذا ناقض لما بنى صاحب الكتاب عليه أمره ع . ثم إنا قد بينا أنه ع لم يوله الصلاة و ذكرنا ما في ذلك ثم ما المانع من أن يوليه تلك الصلاة إن كان ولاه إياها ثم يأمره بالنفوذ من بعد مع الجيش فإن الأمر بالصلاة في تلك الحال لا يقتضي أمره بها على التأبيد . و أما ادعاؤه أن النبي ص يأمر بالحروب و ما يتصل بها عن اجتهاد دون الوحي فمعاذ الله أن يكون صحيحا لأن حروبه ع لم تكن مما يختص بمصالح أمور الدنيا بل للدين فيها أقوى تعلق لما يعود على الإسلام و أهله بفتوحه من العز و القوة و علو الكلمة و ليس يجري ذلك مجرى أكله و شربه و نومه لأن ذلك لا تعلق له بالدين فيجوز أن يكون عن رأيه و لو جاز أن تكون مغازيه و بعوثه مع التعلق القوي لها بالدين عن اجتهاد لجاز ذلك في الأحكام . ثم لو كان ذلك عن اجتهاد لما ساغت مخالفته فيه بعد وفاته كما لا تسوغ في حياته فكل علة تمنع من أحد الأمرين هي مانعة من الآخر فأما الاعتذار له عن حبس عمر عن الجيش بما ذكره فباطل لأنا قد قلنا إن ما يأمر به ع لا يسوغ مخالفته مع الإمكان و لا مراعاة لما عساه يعرض فيه من رأي غيره و أي حاجة إلى عمر بعد تمام العقد و استقراره و رضا الأمة به على طريق المخالف و إجماعها عليه و لم يكن

[ 180 ]

هناك فتنة و لا تنازع و لا اختلاف يحتاج فيه إلى مشاورته و تدبيره و كل هذا تعلل باطل . فأما محاربة أمير المؤمنين ع معاوية فإنما كان مأمورا بها مع التمكن و وجود الأنصار و قد فعل ع من ذلك ما وجب عليه لما تمكن منه فأما مع التعذر و فقد الأنصار فما كان مأمورا بها و ليس كذلك القول في جيش أسامة لأن تأخر من تأخر عنه كان مع القدرة و التمكن فأما تولية أبي موسى فلا ندري كيف يشبه ما نحن فيه لأنه إنما ولاه بأن يرجع إلى كتاب الله تعالى فيحكم فيه و في خصمه بما يقتضيه و أبو موسى فعل خلاف ما جعل إليه فلم يكن ممتثلا لأمر من ولاه و كذلك خالد بن الوليد إنما خالف ما أمره به الرسول ص فتبرأ من فعله و كل هذا لا يشبه أمره ع بتنفيذ جيش أسامة أمرا مطلقا و تأكيده ذلك و تكراره له فأما جيش أسامة فإنه لم يضم من يصلح للإمامة فيجوز تأخرهم ليختار أحدهم على ما ظنه صاحب الكتاب على أن ذلك لو صح أيضا لم يكن عذرا في التأخر لأن من خرج في الجيش يمكن أن يختار و إن كان بعيدا و لا يمنع بعده من صحة الاختيار و قد صرح صاحب الكتاب بذلك ثم لو صح هذا العذر لكان عذرا في التأخر قبل العقد فأما بعد إبرامه فلا عذر فيه و المعاضدة التي ادعاها قد بينا ما فيها . فأما ادعاء صاحب الكتاب رادا على من جعل إخراج القوم في الجيش ليتم أمر النص أن من أبعدهم لا يمنع أن يختاروا للإمامة فيدل على أنه لم يتبين معنى هذا الطعن على حقيقته لأن الطاعن به لا يقول إنه أبعدهم لئلا يختاروا للإمامة و إنما يقول إنه أبعدهم حتى ينتصب بعده في الأرض من نص عليه و لا يكون هناك من ينازعه و يخالفه

[ 181 ]

و أما قوله لم يكن قاطعا علي موته فلا يضر تسليمه أ ليس كان مشفقا و خائفا و على الخائف أن يتحرز ممن يخاف منه فأما قوله فإنه لم يرد نفذوا الجيش في حياتي فقد بينا ما فيه فأما ولاية أسامة على من ولي عليه فلا بد من اقتضائها لفضله على الجماعة فيما كان واليا فيه و قد دللنا فيما تقدم من الكتاب على أن ولاية المفضول على الفاضل فيما كان أفضل منه فيه قبيحة فكذلك القول في ولاية عمرو بن العاص عليها فيما تقدم و القول في الأمرين واحد . و قوله إن أحدا لم يدع فضل أسامة على أبي بكر و عمر فليس الأمر علي ما ظنه لأن من ذهب إلى فساد إمامة المفضول لا بد من أن يفضل أسامة عليهما فيما كان واليا فيه فأما ادعاؤه ما ذكره من السبب في دخول عمر في الجيش فما نعرفه و لا وقفنا عليه إلا من كتابه ثم لو صح لم يغن شيئا لأن عمر لو كان أفضل من أسامة لمنعه الرسول ص من الدخول في إمارته و المسير تحت لوائه و التواضع لا يقتضي فعل القبيح . قلت إن الكلام في هذا الفصل قد تشعب شعبا كثيرة و المرتضى رحمه الله لا يورد كلام قاضي القضاة بنصه و إنما يختصره و يورده مبتورا و يومئ إلى المعاني إيماء لطيفا و غرضه الإيجاز و لو أورد كلام قاضي القضاة بنصه لكان أليق و كان أبعد عن الظنة و أدفع لقول قائل من خصومه إنه يحرف كلام قاضي القضاة و يذكر على غير وجه أ لا ترى أن من نصب نفسه لاختصار كلام فقد ضمن على نفسه أنه قد فهم معاني ذلك الكلام حتى يصح منه اختصاره و من الجائز أن يظن أنه قد فهم

[ 182 ]

بعض المواضع و لم يكن قد فهمه على الحقيقة فيختصر ما في نفسه لا ما في تصنيف ذلك الشخص و أما من يورد كلام الناس بنصه فقد استراح من هذه التبعة و عرض عقل غيره و عقل نفسه على الناظرين و السامعين . ثم نقول إن هذا الفصل ينقسم أقساما منها قول قاضي القضاة لا نسلم أن أبا بكر كان في جيش أسامة . و أما قول المرتضى إنه قد ذكره أرباب السير و التواريخ و قوله إن البلاذري ذكره في تاريخه و قوله هلا عين قاضي القضاة الكتاب الذي ذكر أنه يتضمن عدم كون أبي بكر في ذلك الجيش فإن الأمر عندي في هذا الموضع مشتبه و التواريخ مختلفة في هذه القضية فمنهم من يقول إن أبا بكر كان في جملة الجيش و منهم من يقول إنه لم يكن و ما أشار إليه قاضي القضاة بقوله في كتب المغازي لا ينتهي إلى أمر صحيح و لم يكن ممن يستحل القول بالباطل في دينه و لا في رئاسته ذكر الواقدي في كتاب المغازي أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة و إنما كان عمر و أبو عبيدة و سعد بن أبي وقاص و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل و قتادة بن النعمان و سلمة بن أسلم و رجال كثير من المهاجرين و الأنصار قال و كان المنكر لإمارة أسامة عياش بن أبي ربيعة و غير الواقدي يقول عبد الله بن عياش و قد قيل عبد الله بن أبي ربيعة أخو عياش . و قال الواقدي و جاء عمر بن الخطاب فودع رسول الله ص ليسير مع أسامة و قال و جاء أبو بكر فقال يا رسول الله أصبحت مفيقا بحمد الله و اليوم يوم ابنة خارجة فأذن لي فأذن له فذهب إلى منزله بالسنح و سار أسامة في العسكر و هذا تصريح بأن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة .

[ 183 ]

و ذكر موسى بن عقبة في كتاب المغازي أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة و كثير من المحدثين يقولون بل كان في جيشه . فأما أبو جعفر محمد بن جرير الطبري فلم يذكر أنه كان في جيش أسامة إلا عمر و قال أبو جعفر حدثني السدي بإسناد ذكره أن رسول الله ص ضرب قبل وفاته بعثا على أهل المدينة و من حولهم و فيهم عمر بن الخطاب و أمر عليهم أسامة بن زيد فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله ص فوقف أسامة بالناس ثم قال لعمر ارجع إلى خليفة رسول الله ص فاستأذنه يأذن لي أرجع بالناس فإن معي وجوه الصحابة و لا آمن على خليفة رسول الله ص و ثقل رسول الله ص و أثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون حول المدينة و قالت الأنصار لعمر سرا فإن أبى إلا أن يمضي فأبلغه عنا و اطلب إليه أن يولي أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة فخرج عمر بأمر أسامة فأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة فقال أبو بكر لو تخطفتني الكلاب و الذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله ص قال فإن الأنصار أمروني أن أبلغك أنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة فوثب أبو بكر و كان جالسا فأخذ بلحية عمر و قال ثكلتك أمك يا ابن الخطاب أ يستعمله رسول الله ص و تأمرني أن أنزعه فخرج عمر إلى الناس فقالوا له ما صنعت فقال امضوا ثكلتكم أمهاتكم ما لقيت في سبيلكم اليوم من خليفة رسول الله ص ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم فأشخصهم و شيعهم و هو ماش و أسامة راكب و عبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر فقال له أسامة بن زيد يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن فقال و الله لا تنزل و لا أركب و ما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة

[ 184 ]

فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له و سبعمائة درجة ترفع له و سبعمائة خطيئة تمحى عنه حتى إذا انتهى قال لأسامة إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل فأذن له ثم

قال أيها الناس قفوا حتى أوصيكم بعشر فاحفظوها عني لا تخونوا و لا تغدروا و لا تغلوا و لا تمثلوا و لا تقتلوا طفلا صغيرا و لا شيخا كبيرا و لا امرأة و لا تعقروا نخلا و لا تحرقوه و لا تقطعوا شجرة مثمرة و لا تذبحوا شاة و لا بعيرا و لا بقرة إلا لمأكلة و سوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم للعبادة في الصوامع فدعوهم فيما فرغوا أنفسهم له و سوف تقدمون على أقوام يأتونكم بصحاف فيها ألوان الطعام فلا تأكلوا من شي‏ء حتى تذكروا اسم الله عليه و سوف تلقون أقواما قد حصوا أوساط رءوسهم و تركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيوف خفقا أفناهم الله بالطعن و الطاعون سيروا على اسم الله . و أما قول الشيخ أبي علي فإنه يدل على أنه لم يكن في جيش أسامة أمره إياه بالصلاة و قول المرتضى هذا اعتراف بأن الأمر بتنفيذ الجيش كان في الحال دون ما بعد الوفاة و هذا ينقض ما بنى عليه قاضي القضاة أمره فلقائل أن يقول إنه لا ينقض ما بناه لأن قاضي القضاة ما قال إن الأمر بتنفيذ الجيش ما كان إلا بعد الوفاة بل قال إنه أمر و الأمر على التراخي فلو نفذ الجيش في الحال لجاز و لو تأخر إلى بعد الوفاة لجاز . فأما إنكار المرتضى أن تكون صلاة أبي بكر بالناس كانت عن أمر رسول الله ص فقد ذكرنا ما عندنا في هذا فيما تقدم . و أما قوله يجوز أن يكون أمر بصلاة واحدة أو صلاتين ثم أمره بالنفوذ بعد

[ 185 ]

ذلك فهذا لعمري جائز و قد يمكن أن يقال إنه لما خرج متحاملا من شدة المرض فتأخر أبو بكر عن مقامه و صلى رسول الله ص بالناس أمره بالنفوذ مع الجيش و أسكت رسول الله ص في أثناء ذلك اليوم و استمر أبو بكر على الصلاة بالناس إلى أن توفي ع فقد جاء في الحديث أنه أسكت و أن أسامة دخل عليه فلم يستطع كلامه لكنه كان يرفع يديه و يضعهما عليه كالداعي له و يمكن أن يكون زمان هذه السكتة قد امتد يوما أو يومين و هذا الموضع من المواضع المشتبهة عندي و منها قول قاضي القضاة إن الأمر على التراخي فلا يلزم من تأخر أبي بكر عن النفوذ أن يكون عاصيا . فأما قول المرتضى الأمر على الفور إما لغة عند من قال به أو شرعا لإجماع الكل على أن الأوامر الشرعية على الفور إلا ما خرج بالدليل فالظاهر في هذا الموضع صحة ما قاله المرتضى لأن قرائن الأحوال عند من يقرأ السير و يعرف التواريخ تدل على أن الرسول ص كان يحثهم على الخروج و المسير و هذا هو الفور . و أما قول المرتضى و قول أسامة لم أكن لأسأل عنك الركب فهو أوضح دليل على أنه عقل من الأمر الفور لأن سؤال الركب عنه بعد الوفاة لا معنى له فلقائل أن يقول إن ذلك لا يدل على الفور بل يدل على أنه مأمور في الجملة بالنفوذ و المسير فإن التعجيل و التأخير مفوضان إلى رأيه فلما قال له النبي ص لم تأخرت عن المسير قال لم أكن لأسير و أسأل عنك الركب إني انتظرت عافيتك فإني إذا سرت و أنت على هذه الحال لم يكن لي قلب للجهاد بل أكون قلقا شديد الجزع أسأل

[ 186 ]

عنك الركبان و هذا الكلام لا يدل على أنه عقل من الأمر الفور لا محالة بل هو على أن يدل على التراخي أظهر و قول النبي ص لم تأخرت عن المسير لا يدل على الفور لأنه قد يقال مثل ذلك لمن يؤمر بالشي‏ء على جهة التراخي إذا لم يكن سؤال إنكار . و قول المرتضى لأن سؤال الركب عنه بعد الوفاة لا معنى له قول من قد توهم على قاضي القضاة أنه يقول إن النبي ص ما أمرهم بالنفوذ إلا بعد وفاته و لم يقل قاضي القضاة ذلك و إنما ادعى أن الأمر على التراخي لا غير و كيف يظن بقاضي القضاة أنه حمل كلام أسامة على سؤال الركب بعد الموت و هل كان أسامة يعلم الغيب فيقول ذاك و هل سأل أحد عن حال أحد من المرضى بعد موته . فأما قول المرتضى عقيب هذا الكلام لا معنى لقول قاضي القضاة إنه لم ينكر على أسامة تأخره فإن الإنكار قد وقع بتكرار الأمر حالا بعد حال فلقائل أن يقول إن قاضي القضاة لم يجعل عدم الإنكار على أسامة حجة على كون الأمر على التراخي و إنما جعل ذلك دليلا على أن الأمر كان مشروطا بالمصلحة و من تأمل كلام قاضي القضاة الذي حكاه عنه المرتضى تحقق ذلك فلا يجوز للمرتضى أن ينتزعه من الوضع الذي أورده فيه فيجعله في موضع آخر . و منها قول قاضي القضاة الأمر بتنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجها إلى الخليفة بعده و المخاطب لا يدخل تحت الخطاب و اعتراض المرتضى عليه بأن لفظة الجيش يدخل تحتها أبو بكر فلا بد من وجوب النفوذ عليه لأن عدم نفوذه يسلب الجماعة اسم الجيش فليس بجيد لأن لفظة الجيش لفظة موضوعة لجماعة من الناس قد أعدت للحرب فإذا خرج منها واحد أو اثنان لم يزل مسمى الجيش عن الباقين و المرتضى

[ 187 ]

اعتقد أن ذلك مثل الماهيات المركبة نحو العشرة إذا عدم منها واحد زال مسمى العشرة و ليس الأمر كذلك يبين ذلك أنه لو قال بعض الملوك لمائة إنسان أنتم جيشي ثم قال لواحد منهم إذا مت فأعط كل واحد من جيشي درهما من خزانتي فقد جعلتك أميرا عليهم لم يكن له أن يأخذ لنفسه درهما و يقول أنا من جملة الجماعة الذين أطلق عليهم لفظة الجيش . و منها قول قاضي القضاة هذه القضية تدل على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه و أما قول المرتضى فقد بينا أن الخطاب إنما توجه إلى الحاضرين لا إلى القائم بالأمر بعده فلم نجد في كلامه في هذا الفصل بطوله ما بين فيه ذلك و لا أعلم على ما ذا أحال و لو كان قد بين على ما زعم أن الخطاب متوجه إلى الحاضرين لكان الإشكال قائما لأنه يقال له إذا كان الإمام المنصوص عليه حاضرا عنده فلم وجه الخطاب إلى الحاضرين أ لا ترى أنه لا يجوز أن يقول الملك للرعية اقضوا بين هذين الشخصين و القاضي حاضر عنده إلا إذا كان قد عزله عن القضاء في تلك الواقعة عن الرعية . فأما قول المرتضى هذا ينقلب عليكم فليس ينقلب و إنما ينقلب لو كان يريد تنفيذ الجيش بعد موته فقط و لا يريده و هو حي فكان يجي‏ء ما قاله المرتضى لينفذ القائم بالأمر بعدي جيش أسامة فأما إذا كان يريد نفوذ الجيش من حين ما أمر بنفوذه فقد سقط القلب لأن الخليفة حينئذ لم يكن قد تعين لأن الاختيار ما وقع بعد و على مذهب المرتضى الإمام متعين حاضر عنده نصب عينه فافترق الوصفان . و منها قول قاضي القضاة إن مخالفة أمره ص في النفوذ مع الجيش أو في إنفاذ الجيش لا يكون معصية و بين ذلك من وجوه

[ 188 ]

أحدها أن أمره ع بذلك لا بد أن يكون مشروطا بالمصلحة و ألا يعرض ما هو أهم من نفوذ الجيش لأنه لا يجوز أن يأمرهم بالنفوذ و إن أعقب ضررا في الدين فأما قول المرتضى الأمر المطلق يدل على ثبوت المصلحة و لا يجوز أن يجعل الأمر المطلق فقول جيد إذا اعترض به على الوجه الذي أورده قاضي القضاة فأما إذا أورده أصحابنا على وجه آخر فإنه يندفع كلام المرتضى و ذلك أنه يجوز تخصيص عمومات النصوص بالقياس الجلي عند كثير من أصحابنا على ما هو مذكور في أصول الفقه فلم لا يجوز لأبي بكر أن يخص عموم قوله انفذوا بعث أسامة لمصلحة غلبت على ظنه في عدم نفوذه نفسه و لمفسدة غلبت على نفسه في نفوذه نفسه مع البعث . و ثانيها أنه ع كان يبعث السرايا عن اجتهاد لا عن وحي يحرم مخالفته فأما قول المرتضى إن للدين تعلقا قويا بأمثال ذلك و إنها ليست من الأمور الدنياوية المحضة نحو أكله و شربه و نومه فإنه يعود على الإسلام بفتوحه عز و قوة و علو كلمة فيقال له و إذا أكل اللحم و قوي مزاجه بذلك و نام نوما طبيعيا يزول عنه به المرض و الإعياء اقتضى ذلك أيضا عز الإسلام و قوته فقل إن ذلك أيضا عن وحي . ثم إن الذي يقتضيه فتوحه و غزواته و حروبه من العز و علو الكلمة لا ينافي كون تلك الغزوات و الحروب باجتهاده لأنه لا منافاة بين اجتهاده و بين عز الدين و علو كلمته بحروبه و إن الذي ينافي اجتهاده بالرأي هو مثل فرائض الصلوات و مقادير الزكوات و مناسك الحج و نحو ذلك من الأحكام التي تشعر بأنها متلقاة من محض الوحي و ليس للرأي و الاجتهاد فيها مدخل و قد خرج بهذا الكلام الجواب عن قوله

[ 189 ]

لو جاز أن تكون السرايا و الحروب عن اجتهاده لجاز أن تكون الأحكام كلها عن اجتهاده و أيضا فإن الصحابة كانوا يراجعونه في الحروب و آراءه التي يدبرها بها و يرجع ع إليهم في كثير منها بعد أن قد رأى غيره و أما الأحكام فلم يكن يراجع فيها أصلا فكيف يحمل أحد البابين على الآخر . فأما قوله لو كانت عن اجتهاد لوجب أن يحرم مخالفته فيها و هو حي لا فرق بين الحالين فلقائل أن يقول القياس يقتضي ما ذكرت إلا أنه وقع الإجماع على أنه لو كان في الأحكام أو في الحروب و الجهاد ما هو باجتهاده لما جازت مخالفته و العدول عن مذهبه و هو حي لم يختلف أحد من المسلمين في ذلك و أجازوا مخالفته بعد وفاته بتقدير أن يكون ما صار إليه عن اجتهاد و الإجماع حجة . فأما قول قاضي القضاة لأن اجتهاده و هو حي أولى من اجتهاد غيره فليس يكاد يظهر لأن اجتهاده و هو ميت أولى أيضا من اجتهاد غيره و يغلب على ظني أنهم فرقوا بين حالتي الحياة و الموت فإن في مخالفته و هو حي نوعا من أذى له و أذاه محرم لقوله تعالى وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللَّهِ و الأذى بعد الموت لا يكون فافترق الحالان . و ثالثها أنه لو كان الإمام منصوصا عليه لجاز أن يسترد جيش أسامة أو بعضه لنصرته فكذلك إذا كان بالاختيار و هذا قد منع منه المرتضى و قال إنه لا يجوز للمنصوص عليه ذلك و لا أن يولي من عزله رسول الله ص و لا أن يعزل من ولاه رسول الله ص

[ 190 ]

و رابعها أنه ع ترك حرب معاوية في بعض الحالات و لم يوجب ذلك أن يكون عاصيا فكذلك أبو بكر في ترك النفوذ في جيش أسامة . فأما قول المرتضى إن عليا ع كان مأمورا بحرب معاوية مع التمكن و وجود الأنصار فإذا عدما لم يكن مأمورا بحربه فلقائل أن يقول و أبو بكر كان مأمورا بالنفوذ في جيش أسامة مع التمكن و وجود الأنصار و قد عدم التمكن لما استخلف فإنه قد تحمل أعباء الإمامة و تعذر عليه الخروج عن المدينة التي هي دار الإمامة فلم يكن مأمورا و الحال هذه بالنفوذ في جيش أسامة . فإن قلت الإشكال عليكم إنما هو من قبل الاستخلاف كيف جاز لأبي بكر أن يتأخر عن المسير و كيف جاز له أن يرجع إلى المدينة و هو مأمور بالمسير و هلا نفذ لوجهه و لم يرجع و إن بلغه موت رسول الله ص . قلت لعل أسامة أذن له فهو مأمور بطاعته و لأنه رأى أسامة و قد عاد باللواء فعاد هو لأنه لم يكن يمكنه أن يسير إلى الروم وحده و أيضا فإن أصحابنا قالوا إن ولاية أسامة بطلت بموت النبي ص و عاد الأمر إلى رأي من ينصب للأمر قالوا لأن تصرف أسامة إنما كان من جهة النبي ص ثم زال تصرف النبي ص بموته فوجب أن يزول تصرف أسامة لأن تصرفه تبع لتصرف الرسول ص قالوا و ذلك كالوكيل تبطل وكالته بموت الموكل قالوا و يفارق الوصي لأن ولايته لا تثبت إلا بعد موت الموصي فهو كعهد الإمام إلى غيره لا يثبت إلا بعد موت الإمام ثم فرع أصحابنا على هذا الأصل مسألة و هي الحاكم هل ينعزل بموت الإمام أم لا قال قوم من أصحابنا لا ينعزل و بنوه على أن التولي من غير جهة الإمام يجوز فجعلوا الحاكم نائبا عن المسلمين أجمعين لا عن الإمام

[ 191 ]

و إن وقف تصرفه على اختياره و صار ذلك عندهم بمنزلة أن يختار المسلمون واحدا يحكم بينهم ثم يموت من رضي بذلك فإن تصرفه يبقى على ما كان عليه و قال قوم من أصحابنا ينعزل و إن هذا النوع من التصرف لا يستفاد إلا من جهة الإمام و لا يقوم به غيره و إذا ثبت أن أسامة قد بطلت ولايته لم تبق تبعة على أبي بكر في الرجوع من بعض الطريق إلى المدينة . و خامسها أن أمير المؤمنين ولى أبا موسى الحكم و ولى رسول الله ص خالد بن الوليد السرية إلى الغميصاء و هذا الكلام إنما ذكره قاضي القضاة تتمة لقوله إن أمره ع بنفوذ بعث أسامة كان مشروطا بالمصلحة قال كما أن توليته ع أبا موسى كانت مشروطة باتباع القرآن و كما أن تولية رسول الله ص خالد بن الوليد كانت مشروطة بأن يعمل بما أوصاه به فخالفا و لم يعملا الحق فإذا كانت هذه الأوامر مشروطة فكذلك أمره جيش أسامة بالنفوذ كان مشروطا بالمصلحة و ألا يعرض ما يقتضي رجوع الجيش أو بعضه إلى المدينة و قد سبق القول في كون الأمر مشروطا . و سادسها أن أبا بكر كان محتاجا إلى مقام عمر عنده ليعاضده و يقوم في تمهيد أمر الإمامة ما لا يقوم به غيره فكان ذلك أصلح في باب الدين من مسيره مع الجيش فجاز أن يحبسه عنده لذلك و هذا الوجه مختص بمن قال إن أبا بكر لم يكن في الجيش و إيضاح عذره في حبس عمر عن النفوذ مع الجيش .

[ 192 ]

فأما قول المرتضى فإن ذلك غير جائز لأن مخالفة النص حرام فقد قلنا إن هذا مبني على مسألة تخصيص العمومات الواردة في القرآن بالقياس . و أما قوله أي حاجة كانت لأبي بكر إلى عمر بعد وقوع البيعة و لم يكن هناك تنازع و لا اختلاف فعجيب و هل كان لو لا مقام عمر و حضوره في تلك المقامات يتم لأبي بكر أمر أو ينتظم له حال و لو لا عمر لما بايع علي و لا الزبير و لا أكثر الأنصار و الأمر في هذا أظهر من كل ظاهر . و سابعها أن من يصلح للإمامة ممن ضمه جيش أسامة يجب تأخرهم ليختار للإمامة أحدهم فإن ذلك أهم من نفوذهم فإذا جاز لهذه العلة التأخر قبل العقد جاز التأخر بعده للمعاضدة و غيرها . فأما قول المرتضى إن ذلك الجيش لم يضم من يصلح للإمامة فبناء على مذهبه في أن كل من ليس بمعصوم لا يصلح للإمامة فأما قوله و لو صح ذلك لم يكن عذرا في التأخر لأن من خرج في الجيش يمكن أن يختار و لو كان بعيدا و لا يمكن بعده من صحة الاختيار فلقائل أن يقول دار الهجرة هي التي فيها أهل الحل و العقد و أقارب رسول الله ص و القراء و أصحاب السقيفة فلا يجوز العدول عن الاجتماع و المشاورة فيها إلى الاختيار على البعد و على جناح السفر من غير مشاركة من ذكرنا من أعيان المسلمين . فأما قوله و لو صح هذا العقد لكان عذرا في التأخر قبل العقد فأما بعد إبرامه فلا عذر فيه فلقائل أن يقول إذا أجزت التأخر قبل العقد لنوع من المصلحة فأجز التأخر بعد العقد لنوع آخر من المصلحة و هو المعاضدة و المساعدة .

[ 193 ]

هذه الوجوه السبعة كلها لبيان قوله تأخر أبي بكر أو عمر عن النفوذ في جيش أسامة و إن كان مأمورا بالنفوذ . ثم نعود إلى تمام أقسام الفصل و منها قول قاضي القضاة لا معنى لقول من قال إن رسول الله ص قصد إبعادهم عن المدينة لأن بعدهم عنها لا يمنعهم من أن يختاروا واحدا منهم للإمامة و لأنه ع لم يكن قاطعا على موته لا محالة لأنه لم يرد نفذوا جيش أسامة في حياته . و قد اعترض المرتضى هذا فقال إنه لم يتبين معنى الطعن لأن الطاعن لا يقول إنهم أبعدوا عن المدينة كي لا يختاروا واحدا للإمامة بل يقول إنما أبعدوا لينتصب بعد موته ص في المدينة الشخص الذي نص عليه و لا يكون حاضرا بالمدينة من يخالفه و ينازعه و ليس يضرنا ألا يكون ص قاطعا على موته لأنه و إن لم يكن قاطعا فهو لا محالة يشفق و يخاف من الموت و على الخائف أن يتحرز مما يخاف منه و كلام المرتضى في هذا الموضع أظهر من كلام قاضي القضاة . و منها قول قاضي القضاة إن ولاية أسامة عليهما لا تقتضي كونهما دونه في الفضل كما أن عمرو بن العاص لما ولي عليهما لم يقتض كونه أفضل منهما و قد اعترض المرتضى هذا بأنه يقبح تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه و إن تقديم عمرو بن العاص عليهما في الإمرة يقتضي أن يكون أفضل منهما فيما يرجع إلى الإمرة و السياسة و لا يقتضي أفضليته عليهما في غير ذلك و كذلك القول في أسامة .

[ 194 ]

و لقائل أن يقول إن الملوك قد يؤمرون الأمراء على الجيوش لوجهين أحدهما أن يقصد الملك بتأمير ذلك الشخص أن يسوس الجيش و يدبره بفضل رأيه و شيخوخته و قديم تجربته و ما عرف من يمن نقيبته في الحرب و قود العساكر و الثاني أن يؤمر على الجيش غلاما حدثا من غلمانه أو من ولده أو من أهله و يأمر الأكابر من الجيش أن يثقفوه و يعلموه و يأمره أن يتدبر بتدبيرهم و يرجع إلى رأيهم و يكون قصد الملك من ذلك تخريج ذلك الغلام و تمرينه على الإمارة و أن يثبت له في نفوس الناس منزلة و أن يرشحه لجلائل الأمور و معاظم الشئون ففي الوجه الأول يقبح تقديم المفضول على الفاضل و في الوجه الثاني لا يقبح فلم لا يجوز أن يكون تأمير أسامة عليهما من قبيل الوجه الثاني و الحال يشهد لذلك لأن أسامة كان غلاما لم يبلغ ثماني عشرة سنة حين قبض النبي ص فمن أين حصل له من تجربة الحرب و ممارسة الوقائع و قود الجيش ما يكون به أعرف بالإمرة من أبي بكر و عمر و أبي عبيدة و سعد بن أبي وقاص و غيرهم . و منها قول قاضي القضاة إن السبب في كون عمر في الجيش أنه أنكر على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة تسخطه إمرة أسامة و قال أنا أخرج في جيش أسامة فخرج من تلقاء نفسه تعظيما لأمر رسول الله ص و قد اعترضه المرتضى فقال هذا شي‏ء لم نسمعه من راو و لا قرأناه في كتاب و صدق المرتضى فيما قال فإن هذا حديث غريب لا يعرف . و أما قول عمر دعني أضرب عنقه فقد نافق فمنقول مشهور لا محالة و إنما الغريب الذي لم يعرف كون عمر خرج من تلقاء نفسه في الجيش مراغمة لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة حيث أنكر ما أنكر و لعل قاضي القضاة سمعه من راو أو نقله من كتاب إلا أنا نحن ما وقفنا على ذلك

[ 195 ]