ذكر بقية الخبر عن فتح مكة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل قال الواقدي و هرب هبيرة بن أبي وهب و عبد الله بن الزبعري جميعا حتى انتهيا إلى نجران فلم يأمنا الخوف حتى دخلا حصن نجران فقيل ما شأنكما قالا أما قريش فقد قتلت و دخل محمد مكة و نحن و الله نرى أن محمدا سائر إلى حصنكم هذا فجعلت بلحارث بن كعب يصلحون ما رث من حصنهم و جمعوا ماشيتهم فأرسل حسان بن ثابت إلى ابن الزبعرى

لا تعدمن رجلا أحلك بغضه
نجران في عيش أجد ذميم
بليت قناتك في الحروب فألفيت
جوفاء ذات معايب و وصوم
غضب الإله على الزبعرى و ابنه
بعذاب سوء في الحياة مقيم

فلما جاء ابن الزبعرى شعر حسان تهيأ للخروج فقال هبيرة بن وهب أين تريد يا ابن عم قال له أريد و الله محمدا قال أ تريد أن تتبعه قال إي و الله قال هبيرة يا ليت أني كنت رافقت غيرك و الله ما ظننت أنك تتبع محمدا أبدا قال ابن الزبعرى هو ذاك فعلى أي شي‏ء أقيم مع بني الحارث بن كعب و أترك ابن عمى و خير الناس و أبرهم و بين قومي و داري فانحدر ابن الزبعرى حتى جاء رسول الله ص

[ 8 ]

و هو جالس في أصحابه فلما نظر إليه قال هذا ابن الزبعرى و معه وجه فيه نور الإسلام فلما وقف على رسول الله ص قال السلام عليك يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله و أنك عبده و رسوله و الحمد لله الذي هداني للإسلام لقد عاديتك و أجلبت عليك و ركبت الفرس و البعير و مشيت على قدمي في عداوتك ثم هربت منك إلى نجران و أنا أريد ألا أقرب الإسلام أبدا ثم أرادني الله منه بخير فألقاه في قلبي و حببه إلي و ذكرت ما كنت فيه من الضلال و اتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد و يذبح له لا يدرى من عبده و من لا يعبده

فقال رسول الله ص الحمد لله الذي هداك للإسلام احمد الله إن الإسلام يجب ما كان قبله و أقام هبيرة بنجران و أسلمت أم هانئ فقال هبيرة حين بلغه إسلامها يوم الفتح يؤنبها شعرا من جملته

و إن كنت قد تابعت دين محمد
و قطعت الأرحام منك حبالها
فكوني على أعلى سحوق بهضبة
ململمة غبراء يبس بلالها

فأقام بنجران حتى مات مشركا . قال الواقدي و هرب حويطب بن عبد العزى فدخل حائطا بمكة و جاء أبو ذر لحاجته فدخل الحائط فرآه فهرب حويطب فقال أبو ذر تعال فأنت آمن فرجع إليه فقال أنت آمن فاذهب حيث شئت و إن شئت أدخلتك على رسول الله ص و إن شئت فإلى منزلك قال و هل من سبيل إلى منزلي ألفى فأقتل قبل أن أصل إلى منزلي

[ 9 ]

أو يدخل علي منزلي فأقتل قال فأنا أبلغ معك منزلك فبلغ معه منزله ثم جعل ينادي على بابه أن حويطبا آمن فلا يهيج ثم انصرف إلى رسول الله ص فأخبره فقال أ و ليس قد أمنا الناس كلهم إلا من أمرت بقتله . قال الواقدي و هرب عكرمة بن أبي جهل إلى اليمن حتى ركب البحر قال و جاءت زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام إلى رسول الله ص في نسوة منهن هند بنت عتبة و قد كان رسول الله ص أمر بقتلها و البغوم بنت المعدل الكنانية امرأة صفوان بن أمية و فاطمة بنت الوليد بن المغيرة امرأة الحارث بن هشام و هند بنت عتبة بن الحجاج أم عبد الله بن عمرو بن العاص و رسول الله ص بالأبطح فأسلمن و لما دخلن عليه دخلن و عنده زوجتاه و ابنته فاطمة و نساء من نساء بني عبد المطلب و سألن أن يبايعهن فقال إني لا أصافح النساء و يقال إنه وضع على يده ثوبا فمسحن عليه و يقال كان يؤتى بقدح من ماء فيدخل يده فيه ثم يرفعه إليهن فيدخلن أيديهن فيه فقالت أم حكيم امرأة عكرمة يا رسول الله إن عكرمة هرب منك إلى اليمن خاف أن تقتله فأمنه فقال هو آمن فخرجت أم حكيم في طلبه و معها غلام لها رومي فراودها عن نفسها فجعلت تمنيه حتى قدمت به على حي فاستغاثت بهم عليه فأوثقوه رباطا و أدركت عكرمة و قد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة فركب البحر فهاج بهم فجعل نوتي السفينة يقول له أن أخلص قال أي شي‏ء أقول قال قل لا إله إلا الله قال عكرمة ما هربت إلا من هذا فجاءت أم حكيم على هذا من الأمر فجعلت تلح عليه و تقول يا ابن عم جئتك من عند خير الناس و أوصل الناس و أبر الناس لا تهلك نفسك فوقف لها حتى أدركته فقالت إني قد استأمنت لك رسول الله ص فأمنك قال

[ 10 ]

أنت فعلت قالت نعم أنا كلمته فأمنك فرجع معها فقالت ما لقيت من غلامك الرومي و أخبرته خبره فقتله عكرمة فلما دنا من مكة

قال رسول الله ص لأصحابه يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي و لا يبلغ الميت فلما وصل عكرمة و دخل على رسول الله ص وثب إليه ص و ليس عليه رداء فرحا به ثم جلس فوق عكرمة بين يديه و معه زوجته منقبة فقال يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني فقال صدقت أنت آمن فقال عكرمة فإلام تدعو فقال إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله و أن تقيم الصلاة و تؤتي الزكاة و عد خصال الإسلام فقال عكرمة ما دعوت إلا إلى حق و إلى حسن جميل و لقد كنت فينا من قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه و أنت أصدقنا حديثا و أعظمنا برا ثم قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله فقال رسول الله ص لا تسألني اليوم شيئا أعطيه أحدا إلا أعطيتكه قال فإني أسألك أن تغفر لي كل عداوة عاديتكها أو مسير أوضعت فيه أو مقام لقيتك فيه أو كلام قلته في وجهك أو أنت غائب عنه فقال اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها و كل مسير سار فيه إلي يريد بذلك إطفاء نورك و اغفر له ما نال مني و من عرضي في وجهي أو أنا غائب عنه فقال عكرمة رضيت بذلك يا رسول الله ثم قال أما و الله لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الإسلام و في سبيل الله و لأجتهدن في القتال بين يديك حتى أقتل شهيدا قال فرد عليه رسول الله ص امرأته بذلك النكاح الأول . قال الواقدي و أما صفوان بن أمية فهرب حتى أتى الشعبة و جعل يقول لغلامه

[ 11 ]

يسار و ليس معه غيره ويحك انظر من ترى فقال هذا عمير بن وهب قال صفوان ما أصنع بعمير و الله ما جاء إلا يريد قتلي قد ظاهر محمدا علي فلحقه فقال صفوان يا عمير ما لك ما كفاك ما صنعت حملتني دينك و عيالك ثم جئت تريد قتلي فقال يا أبا وهب جعلت فداك جئتك من عند خير الناس و أبر الناس و أوصل الناس و قد كان عمير قال لرسول الله ص يا رسول الله سيد قومي صفوان بن أمية خرج هاربا ليقذف نفسه في البحر خاف ألا تؤمنه فأمنه فداك أبي و أمي فقال قد أمنته فخرج في أثره فقال إن رسول الله ص قد أمنك صفوان لا و الله حتى تأتيني بعلامة أعرفها فرجع إلى رسول الله ص فأخبره و قال يا رسول الله جئته و هو يريد أن يقتل نفسه فقال لا أرجع إلا بعلامة أعرفها فقال خذ عمامتي فرجع عمير إليه بعمامة رسول الله ص و هي البرد الذي دخل فيه رسول الله ص مكة معتجرا به برد حبرة أحمر فخرج عمير في طلبه الثانية حتى جاءه بالبرد فقال يا أبا وهب جئتك من عند خير الناس و أوصل الناس و أبر الناس و أحلم الناس مجده مجدك و عزه عزك و ملكه ملكك ابن أبيك و أمك أذكرك الله في نفسك فقال أخاف أن أقتل قال فإنه دعاك إلى الإسلام فإن رضيت و إلا سيرك شهرين فهو أوفى الناس و أبرهم و قد بعث إليك ببرده الذي دخل به معتجرا أ تعرفه قال نعم فأخرجه فقال نعم هو هو فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله ص فوجده يصلي العصر بالناس فقال كم يصلون قالوا خمس صلوات في اليوم و الليلة قال أ محمد يصلي بهم قالوا نعم فلما سلم من صلاته صاح صفوان يا محمد إن عمير

[ 12 ]

بن وهب جاءني ببردك و زعم أنك دعوتني إلى القدوم إليك فإن رضيت أمرا و إلا سيرتني شهرين فقال رسول الله ص انزل أبا وهب فقال لا و الله أو تبين لي قال بل سر أربعة أشهر فنزل صفوان و خرج معه إلى حنين و هو كافر و أرسل إليه يستعير أدراعه و كانت مائة درع فقال أ طوعا أم كرها فقال ع بل طوعا عارية مؤداة فأعاره إياها ثم أعادها إليه بعد انقضاء حنين و الطائف فلما كان رسول الله ص بالجعرانة يسير في غنائم هوازن ينظر إليها فنظر صفوان إلى شعب هناك مملوء نعما وشاء ورعاء فأدام النظر إليه و رسول الله ص يرمقه فقال أبا وهب يعجبك هذا الشعب قال نعم قال هو لك و ما فيه فقال صفوان ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله ص . قال الواقدي فأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فكان قد أسلم و كان يكتب لرسول الله ص الوحي فربما أملى عليه رسول الله ص سميع عليم فيكتب عزيز حكيم و نحو ذلك و يقرأ على رسول الله ص فيقول كذلك الله و يقرأ فافتتن و قال و الله ما يدري ما يقول إني لأكتب له ما شئت فلا ينكر و إنه ليوحى إلي كما يوحى إلى محمد و خرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدا فأهدر رسول الله دمه و أمر بقتله يوم الفتح فلما كان يومئذ جاء إلى عثمان و كان أخاه من الرضاعة فقال يا أخي إني قد أجرتك فاحتبسني هاهنا و اذهب إلى محمد فكلمه في فإن محمدا إن رآني ضرب عنقي أن جرمي أعظم الجرم و قد جئت تائبا فقال عثمان قم فاذهب معي إليه قال كلا و الله إنه إن رآني ضرب عنقي و لم يناظرني قد أهدر دمي و أصحابه يطلبونني في كل موضع فقال عثمان انطلق معي فإنه لا يقتلك إن شاء الله فلم يرع رسول الله ص إلا بعثمان

[ 13 ]

آخذا بيد عبد الله بن سعد واقفين بين يديه فقال عثمان يا رسول الله هذا أخي من الرضاعة إن أمه كانت تحملني و تمشيه و ترضعني و تفطمه و تلطفني و تتركه فهبه لي فأعرض رسول الله ص عنه و جعل عثمان كلما أعرض رسول الله عنه استقبله بوجهه و أعاد عليه هذا الكلام و إنما أعرض ع عنه إرادة لأن يقوم رجل فيضرب عنقه فلما رأى ألا يقوم أحد و عثمان قد انكب عليه يقبل رأسه و يقول يا رسول الله بايعه فداك أبي و أمي على الإسلام فقال رسول الله ص نعم فبايعه . قال الواقدي قال رسول الله ص بعد ذلك للمسلمين ما منعكم أن يقوم منكم واحد إلى هذا الكلب فيقتله أو قال الفاسق فقال عباد بن بشر و الذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عنقه و يقال إن أبا البشير هو الذي قال هذا و يقال بل قاله عمر بن الخطاب فقال ع إني لا أقتل بالإشارة و قيل إنه قال إن النبي لا يكون له خائنة الأعين . قال الواقدي فجعل عبد الله بن سعد يفر من رسول الله ص كلما رآه فقال له عثمان بأبي أنت و أمي لو ترى ابن أم عبد يفر منك كلما رآك فتبسم رسول الله ص فقال أ و لم أبايعه و أؤمنه قال بلى و لكنه يتذكر عظم جرمه في الإسلام

فقال إن الإسلام يجب ما قبله قال الواقدي و أما الحويرث بن معبد و هو من ولد قصي بن كلاب فإنه كان يؤذي رسول الله ص بمكة فأهدر دمه فبينما هو في منزله يوم الفتح و قد أغلق عليه بابه جاء علي ع يسأل عنه فقيل له هو في البادية و أخبر الحويرث أنه جاء يطلبه و تنحى علي ع عن بابه فخرج الحويرث يريد أن

[ 14 ]

يهرب من بيت إلى بيت آخر فتلقاه علي ع فضرب عنقه . قال الواقدي و أما هبار بن الأسود فقد كان رسول الله ص أمر أن يحرقه بالنار ثم قال إنما يعذب بالنار رب النار اقطعوا يديه و رجليه إن قدرتم عليه ثم اقتلوه و كان جرمه أن نخس زينب بنت رسول الله ص لما هاجرت و ضرب ظهرها بالرمح و هي حبلى فأسقطت فلم يقدر المسلمون عليه يوم الفتح فلما رجع رسول الله ص إلى المدينة طلع هبار بن الأسود قائلا أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله فقبل النبي ص إسلامه فخرجت سلمى مولاة النبي ص فقالت لا أنعم الله بك عينا أنت الذي فعلت و فعلت فقال رسول الله ص و هبار يعتذر إليه أن الإسلام محا ذلك و نهى عن التعرض له . قال الواقدي قال ابن عباس رضي الله عنه رأيت رسول الله ص و هبار يعتذر إليه و هو يطأطئ رأسه استحياء مما يعتذر هبار و يقول له قد عفوت عنك . قال الواقدي و أما ابن خطل فإنه خرج حتى دخل بين أستار الكعبة فأخرجه أبو برزة الأسلمي منها فضرب عنقه بين الركن و المقام و يقال بل قتله عمار بن ياسر و قيل سعد بن حريث المخزومي و قيل شريك بن عبدة العجلاني و الأثبت أنه أبو برزة قال و كان جرمه أنه أسلم و هاجر إلى المدينة و بعثه رسول الله ص ساعيا و بعث معه رجلا من خزاعة فقتله و ساق ما أخذ من مال الصدقة و رجع إلى مكة فقالت له قريش ما جاء بك قال لم أجد دينا خيرا من دينكم و كانت له قينتان إحداهما قرينى و الأخرى قرينة أو أرنب و كان ابن خطل يقول

[ 15 ]

الشعر يهجو به رسول الله ص و يغنيان به و يدخل عليه المشركون بيته فيشربون عنده الخمر و يسمعون الغناء بهجاء رسول الله ص . قال الواقدي و أما مقيس بن صبابة فإن أمه سهمية و كان يوم الفتح عند أخواله بني سهم فاصطبح الخمر ذلك اليوم في ندامى له و خرج ثملا يتغنى و يتمثل بأبيات منها

دعيني أصطبح يا بكر إني
رأيت الموت نقب عن هشام
و نقب عن أبيك أبي يزيد
أخي القينات و الشرب الكرام
يخبرنا ابن كبشة أن سنحيا
و كيف حياة أصداء و هام
إذا ما الرأس زال بمنكبيه
فقد شبع الأنيس من الطعام
أ تقتلني إذا ما كنت حيا
و تحييني إذا رمت عظامي

فلقيه نميلة بن عبد الله الليثي و هو من رهطه فضربه بالسيف حتى قتله فقالت أخته ترثيه

لعمري لقد أخزى نميلة رهطه
و فجع أصناف النساء بمقيس
فلله عينا من رأى مثل مقيس
إذا النفساء أصبحت لم تخرس

و كان جرم مقيس من قبل أن أخاه هاشم بن صبابة أسلم و شهد المريسيع مع رسول الله ص فقتله رجل من رهط عبادة بن الصامت و قيل من بني عمرو بن عوف و هو لا يعرفه فظنه من المشركين فقضى له رسول الله ص بالدية على العاقلة فقدم مقيس أخوه المدينة فأخذ ديته و أسلم ثم عدا على قاتل أخيه فقتله و هرب مرتدا كافرا يهجو رسول الله ص بالشعر فأهدر دمه .

[ 16 ]

قال الواقدي فأما سارة مولاة بني هاشم و كانت مغنية نواحة بمكة و كانت قد قدمت على رسول الله ص المدينة تطلب أن يصلها و شكت إليه الحاجة و ذلك بعد بدر و أحد فقال لها أ ما كان لك في غنائك و نياحك ما يغنيك قالت يا محمد إن قريشا منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا استماع الغناء فوصلها رسول الله ص و أوقر لها بعيرا طعاما فرجعت إلى قريش و هي على دينها و كانت يلقى عليها هجاء رسول الله ص فتغنى به فأمر بها رسول الله ص يوم الفتح أن تقتل فقتلت و أما قينتا ابن خطل فقتل يوم الفتح إحداهما و هي أرنب أو قرينة و أما قريني فاستؤمن لها رسول الله ص فأمنها و عاشت حتى ماتت في أيام عثمان . قال الواقدي و قد روي أن رسول الله ص أمر بقتل وحشي يوم الفتح فهرب إلى الطائف فلم يزل بها مقيما حتى قدم مع وفد الطائف على رسول الله ص فدخل عليه فقال أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله فقال أ وحشي قال نعم قال اجلس و حدثني كيف قتلت حمزة فلما أخبره قال قم و غيب عني وجهك فكان إذا رآه توارى عنه .

قال الواقدي و حدثني ابن أبي ذئب و معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي عمرو بن عدي بن أبي الحمراء قال سمعت رسول الله ص يقول بعد فراغه من أمر الفتح و هو يريد الخروج من مكة أما و الله إنك لخير أرض الله و أحب بلاد الله إلي و لو لا أن أهلك أخرجوني ما خرجت . و زاد محمد بن إسحاق في كتاب المغازي أن هند بنت عتبة جاءت إلى رسول الله

[ 17 ]

ص مع نساء قريش متنكرة متنقبة لحدثها الذي كان في الإسلام و ما صنعت بحمزة حين جدعته و بقرت بطنه عن كبده فهي تخاف أن يأخذها رسول الله ص بحدثها ذلك فلما دنت منه و قال حين بايعنه على ألا يشركن بالله شيئا قلن نعم قال و لا يسرقن فقالت هند و الله أنا كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة و الهنيهة فما أعلم أ حلال ذلك أم لا فقال رسول الله ص و إنك لهند قالت نعم أنا هند و أنا أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله فاعف عما سلف عفا الله عنك فقال رسول الله ص و لا يزنين فقالت هند و هل تزني الحرة فقال لا و لا يقتلن أولادهن فقالت هند قد لعمري ربيناهم صغارا و قتلتهم كبارا ببدر فأنت و هم أعرف فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى أسفرت نواجذه قال و لا يأتين ببهتان يفترينه فقالت هند إن إتيان البهتان لقبيح فقال و لا يعصينك في معروف فقالت ما جلسنا هذه الجلسة و نحن نريد أن نعصيك . قال محمد بن إسحاق و من جيد شعر عبد الله بن الزبعرى الذي اعتذر به إلى رسول الله ص حين قدم عليه

منع الرقاد بلابل و هموم
فالليل ممتد الرواق بهيم
مما أتاني أن أحمد لامني
فيه فبت كأنني محموم
يا خير من حملت على أوصالها
عيرانة سرح اليدين سعوم

[ 18 ]

إني لمعتذر إليك من الذي
أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
أيان تأمرني بأغوى خطة
سهم و تأمرني به مخزوم
و أمد أسباب الردى و يقودني
أمر الغواة و أمرهم مشئوم
فاليوم آمن بالنبي محمد
قلبي و مخطئ هذه محروم
مضت العداوة و انقضت أسبابها
و دعت أواصر بيننا و حلوم
فاغفر فدى لك والدي كلاهما
زللي فإنك راحم مرحوم
و عليك من علم المليك علامة
نور أغر و خاتم مختوم
أعطاك بعد محبة برهانه
شرفا و برهان الإله عظيم
و لقد شهدت بأن دينك صادق
بر و شأنك في العباد جسيم
و الله يشهد أن أحمد مصطفى
متقبل في الصالحين كريم
فرع علا بنيانه من هاشم
دوح تمكن في العلا و أروم

قال الواقدي و في يوم الفتح سمى رسول الله ص أهل مكة الذين دخلها عليهم الطلقاء لمنه عليهم بعد أن أظفره الله بهم فصاروا أرقاء له و قد قيل له يوم الفتح قد أمكنك الله تعالى فخذ ما شئت من أقمار على غصون يعنون النساء فقال ع يأبى ذلك إطعامهم الضيف و إكرامهم البيت و وجؤهم مناحر الهدي . ثم نعود إلى تفسير ما بقي من ألفاظ الفصل قوله فإن كان فيك عجل فاسترفه

[ 19 ]

أي كن ذا رفاهية و لا ترهقن نفسك بالعجل فلا بد من لقاء بعضنا بعضا فأي حاجة بك إلى أن تعجل ثم فسر ذلك فقال إن أزرك في بلادك أي إن غزوتك في بلادك فخليق أن يكون الله بعثني للانتقام منك و إن زرتني أي إن غزوتني في بلادي و أقبلت بجموعك إلي . كنتم كما قال أخو بني أسد كنت أسمع قديما أن هذا البيت من شعر بشر بن أبي خازم الأسدي و الآن فقد تصفحت شعره فلم أجده و لا وقفت بعد على قائله و إن وقفت فيما يستقبل من الزمان عليه ألحقته . و ريح حاصب تحمل الحصباء و هي صغار الحصى و إذا كانت بين أغوار و هي ما سفل من الأرض و كانت مع ذلك ريح صيف كانت أعظم مشقة و أشد ضررا على من تلاقيه و جلمود يمكن أن يكون عطفا على حاصب و يمكن أن يكون عطفا على أغوار أي بين غور من الأرض و حرة و ذلك أشد لأذاها لما تكسبه الحرة من لفح السموم و وهجها و الوجه الأول أليق . و أعضضته أي جعلته معضوضا برءوس أهلك و أكثر ما يأتي أفعلته أن تجعله فاعلا و هي هاهنا من المقلوب أي أعضضت رءوس أهلك به كقوله قد قطع الحبل بالمرود . و جده عتبة بن ربيعة و خاله الوليد بن عتبة و أخوه حنظلة بن أبي سفيان قتلهم علي ع يوم بدر . و الأغلف القلب الذي لا بصيرة له كأن قلبه في غلاف قال تعالى وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ .

[ 20 ]

و المقارب العقل بالكسر الذي ليس عقله بجيد و العامة تقول فيما هذا شأنه مقارب بفتح الراء . ثم قال الأولى أن يقال هذه الكلمة لك . و نشدت الضالة طلبتها و أنشدتها عرفتها أي طلبت ما ليس لك . و السائمة المال الراعي و الكلام خارج مخرج الاستعارة . فإن قلت كل هذا الكلام يطابق بعضه بعضا إلا قوله فما أبعد قولك من فعلك و كيف استبعد ع ذلك و لا بعد بينهما لأنه يطلب الخلافة قولا و فعلا فأي بعد بين قوله و فعله . قلت لأن فعله البغي و الخروج على الإمام الذي ثبتت إمامته و صحت و تفريق جماعة المسلمين و شق العصا هذا مع الأمور التي كانت تظهر عليه و تقتضي الفسق من لبس الحرير و المنسوج بالذهب و ما كان يتعاطاه في حياة عثمان من المنكرات التي لم تثبت توبته منها فهذا فعله . و أما قوله فزعمه أنه أمير المؤمنين و خليفة المسلمين و هذا القول بعيد من ذلك الفعل جدا . و ما في قوله و قريب ما أشبهت مصدرية أي و قريب شبهك بأعمام و أخوال و قد ذكرنا من قتل من بني أمية في حروب رسول الله ص فيما تقدم و إليهم الإشارة بالأعمام و الأخوال لأن أخوال معاوية من بني عبد شمس كما أن أعمامه من بني عبد شمس . قوله و لم تماشها الهوينى أي لم تصحبها يصفها بالسرعة و المضي في الرءوس الأعناق

[ 21 ]

و أما قوله ادخل فيما دخل فيه الناس و حاكم القوم فهي الحجة التي يحتج بها أصحابنا له في أنه لم يسلم قتلة عثمان إلى معاوية و هي حجة صحيحة لأن الإمام يجب أن يطاع ثم يتحاكم إليه أولياء الدم و المتهمون فإن حكم بالحق استديمت حكومته و إلا فسق و بطلت إمامته . قوله فأما تلك التي تريدها قيل إنه يريد التعلق بهذه الشبهة و هي قتلة عثمان و قيل أراد به ما كان معاوية يكرر طلبه من أمير المؤمنين ع و هو أن يقره على الشام وحده و لا يكلفه البيعة قال إن ذلك كمخادعة الصبي في أول فطامه عن اللبن بما تصنعه النساء له مما يكره إليه الثدي و يسليه عنه و يرغبه في التعوض بغيره و كتاب معاوية الذي ذكرناه لم يتضمن حديث الشام

[ 22 ]