كتاب معاوية إلى علي

أما الكتاب الذي كتبه إليه معاوية و هذا الكتاب جوابه فهو من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإنا بني عبد مناف لم نزل ننزع من قليب واحد و نجري في حلبة واحدة ليس لبعضنا على بعض فضل و لا لقائمنا على قاعدنا فخر كلمتنا مؤتلفة و ألفتنا جامعة و دارنا واحدة يجمعنا كرم العرق و يحوينا شرف النجار و يحنو قوينا على ضعيفنا و يواسي غنينا فقيرنا قد خلصت قلوبنا من وغل الحسد و طهرت أنفسنا من خبث النية فلم نزل كذلك حتى كان منك ما كان من الإدهان في أمر ابن عمك و الحسد له و نصرة الناس عليه حتى قتل بمشهد منك لا تدفع عنه بلسان و لا يد فليتك

[ 252 ]

أظهرت نصره حيث أسررت خبره فكنت كالمتعلق بين الناس بعذر و إن ضعف و المتبرئ من دمه بدفع و إن وهن و لكنك جلست في دارك تدس إليه الدواهي و ترسل إليه الأفاعي حتى إذا قضيت وطرك منه أظهرت شماتة و أبديت طلاقة و حسرت للأمر عن ساعدك و شمرت عن ساقك و دعوت الناس إلى نفسك و أكرهت أعيان المسلمين على بيعتك ثم كان منك بعد ما كان من قتلك شيخي المسلمين أبي محمد طلحة و أبي عبد الله الزبير و هما من الموعودين بالجنة و المبشر قاتل أحدهما بالنار في الآخرة هذا إلى تشريدك بأم المؤمنين عائشة و إحلالها محل الهون متبذلة بين أيدي الأعراب و فسقة أهل الكوفة فمن بين مشهر لها و بين شامت بها و بين ساخر منها ترى ابن عمك كان بهذه لو رآه راضيا أم كان يكون عليك ساخطا و لك عنه زاجرا أن تؤذي أهله و تشرد بحليلته و تسفك دماء أهل ملته ثم تركك دار الهجرة التي

قال رسول الله ص عنها إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد فلعمري لقد صح وعده و صدق قوله و لقد نفت خبثها و طردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها فأقمت بين المصرين و بعدت عن بركة الحرمين و رضيت بالكوفة بدلا من المدينة و بمجاورة الخورنق و الحيرة عوضا من مجاورة خاتم النبوة و من قبل ذلك ما عبت خليفتي رسول الله ص أيام حياتهما فقعدت عنهما و ألبت عليهما و امتنعت من بيعتهما و رمت أمرا لم يرك الله تعالى له أهلا و رقيت سلما وعرا و حاولت مقاما دحضا و ادعيت ما لم تجد عليه ناصرا و لعمري لو وليتها حينئذ لما ازدادت إلا فسادا و اضطرابا و لا أعقبت ولايتكها إلا انتشارا و ارتدادا لأنك الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه المستطيل على الناس بلسانه و يده و ها أنا سائر إليك في جمع

[ 253 ]

من المهاجرين و الأنصار تحفهم سيوف شامية و رماح قحطانية حتى يحاكموك إلى الله فانظر لنفسك و للمسلمين و ادفع إلي قتلة عثمان فإنهم خاصتك و خلصاؤك و المحدقون بك فإن أبيت إلا سلوك سبيل اللجاج و الإصرار على الغي و الضلال فاعلم أن هذه الآية إنما نزلت فيك و في أهل العراق معك وَ ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللَّهِ فَأَذاقَهَا اَللَّهُ لِباسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ . ثم نعود إلى تفسير ألفاظ الفصل و معانيه قال ع لعمري إنا كنا بيتا واحدا في الجاهلية لأنا بنو عبد مناف إلا أن الفرقة بيننا و بينكم حصلت منذ بعث الله محمدا ص فإنا آمنا و كفرتم ثم تأكدت الفرقة اليوم بأنا استقمنا على منهاج الحق و فتنتم . ثم قال و ما أسلم من أسلم منكم إلا كرها كأبي سفيان و أولاده يزيد و معاوية و غيرهم من بني عبد شمس . قال و بعد أن كان أنف الإسلام محاربا لرسول الله ص أي في أول الإسلام يقال كان ذلك في أنف دولة بني فلان أي في أولها و أنف كل شي‏ء أوله و طرفه و كان أبو سفيان و أهله من بني عبد شمس أشد الناس على رسول الله ص في أول الهجرة إلى أن فتح مكة ثم أجابه عن قوله قتلت طلحة و الزبير و شردت بعائشة و نزلت بين المصرين بكلام مختصر أعرض فيه عنه

[ 254 ]

هوانا به فقال هذا أمر غبت عنه فليس عليك كان العدوان الذي تزعم و لا العذر إليك لو وجب على العذر عنه . فأما الجواب المفصل فأن يقال إن طلحة و الزبير قتلا أنفسهما ببغيهما و نكثهما و لو استقاما على الطريقة لسلما و من قتله الحق فدمه هدر و أما كونهما شيخين من شيوخ الإسلام فغير مدفوع و لكن العيب يحدث و أصحابنا يذهبون إلى أنهما تابا و فارقا الدنيا نادمين على ما صنعا و كذلك نقول نحن فإن الأخبار كثرت بذلك فهما من أهل الجنة لتوبتهما و لو لا توبتهما لكانا هالكين كما هلك غيرهما فإن الله تعالى لا يحابي أحدا في الطاعة و التقوى لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ . و أما الوعد لهما بالجنة فمشروط بسلامة العاقبة و الكلام في سلامتهما و إذا ثبتت توبتهما فقد صح الوعد لهما و تحقق و

قوله بشر قاتل ابن صفية بالنار فقد اختلف فيه فقال قوم من أرباب السير و علماء الحديث هو كلام أمير المؤمنين ع غير مرفوع و قوم منهم جعلوه مرفوعا و على كل حال فهو حق لأن ابن جرموز قلته موليا خارجا من الصف مفارقا للحرب فقد قتله على توبة و إنابة و رجوع من الباطل و قاتل من هذه حاله فاسق مستحق للنار و أما أم المؤمنين عائشة فقد صحت توبتها و الأخبار الواردة في توبتها أكثر من الأخبار الواردة في توبة طلحة و الزبير لأنها عاشت زمانا طويلا و هما لم يبقيا و الذي جرى لها كان خطأ منها فأي ذنب لأمير المؤمنين ع في ذلك و لو أقامت في منزلها لم تبتذل بين الأعراب و أهل الكوفة على أن أمير المؤمنين ع أكرمها و صانها و عظم من شأنها و من أحب أن يقف على ما فعله معها فليطالع كتب السيرة و لو كانت فعلت بعمر ما فعلت به و شقت عصا الأمة عليه ثم ظفر بها لقتلها و مزقها إربا إربا و لكن عليا كان حليما كريما .

[ 255 ]

و أما قوله لو عاش رسول الله ص فبربك هل كان يرضى لك أن تؤذي حليلته فلعلي ع أن يقلب الكلام عليه فيقول أ فتراه لو عاش أ كان يرضى لحليلته أن تؤذي أخاه و وصيه و أيضا أ تراه لو عاش أ كان يرضى لك يا ابن أبي سفيان أن تنازع عليا الخلافة و تفرق جماعة هذه الأمة و أيضا أ تراه لو عاش أ كان يرضى لطلحة و الزبير أن يبايعا ثم ينكثا لا لسبب بل قالا جئنا نطلب الدراهم فقد قيل لنا إن بالبصرة أموالا كثيرة هذا كلام يقوله مثلهما . فأما قوله تركت دار الهجرة فلا عيب عليه إذا انقضت عليه أطراف الإسلام بالبغي و الفساد أن يخرج من المدينة إليها و يهذب أهلها و ليس كل من خرج من المدينة كان خبثا فقد خرج عنها عمر مرارا إلى الشام ثم لعلي ع أن يقلب عليه الكلام فيقول له و أنت يا معاوية فقد نفتك المدينة أيضا عنها فأنت إذا خبث و كذلك طلحة و الزبير و عائشة الذين تتعصب لهم و تحتج على الناس بهم و قد خرج عن المدينة الصالحون كابن مسعود و أبي ذر و غيرهما و ماتوا في بلاد نائية عنها و أما قوله بعدت عن حرمة الحرمين و مجاورة قبر رسول الله ص فكلام إقناعي ضعيف و الواجب على الإمام أن يقدم الأهم فالأهم من مصالح الإسلام و تقديم قتال أهل البغي على المقام بين الحرمين أولى فأما ما ذكره من خذلانه عثمان و شماتته به و دعائه الناس بعد قتله إلى نفسه و إكراهه طلحة و الزبير و غيرهما على بيعته فكله دعوى و الأمر بخلافها و من نظر كتب السير عرف أنه قد بهته و ادعى عليه ما لم يقع منه . و أما قوله التويت على أبي بكر و عمر و قعدت عنهما و حاولت الخلافة بعد رسول الله ص فإن عليا ع لم يكن يجحد ذلك و لا ينكره و لا ريب

[ 256 ]

أنه كان يدعى الأمر بعد وفاة رسول الله ص لنفسه على الجملة أما لنص كما تقوله الشيعة أو لأمر آخر كما يقوله أصحابنا فأما قوله لو وليتها حينئذ لفسد الأمر و اضطرب الإسلام فهذا علم غيب لا يعلمه إلا الله و لعله لو وليها حينئذ لاستقام الأمر و صلح الإسلام و تمهد فإنه ما وقع الاضطراب عند ولايته بعد عثمان إلا لأن أمره هان عندهم بتأخره عن الخلافة و تقدم غيره عليه فصغر شأنه في النفوس و قرر من تقدمه في قلوب الناس أنه لا يصلح لها كل الصلاحية و الناس على ما يحصل في نفوسهم و لو كان وليها ابتداء و هو على تلك الحالة التي كان عليها أيام حياة رسول الله ص و تلك المنزلة الرفيعة و الاختصاص الذي كان له لكان الأمر غير الذي رأيناه عند ولايته بعد عثمان و أما قوله لأنك الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه فقد أسرف في وصفه بما وصفه به و لا شك أن عليا ع كان عنده زهو لكن لا هكذا و كان ع مع زهوه ألطف الناس خلقا . ثم نرجع إلى تفسير ألفاظه ع قوله و ذكرت أنك زائري في جمع من المهاجرين و الأنصار و قد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك هذا الكلام تكذيب له في قوله في جمع من المهاجرين و الأنصار أي ليس معك مهاجر لأن أكثر من معك ممن رأى رسول الله ص هم أبناء الطلقاء و من أسلم بعد الفتح و

قد قال النبي ص لا هجرة بعد الفتح . و عبر عن يوم الفتح بعبارة حسنة فيها تقريع لمعاوية و أهله بالكفر و أنهم ليسوا من ذوي السوابق فقال قد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك يعني يزيد بن أبي سفيان أسر يوم الفتح في باب الخندمة و كان خرج في نفر من قريش يحاربون و يمنعون

[ 257 ]

من دخول مكة فقتل منهم قوم و أسر يزيد بن أبي سفيان أسره خالد بن الوليد فخلصه أبو سفيان منه و أدخله داره فأمن

لأن رسول الله ص قال يومئذ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن