الطعن الخامس عشر

قولهم إنه لما استخلف صرخ مناديه في المدينة من كان عنده شي‏ء من كلام الله فليأتنا به فإنا عازمون على جمع القرآن و لا يأتنا بشي‏ء منه إلا و معه شاهدا عدل قالوا و هذا خطأ لأن القرآن قد بان بفصاحته عن فصاحة البشر فأي حاجة إلى شاهدي عدل . و الجواب أن المرتضى و من تابعه من الشيعة لا يصح لهم هذا الطعن لأن القرآن عندهم ليس معجزا بفصاحته على أن من جعل معجزته للفصاحة لم يقل إن كل آية من القرآن هي معجزة في الفصاحة و أبو بكر إنما طلب كل آية من القرآن لا السورة بتمامها و كمالها التي يتحقق الإعجاز من طريق الفصاحة فيها و أيضا فإنه لو أحضر إنسان آية أو آيتين و لم يكن معه شاهد فربما تختلف العرب هل هذه في الفصاحة بالغة

[ 225 ]

مبلغ الإعجاز الكلي أم هي ثابتة من كلام العرب بثبوته غير بالغة إلى حد الإعجاز فكان يلتبس الأمر و يقع النزاع فاستظهر أبو بكر بطلب الشهود تأكيدا لأنه إذا انضمت الشهادة إلى الفصاحة الظاهرة ثبت أن ذلك الكلام من القرآن : وَ مِنْ هَذَا اَلْكِتَابِ مِنْهُ إِنِّي وَ اَللَّهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَ هُمْ طِلاَعُ اَلْأَرْضِ كُلِّهَا مَا بَالَيْتُ وَ لاَ اِسْتَوْحَشْتُ وَ إِنِّي مِنْ ضَلاَلِهِمُ اَلَّذِي هُمْ فِيهِ وَ اَلْهُدَى اَلَّذِي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَ يَقِينٍ مِنْ رَبِّي وَ إِنِّي إِلَى لِقَاءِ اَللَّهِ لَمُشْتَاقٌ وَ لِحُسْنِ حُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاجٍ وَ لَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِيَ هَذِهِ اَلْأُمَّةَ أَمْرَ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ سُفَهَاؤُهَا وَ فُجَّارُهَا فَيَتَّخِذُوا مَالَ اَللَّهِ دُوَلاً وَ عِبَادَهُ خَوَلاً وَ اَلصَّالِحِينَ حَرْباً وَ اَلْفَاسِقِينَ حِزْباً فَإِنَّ مِنْهُمُ اَلَّذِي قَدْ شَرِبَ فِيكُمُ اَلْحَرَامَ وَ جُلِدَ حَدّاً فِي اَلْإِسْلاَمِ وَ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى اَلْإِسْلاَمِ اَلرَّضَائِخُ فَلَوْ لاَ ذَلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَأْلِيبَكُمْ وَ تَأْنِيبَكُمْ وَ جَمْعَكُمْ وَ تَحْرِيضَكُمْ وَ لَتَرَكْتُكُمْ إِذْ أَبَيْتُمْ وَ وَنَيْتُمْ أَ لاَ تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ اِنْتَقَصَتْ وَ إِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ اُفْتُتِحَتْ وَ إِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَى وَ إِلَى بِلاَدِكُمْ تُغْزَى اِنْفِرُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ وَ لاَ تَثَّاقَلُوا إِلَى اَلْأَرْضِ فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ وَ تَبَوَّءُوا بِالذُّلِّ وَ يَكُونَ نَصِيبُكُمُ اَلْأَخَسَّ وَ إِنَّ أَخَا اَلْحَرْبِ اَلْأَرِقُ وَ مَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ وَ اَلسَّلاَمُ

[ 226 ]

طلاع الأرض ملؤها و منه قول عمر لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع . و آسى أحزن . و أكثرت تأليبكم تحريضكم و إغراءكم به و التأنيب أشد اللوم . و ونيتم ضعفتم و فترتم و ممالككم تزوى أي تقبض . و لا تثاقلوا بالتشديد أصله تتثاقلوا و تقروا بالخسف تعترفوا بالضيم و تصبروا له و تبوءوا بالذل ترجعوا به و الأرق الذي لا ينام و مثل قوله ع من نام لم ينم عنه قول الشاعر

لله درك ما أردت بثائر
حران ليس عن الترات براقد
أسهرته ثم اضطجعت و لم ينم
حنقا عليك و كيف نوم الحاقد

فأما الذي رضخت له على الإسلام الرضائخ فمعاوية و الرضيخة شي‏ء قليل يعطاه الإنسان يصانع به عن شي‏ء يطلب منه كالأجر و ذلك لأنه من المؤلفة قلوبهم الذين رغبوا في الإسلام و الطاعة بجمال وشاء دفعت إليهم و هم قوم معروفون كمعاوية و أخيه يزيد و أبيهما أبي سفيان و حكيم بن حزام و سهيل بن عمرو و الحارث بن هشام بن المغيرة و حويطب بن عبد العزى و الأخنس بن شريق و صفوان بن أمية و عمير بن وهب الجمحي و عيينة بن حصن و الأقرع بن حابس و عباس بن مرداس و غيرهم و كان إسلام هؤلاء للطمع و الأغراض الدنياوية و لم يكن عن أصل و لا عن يقين و علم .

[ 227 ]

و قال الراوندي عنى بقوله رضخت لهم الرضائخ عمرو بن العاص و ليس بصحيح لأن عمرا لم يسلم بعد الفتح و أصحاب الرضائخ كلهم أسلموا بعد الفتح صونعوا على الإسلام بغنائم حنين و لعمري إن إسلام عمرو كان مدخولا أيضا إلا أنه لم يكن عن رضيخة و إنما كان لمعنى آخر فأما الذي شرب الحرام و جلد في حد الإسلام فقد قال الراوندي هو المغيرة بن شعبة و أخطأ فيما قال لأن المغيرة إنما اتهم بالزنى و لم يحد و لم يجر للمغيرة ذكر في شرب الخمر و قد تقدم خبر المغيرة مستوفى و أيضا فإن المغيرة لم يشهد صفين مع معاوية و لا مع علي ع و ما للراوندي و لهذا إنما يعرف هذا الفن أربابه و الذي عناه علي ع الوليد بن عقبة بن أبي معيط و كان أشد الناس عليه و أبلغهم تحريضا لمعاوية و أهل الشام على حربه