5

وَ قَالَ ع اَلْعِلْمُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ وَ اَلآْدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ وَ اَلْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ إنما قال العلم وراثة لأن كل عالم من البشر إنما يكتسب علمه من أستاذ يهذبه و موقف يعلمه فكأنه ورث العلم عنه كما يرث الابن المال عن أبيه و قد سبق منا كلام شاف في العلم و الأدب . و كان يقال عطية العالم شبيهة بمواهب الله عز و جل لأنها لا تنفد عند الجود بها و تبقى بكمالها عند مفيدها . و كان يقال الفضائل العلمية تشبه النخل بطي‏ء الثمرة بعيد الفساد . و كان يقال ينبغي للعالم ألا يترفع على الجاهل و أن يتطامن له بمقدار ما رفعه الله عليه و ينقله من الشك إلى اليقين و من الحيرة إلى التبيين لأن مكافحته قسوة و الصبر عليه و إرشاده سياسة . و مثاله قول بعض الحكماء الخير من العلماء من يرى الجاهل بمنزلة الطفل الذي هو بالرحمة أحق منه بالغلظة و يعذره بنقصه فيما فرط منه و لا يعذر نفسه في التأخر عن هدايته .

[ 94 ]

و كان يقال العلم في الأرض بمنزلة الشمس في الفلك لو لا الشمس لأظلم الجو و لو لا العلم لأظلم أهل الأرض . و كان يقال لا حلة أجمل من حلة الأدب لأن حلل الثياب تبلى و حلل الأدب تبقى و حلل الثياب قد يغتصبها الغاصب و يسرقها السارق و حلل الآداب باقية مع جوهر النفس . و كان يقال الفكرة الصحيحة أصطرلاب روحاني . و قال أوس بن حجر يرثي

إن الذي جمع السماحة و النجدة
و الحزم و النهي جمعا
الألمعي الذي يظن بك الظن
كان قد رأى و قد سمعا

و من كلام الحكماء النار لا ينقصها ما أخذ منها و لكن يخمدها ألا تجد حطبا و كذلك العلم لا يفنيه الاقتباس و لكن فقد الحاملين له سبب عدمه . قيل لبعضهم أي العلوم أفضل قال ما العامة فيه أزهد . و قال أفلاطون من جهل الشي‏ء و لم يسأل عنه جمع على نفسه فضيحتين . و كان يقال ثلاثة لا تجربة معهن أدب يزين و مجانبة الريبة و كف الأذى . و كان يقال عليكم بالأدب فإنه صاحب في السفر و مؤنس في الوحدة و جمال في المحفل و سبب إلى طلب الحاجة . و كان عبد الملك أديبا فاضلا و لا يجالس إلا أديبا . و روى الهيثم بن عدي عن مسعر بن كدام قال حدثني سعيد بن خالد الجدلي

[ 95 ]

قال لما قدم عبد الملك الكوفة بعد قتل مصعب دعا الناس يعرضهم على فرائضهم فحضرنا بين يديه فقال من القوم قلنا جديلة فقال جديلة عدوان قلنا نعم فأنشده

عذير الحي من عدوان
كانوا حية الأرض
بغى بعضهم بعضا
فلم يرعوا على بعض
و منهم كانت السادات
و الموفون بالقرض
و منهم حكم يقضي
فلا ينقض ما يقضي
و منهم من يجيز الناس
بالسنة و الفرض

ثم أقبل على رجل منا وسيم جسيم قدمناه أمامنا فقال أيكم يقول هذا الشعر قال لا أدري فقلت أنا من خلفه يقوله ذو الإصبع فتركني و أقبل على ذلك الرجل الجسيم فقال ما كان اسم ذي الإصبع قال لا أدري فقلت أنا من خلفه اسمه حرثان فتركني و أقبل عليه فقال له و لم سمي ذا الإصبع قال لا أدري فقلت أنا من خلفه نهشته حية في إصبعه فأقبل عليه و تركني فقال من أيكم كان فقال لا أدري فقلت أنا من خلفه من بني تاج الذين يقول الشاعر فيهم

فأما بنو تاج فلا تذكرنهم
و لا تتبعن عيناك من كان هالكا

فأقبل على الجسيم فقال كم عطاؤك قال سبعمائة درهم فأقبل علي و قال و كم عطاؤك أنت قلت أربعمائة فقال يا أبا الزعيزعة حط من عطاء هذا ثلاثمائة و زدها في عطاء هذا فرحت و عطائي سبعمائة و عطاؤه أربعمائة . و أنشد منشد بحضرة الواثق هارون بن المعتصم

[ 96 ]

أ ظلوم إن مصابكم رجلا
أهدى السلام تحية ظلم

فقال شخص رجل هو خبر إن و وافقه على ذلك قوم و خالفه آخرون فقال الواثق من بقي من علماء النحويين قالوا أبو عثمان المازني بالبصرة فأمر بإشخاصه إلى سر من رأى بعد إزاحة علته قال أبو عثمان فأشخصت فلما أدخلت عليه قال ممن الرجل قلت من مازن قال من مازن تميم أم من مازن ربيعة أم مازن قيس أم مازن اليمين قلت من مازن ربيعة قال باسمك بالباء يريد ما اسمك لأن لغة مازن ربيعة هكذا يبدلون الميم باء و الباء ميما فقلت مكر أي بكر فضحك و قال اجلس و اطمئن فجلست فسألني عن البيت فأنشدته منصوبا فقال فأين خبر إن فقلت ظلم قال كيف هذا قلت يا أمير المؤمنين ألا ترى أن البيت إن لم يجعل ظلم خبر إن يكون مقطوع المعنى معدوم الفائدة فلما كررت القول عليه فهم و قال قبح الله من لا أدب له ثم قال أ لك ولد قلت بنية قال فما قالت لك حين ودعتها قلت ما قالت بنت الأعشى

تقول ابنتي حين جد الرحيل
أرانا سواء و من قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا
فإنا بخير إذا لم ترم
أبانا إذا أضمرتك البلاد
نجفى و تقطع منا الرحم

قال فما قلت لها قال قلت أنشدتها بيت جرير

ثقي بالله ليس له شريك
و من عند الخليفة بالنجاح

فقال ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى ثم أمر لي بألف دينار و كسوة و ردني إلى البصرة

[ 97 ]