49

وَ قَالَ ع عَيْبُكَ مَسْتُورٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ قد قال الناس في الجد فأكثروا و إلى الآن لم يتحقق معناه و من كلام بعضهم إذا أقبل البخت باضت الدجاجة على الوتد و إذا أدبر البخت أسعر الهاون في الشمس . و من كلام الحكماء إن السعادة لتلحظ الحجر فيدعى ربا . و قال أبو حيان نوادر ابن الجصاص الدالة على تغفله و بلهه كثيرة جدا قد صنف فيها الكتب من جملتها أنه سمع إنسانا ينشد نسيبا فيه ذكر هند فأنكر ذلك و قال لا تذكروا حماة النبي ص إلا بخير و أشياء عجيبة أظرف من هذا و كانت سعادته تضرب بها الأمثال و كثرة أمواله التي لم يجتمع لقارون مثلها قال أبو حيان فكان الناس يعجبون من ذلك حتى أن جماعة من شيوخ بغداد كانوا يقولون إن ابن الجصاص أعقل الناس و أحزم الناس و أنه هو الذي ألحم الحال بين المعتضد و بين خمارويه بن أحمد بن طولون و سفر بينهما سفارة عجيبة و بلغ من الجهتين أحسن مبلغ و خطب قطر الندى بنت خمارويه للمعتضد و جهزها من مصر

[ 182 ]

على أجمل وجه و أعلى ترتيب و لكنه كان يقصد أن يتغافل و يتجاهل و يظهر البله و النقص يستبقي بذلك ماله و يحرس به نعمته و يدفع عنه عين الكمال و حسد الأعداء . قال أبو حيان قلت لأبي غسان البصري أظن ما قاله هؤلاء صحيحا فإن المعتضد مع حزمه و عقله و كماله و إصابة رأيه ما اختاره للسفارة و الصلح إلا و المرجو منه فيما يأتيه و يستقبله من أيامه نظير ما قد شوهد منه فيما مضى من زمانه و هل كان يجوز أن يصلح أمر قد تفاقم فساده و تعاظم و اشتد برسالة أحمق و سفارة أخرق فقال أبو غسان إن الجد ينسخ حال الأخرق و يستر عيب الأحمق و يذب عن عرض المتلطخ و يقرب الصواب بمنطقه و الصحة برأيه و النجاح بسعيه و الجد يستخدم العقلاء لصاحبه و يستعمل آراءهم و أفكارهم في مطالبه و ابن الجصاص على ما قيل و روي و حدث و حكي و لكن جده كفاه غائلة الحمق و حماه عواقب الخرق و لو عرفت خبط العاقل و تعسفه و سوء تأتيه و انقطاعه إذا فارقه الجد لعلمت أن الجاهل قد يصيب بجهله ما لا يصيب العالم بعلمه مع حرمانه . قال أبو حيان فقلت له فما الجد و ما هذا المعنى الذي علقت عليه هذه الأحكام كلها فقال ليس لي عنه عبارة معينة و لكن لي به علم شاف استفدته بالاعتبار و التجربة و السماع العريض من الصغير و الكبير و لهذا سمع من امرأة من الأعراب ترقص ابنا لها فتقول له رزقك الله جدا يخدمك عليه ذوو العقول و لا رزقك عقلا تخدم به ذوي الجدود

[ 183 ]