54

وَ قَالَ ع اَلْغِنَى فِي اَلْغُرْبَةِ وَطَنٌ وَ اَلْفَقْرُ فِي اَلْوَطَنِ غُرْبَةٌ قد تقدم لنا قول مقنع في الفقر و الغنى و مدحهما و ذمهما على عادتنا في ذكر الشي‏ء و نقيضه و نحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك . قال رجل لبقراط ما أشد فقرك أيها الحكيم قال لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجع لنفسك عن التوجع لي الفقر ملك ليس عليه محاسبة . و كان يقال أضعف الناس من لا يحتمل الغنى . و قيل للكندي فلان غني فقال أنا أعلم أن له مالا و لكني لا أعلم أ غني هو أم لا لأنني لا أدري كيف يعمل في ماله . قيل لابن عمر توفي زيد بن ثابت و ترك مائة ألف درهم قال هو تركها لكنها لم تتركه . و قالوا حسبك من شرف الفقر أنك لا ترى أحدا يعصي الله ليفتقر أخذه الشاعر فقال

يا عائب الفقر ألا تزدجر
عيب الغنى أكبر لو تعتبر
إنك تعصي الله تبغي الغنى
و ليس تعصي الله كي تفتقر

و كان يقال الحلال يقطر و الحرام يسيل

[ 191 ]

و قال بعض الحكماء أ لا ترون ذا الغنى ما أدوم نصبه و أقل راحته و أخس من ماله حظه و أشد من الأيام حذره و أغرى الدهر بنقصه و ثلمه ثم هو بين سلطان يرعاه و حقوق تسترعيه و أكفاء ينافسونه و ولد يودون موته قد بعث الغنى عليه من سلطانه العناء و من أكفائه الحسد و من أعدائه البغي و من ذوي الحقوق الذم و من الولد الملالة و تمني الفقد لا كذي البلغة قنع فدام له السرور و رفض الدنيا فسلم من الحسد و رضي بالكفاف فكفي الحقوق

[ 192 ]