الطعن الثامن

قولهم إن مما يؤثر في حاله و حال عمر دفنهما مع رسول الله ص في بيته و قد منع الله تعالى الكل من ذلك في حال حياته فكيف بعد الممات بقوله تعالى لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ . أجاب قاضي القضاة بأن الموضع كان ملكا لعائشة و هي حجرتها التي كانت

[ 215 ]

معروفة بها و الحجر كلها كانت أملاكا لأزواج النبي ص و قد نطق القرآن بذلك في قوله وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ و ذكر أن عمر استأذن عائشة في أن يدفن في ذلك الموضع و حتى قال إن لم تأذن لي فادفنوني في البقيع و على هذا الوجه يحمل ما

روي عن الحسن ع أنه لما مات أوصى أن يدفن إلى جنب رسول الله ص و إن لم يترك ففي البقيع فلما كان من مروان و سعيد بن العاص ما كان دفن بالبقيع و إنما أوصى بذلك بإذن عائشة و يجوز أن يكون علم من عائشة أنها جعلت الموضع في حكم الوقف فاستباحوا ذلك لهذا الوجه قال و في دفنه ع في ذلك الموضع ما يدل على فضل أبي بكر لأنه ع لما مات اختلفوا في موضع دفنه و كثر القول حتى روى أبو بكر عنه ص أنه قال ما يدل على أن الأنبياء إذا ماتوا دفنوا حيث ماتوا فزال الخلاف في ذلك . اعترض المرتضى فقال لا يخلو موضع قبر النبي ص من أن يكون باقيا على ملكه ع أو يكون انتقل في حياته إلى عائشة على ما ادعاه فإن كان الأول لم يخل أن يكون ميراثا بعده أو صدقة فإن كان ميراثا فما كان يحل لأبي بكر و لا لعمر من بعده أن يأمرا بدفنهما فيه إلا بعد إرضاء الورثة الذين هم على مذهبنا فاطمة و جماعة الأزواج و على مذهبهم هؤلاء و العباس و لم نجد واحدا منهما خاطب أحدا من هؤلاء الورثة على ابتياع هذا المكان و لا استنزله عنه بثمن و لا غيره و إن كان صدقة فقد كان يجب أن يرضى عنه جماعة المسلمين و يبتاعه منهم هذا إن جاز الابتياع لما يجري هذا المجرى و إن كان انتقل في حياته فقد كان يجب أن يظهر سبب انتقاله و الحجة فيه فإن فاطمة ع لم يقنع منها في انتقال فدك إلى ملكها بقولها و لا بشهادة من

[ 216 ]

شهد لها فأما تعلقه بإضافة البيوت إليهن في قوله وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فمن ضعيف الشبهة لأنا قد بينا فيما مضى من هذا الكتاب أن هذه الإضافة لا تقتضي الملك و إنما تقتضي السكنى و العادة في استعمال هذه اللفظة فيما ذكرناه ظاهرة قال تعالى لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ و لم يرد الله تعالى إلا حيث يسكن و ينزلن دون حيث يملكن و ما أشبهه و أظرف من كل شي‏ء تقدم قوله إن الحسن ع استأذن عائشة في أن يدفن في البيت حتى منعه مروان و سعيد بن العاص لأن هذه مكابرة منه ظاهرة فإن المانع للحسن ع من ذلك لم يكن إلا عائشة و لعل من ذكره من مروان و سعيد و غيرهما أعانها و اتبع في ذلك أمرهما و روي أنها خرجت في ذلك اليوم على بغل حتى قال ابن عباس يوما على بغل و يوما على جمل فكيف تأذن عائشة في ذلك و هي مالكة الموضع على قولهم و يمنع منه مروان و غيره ممن لا ملك له في الموضع و لا شركة و لا يد و هذا من قبيح ما يرتكب و أي فضل لأبي بكر في روايته عن النبي ص حديث الدفن و عملهم بقوله إن صح فمن مذهب صاحب الكتاب و أصحابه العمل بخبر الواحد العدل في أحكام الدين العظيمة فكيف لا يعمل بقول أبي بكر في الدفن و هم يعملون بقول من هو دونه فيما هو أعظم من ذلك قلت أما أبو بكر فإنه لا يلحقه بدفنه مع الرسول ص ذم لأنه ما دفن نفسه و إنما دفنه الناس و هو ميت فإن كان ذلك خطأ فالإثم و الذم لاحقان بمن فعل به ذلك و لم يثبت عنه بأنه أوصى أن يدفن مع رسول الله ص و إنما قد يمكن أن يتوجه هذا الطعن إلى عمر لأنه سأل عائشة أن يدفن في الحجرة مع رسول الله ص و أبي بكر و القول عندي مشتبه في أمر حجر الأزواج

[ 217 ]

هل كانت على ملك رسول الله ص إلى أن توفي أم ملكها نساؤه و الذي تنطق به التواريخ أنه لما خرج من قباء و دخل المدينة و سكن منزل أبي أيوب اختط المسجد و اختط حجر نسائه و بناته و هذا يدل على أنه كان المالك للمواضع و أما خروجها عن ملكه إلى الأزواج و البنات فمما لم أقف عليه و يجوز أن تكون الصحابة قد فهمت من قرائن الأحوال و مما شاهدوه منه ع أنه قد أقر كل بيت منها في يد زوجة من الزوجات على سبيل الهبة و العطية و إن لم ينقل عنه في ذلك صيغة لفظ معين و القول في بيت فاطمة ع كذلك لأن فاطمة ع لم تكن تملك مالا و علي ع بعلها كان فقيرا في حياة رسول الله ص حتى أنه كان يستقي الماء ليهود بيده يسقي بساتينهم لقوت يدفعونه إليه فمن أين كان له ما يبتاع به حجرة يسكن فيها هو و زوجته و القول في كثير من الزوجات كذلك أنهن كن فقيرات مدقعات نحو صفية بنت حيي بن أخطب و جويرية بنت الحارث و ميمونة و غيرهن فلا وجه يمكن أن يتملك منه هؤلاء النسوة و البنت الحجر إلا أن يكون رسول الله ص وهبها لهن هذا إن ثبت أنها خرجت عن ملكيته ع و إلا فهي باقية على ملكيته باستصحاب الحال و القول في حجرة زينب بنت رسول الله ص كذلك لأنه أقدمها من مكة مفارقة لبعلها أبي العاص بن الربيع فأسكنها بالمدينة في حجرة منفردة خالية عن بعل فلا بد أن تكون تلك الحجرة بمقتضى ما يتغلب على الظن ملكا له ع فيستدام الحكم بملكه لها إلى أن نجد دليلا ينقلنا عن ذلك و أما رقية و أم كلثوم زوجتا عثمان فإن كان مثريا ذا مال فيجوز أن يكون ابتاع حجرة سكنت فيها الأولى منهما ثم الثانية بعدها .

[ 218 ]

فأما احتجاج قاضي القضاة بقوله وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فاعتراض المرتضى عليه قوي لأن هذه الإضافة إنما تقتضي التخصيص فقط لا التمليك كما قال لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ و يجوز أن يكون أبو بكر لما روى قوله نحن لا نورث ترك الحجر في أيدي الزوجات و البنت على سبيل الإقطاع لهن لا التمليك أي أباحهن السكنى لا التصرف في رقاب الأرض و الأبنية و الآلات لما رأى في ذلك من المصلحة و لأنه كان من المتهجن القبيح إخراجهن من البيوت و ليس كذلك فدك فإنها قرية كبيرة ذات نخل كثير خارجة عن المدينة و لم تكن فاطمة متصرفة فيها من قبل نفسها و لا بوكيلها و لا رأتها قط فلا تشبه حالها حال الحجر و أيضا لإباحة هذه الحجر و نزارة أثمانهن فإنها كانت مبنية من طين قصيرة الجدران فلعل أبا بكر و الصحابة استحقروها فأقروا النساء فيها و عوضوا المسلمين عنها بالشي‏ء اليسير مما يقتضي الحساب أن يكون من سهم الأزواج و البنت عند قسمة الفي‏ء . و أما القول في الحسن و ما جرى من عائشة و بني أمية فقد تقدم و كذلك القول في الخبر المروي في دفن الرسول ع فكان أبو المظفر هبة الله بن الموسوي صدر المخزن المعمور كان في أيام الناصر لدين الله إذا حادثته حديث وفاة رسول الله ص و رواية أبي بكر ما رواه من

قوله ع الأنبياء يدفنون حيث يموتون يحلف أن أبا بكر افتعل هذا الحديث في الحال و الوقت ليدفن النبي ص في حجرة ابنته ثم يدفن هو معه عند موته علما منه أنه لم يبق من عمره إلا مثل ظم‏ء الحمار و أنه إذا دفن النبي ص في حجرة ابنته فإن ابنته تدفنه لا محالة في حجرتها عند بعلها و إن دفن النبي ص في موضع

[ 219 ]

آخر فربما لا يتهيأ له أن يدفن عنده فرأى أن هذا الفوز بهذا الشرف العظيم و هذا المكان الجليل مما لا يقتضي حسن التدبير فوته و إن انتهاز الفرصة فيه واجب فروى لهم الخبر فلا يمكنهم بعد روايته ألا يعملوا به لا سيما و قد صار هو الخليفة و إليه السلطان و النفع و الضرر و أدرك ما كان في نفسه ثم نسج عمر على منواله فرغب إلى عائشة في مثل ذلك و قد كان يكرمها و يقدمها على سائر الزوجات في العطاء و غيره فأجابته إلى ذلك و كان مطاعا في حياته و بعد مماته و كان يقول وا عجبا للحسن و طمعه في أن يدفن في حجرة عائشة و الله لو كان أبوه الخليفة يومئذ لما تهيأ له ذلك و لا تم لبغض عائشة لهم و حسد الناس إياهم و تمالؤ بني أمية و غيرهم من قريش عليهم و لهذا قالوا يدفن عثمان في حش كوكب و يدفن الحسن في حجرة رسول الله ص فكيف و الخليفة معاوية و الأمراء بالمدينة بنو أمية و عائشة صاحبة الموضع و الناصر لبني هاشم قليل و الشانئ كثير . و أنا أستغفر الله مما كان أبو المظفر يحلف عليه و أعلم و أظن ظنا شبيها بالعلم أن أبا بكر ما روى إلا ما سمع و أنه كان أتقى لله من ذلك .