محنة المقفع

و اجتمع ابن المقفع بالخليل بن أحمد و سمع كل منهما كلام الآخر فسئل الخليل عنه فقال وجدت علمه أكثر من عقله و هكذا كان فإنه كان مع حكمته متهورا لا جرم تهوره قتله كتب كتاب أمان لعبد الله بن علي عم المنصور و يوجد فيه خطه فكان من جملته و متى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله أو أبطن غير ما أظهر أو تأول في شي‏ء من شروط هذا الأمان فنساؤه طوالق و دوابه حبس و عبيده و إماؤه أحرار و المسلمون في حل من بيعته فاشتد ذلك على المنصور لما وقف عليه و سأل من الذي كتب له الأمان فقيل له عبد الله بن المقفع كاتب عميك عيسى و سليمان ابني علي بالبصرة فكتب المنصور إلى عامله بالبصرة سفيان بن معاوية يأمره بقتله و قيل بل قال أ ما أحد يكفيني ابن المقفع فكتب أبو الخصيب بها إلى

[ 270 ]

سفيان بن معاوية المهلبي أمير البصرة يومئذ و كان سفيان واجدا على ابن المقفع لأنه كان يعبث به و يضحك منه دائما فغضب سفيان يوما من كلامه و افترى عليه فرد ابن المقفع عليه ردا فاحشا و قال له يا ابن المغتلمة و كان يمتنع و يعتصم بعيسى و سليمان ابني علي بن عبد الله بن العباس فحقدها سفيان عليه فلما كوتب في أمره بما كوتب اعتزم قتله فاستأذن عليه جماعة من أهل البصرة منهم ابن المقفع فأدخل ابن المقفع قبلهم و عدل به إلى حجرة في دهليزه و جلس غلامه بدابته ينتظره على باب سفيان فصادف ابن المقفع في تلك الحجرة سفيان بن معاوية و عنده غلمانه و تنور نار يسجر فقال له سفيان أ تذكر يوم قلت لي كذا أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتله لم يقتل بها أحد ثم قطع أعضاءه عضوا عضوا و ألقاها في النار و هو ينظر إليها حتى أتى على جميع جسده ثم أطبق التنور عليه و خرج إلى الناس فكلمهم فلما خرجوا من عنده تخلف غلام ابن المقفع ينتظره فلم يخرج فمضى و أخبر عيسى بن علي و أخاه سليمان بحاله فخاصما سفيان بن معاوية في أمره فجحد دخوله إليه فأشخصاه إلى المنصور و قامت البينة العادلة أن ابن المقفع دخل دار سفيان حيا سليما و لم يخرج منها فقال المنصور أنا أنظر في هذا الأمر إن شاء الله غدا فجاء سفيان ليلا إلى المنصور فقال يا أمير المؤمنين اتق الله في صنيعتك و متبع أمرك قال لا ترع و أحضرهم في غد و قامت الشهادة و طلب سليمان و عيسى القصاص فقال المنصور أ رأيتم إن قتلت سفيان بابن المقفع ثم خرج ابن المقفع عليكم من هذا الباب و أومأ إلى باب خلفه من ينصب لي نفسه حتى أقتله بسفيان فسكتوا و اندفع الأمر و أضرب عيسى و سليمان عن ذكر ابن المقفع بعدها و ذهب دمه هدرا . قيل للأصمعي أيما كان أعظم ذكاء و فطنة الخليل أم ابن المقفع فقال كان ابن المقفع أفصح و أحكم و الخليل آدب و أعقل ثم قال شتان ما بين فطنة أفضت بصاحبها إلى القتل و فطنة أفضت بصاحبها إلى النسك و الزهد في الدنيا و كان الخليل قد نسك قبل أن يموت

[ 271 ]