249

وَ قَالَ ع فَرَضَ اَللَّهُ اَلْإِيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ اَلشِّرْكِ وَ اَلصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ اَلْكِبْرِ وَ اَلزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ وَ اَلصِّيَامَ اِبْتِلاَءً لِإِخْلاَصِ اَلْخَلْقِ وَ اَلْحَجَّ تَقْوِيَةً تَقْرِبَةً لِلدِّينِ وَ اَلْجِهَادَ عِزّاً لِلْإِسْلاَمِ وَ اَلْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ وَ اَلنَّهْيَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ وَ صِلَةَ اَلرَّحِمِ مَنْمَاةً لِلْعَدَدِ وَ اَلْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ وَ إِقَامَةَ اَلْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ وَ تَرْكَ شُرْبِ اَلْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ وَ مُجَانَبَةَ اَلسَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ وَ تَرْكَ اَلزِّنَى اَلزِّنَا تَحْصِيناً لِلنَّسَبِ وَ تَرْكَ اَللِّوَاطِ تَكْثِيراً لِلنَّسْلِ وَ اَلشَّهَادَاتِ اِسْتِظْهَاراً عَلَى اَلْمُجَاحَدَاتِ وَ تَرْكَ اَلْكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلصِّدْقِ وَ اَلسَّلاَمَ أَمَاناً مِنَ اَلْمَخَاوِفِ وَ اَلْإِمَامَةِ نِظَاماً لِلْأُمَّةِ وَ اَلطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلْإِمَامَةِ هذا الفصل يتضمن بيان تعليل العبادات إيجابا و سلبا . قال ع فرض الله الإيمان تطهيرا من الشرك و ذلك لأن الشرك نجاسة حكمية لا عينية و أي شي‏ء يكون أنجس من الجهل أو أقبح فالإيمان هو تطهير القلب من نجاسة ذلك الجهل . و فرضت الصلاة تنزيها من الكبر لأن الإنسان يقوم فيها قائما و القيام مناف للتكبر و طارد له ثم يرفع يديه بالتكبير وقت الإحرام بالصلاة فيصير على هيئة من يمد عنقه ليوسطه السياف ثم يستكتف كما يفعله العبيد الأذلاء بين يدي

[ 87 ]

السادة العظماء ثم يركع على هيئة من يمد عنقه ليضربها السياف ثم يسجد فيضع أشرف أعضائه و هو جبهته على أدون المواضع و هو التراب ثم تتضمن الصلاة من الخضوع و الخشوع و الامتناع من الكلام و الحركة الموهمة لمن رآها أن صاحبها خارج عن الصلاة و ما في غضون الصلاة من الأذكار المتضمنة الذل و التواضع لعظمة الله تعالى . و فرضت الزكاة تسبيبا للرزق كما قال الله تعالى وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ و قال مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ . و فرض الصيام ابتلاء لإخلاص الخلق

قال النبي ص حاكيا عن الله تعالى الصوم لي و أنا أجزي به و ذلك لأن الصوم أمر لا يطلع عليه أحد فلا يقوم به على وجهه إلا المخلصون . و فرض الحج تقوية للدين و ذلك لما يحصل للحاج في ضمنه من المتاجر و المكاسب قال الله تعالى لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اِسْمَ اَللَّهِ . . . عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ اَلْأَنْعامِ و أيضا فإن المشركين كانوا يقولون لو لا أن أصحاب محمد كثير و أولو قوة لما حجوا فإن الجيش الضعيف يعجز عن الحج من المكان البعيد . و فرض الجهاد عزا للإسلام و ذلك ظاهر قال الله تعالى وَ لَوْ لا دَفْعُ اَللَّهِ اَلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اَللَّهِ كَثِيراً و قال سبحانه وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اَللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ .

[ 88 ]

و فرض الأمر بالمعروف مصلحة للعوام لأن الأمر بالعدل و الإنصاف و رد الودائع و أداء الأمانات إلى أهلها و قضاء الديون و الصدق في القول و إيجاز الوعد و غير ذلك من محاسن الأخلاق مصلحة للبشر عظيمة لا محالة . و فرض النهي عن المنكر ردعا للسفهاء كالنهي عن الظلم و الكذب و السفه و ما يجري مجرى ذلك . و فرضت صلة الرحم منماة للعدد

قال النبي ص صلة الرحم تزيد في العمر و تنمي العدد . و فرض القصاص حقنا للدماء قال سبحانه وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي اَلْأَلْبابِ . و فرضت إقامة الحدود إعظاما للمحارم و ذلك لأنه إذا أقيمت الحدود امتنع كثير من الناس عن المعاصي التي تجب الحدود فيها و ظهر عظم تلك المعاصي عند العامة فكانوا إلى تركها أقرب . و حرم شرب الخمر تحصينا للعقل قال قوم لحكيم اشرب الليلة معنا فقال أنا لا أشرب ما يشرب عقلي و

في الحديث المرفوع أن ملكا ظالما خير إنسانا بين أن يجامع أمه أو يقتل نفسا مؤمنة أو يشرب الخمر حتى يسكر فرأى أن الخمر أهونها فشرب حتى سكر فلما غلبه قام إلى أمه فوطئها و قام إلى تلك النفس المؤمنة فقتلها ثم قال ع الخمر جماع الإثم الخمر أم المعاصي . و حرمت السرقة إيجابا للعفة و ذلك لأن العفة خلق شريف و الطمع خلق دني‏ء فحرمت السرقة ليتمرن الناس على ذلك الخلق الشريف و يجانبوا ذلك الخلق الذميم و أيضا حرمت لما في تحريمها من تحصين أموال الناس .

[ 89 ]

و حرم الزنا تحصينا للنسب فإنه يفضي إلى اختلاط المياه و اشتباه الأنساب و ألا ينسب أحد بتقدير ألا يشرع النكاح إلى أب بل يكون نسب الناس إلى أمهاتهم و في ذلك قلب الحقيقة و عكس الواجب لأن الولد مخلوق من ماء الأب و إنما الأم وعاء و ظرف . و حرم اللواط تكثيرا للنسل و ذلك اللواط بتقدير استفاضته بين الناس و الاستغناء به عن النساء يفضي إلى انقطاع النسل و الذرية و ذلك خلاف ما يريد الله تعالى من بقاء هذا النوع الشريف الذي ليس في الأنواع مثله في الشرف لمكان النفس الناطقة التي هي نسخة و مثال للحضرة الإلهية و لذلك سمت الحكماء الإنسان العالم الصغير . و حرم الاستمناء باليد و إتيان البهائم للمعنى الذي لأجله حرم اللواط و هو تقليل النسل و من مستحسن الكلمات النبوية

قوله ع في الاستمناء باليد ذلك الوأد الخفي لأن الجاهلية كانت تئد البنات أي تقتلهن خنقا و قد قدمنا ذكر سبب ذلك فشبه ع إتلاف النطفة التي هي ولد بالقوة بإتلاف الولد بالفعل . و أوجبت الشهادات على الحقوق استظهارا على المجاحدات

قال النبي ص لو أعطي الناس بدعاويهم لاستحل قوم من قوم دماءهم و أموالهم و وجب ترك الكذب تشريفا للصدق و ذلك لأن مصلحة العامة إنما تتم و تنتظم بالصدق فإن الناس يبنون أكثر أمورهم في معاملاتهم على الأخبار فإنها أعم من العيان و المشاهدة فإذا لم تكن صادقة وقع الخطأ في التدبيرات و فسدت أحوال الخلق . و شرع رد السلام أمانا من المخاوف لأن تفسير قول القائل سلام عليكم أي لا حرب بيني و بينكم بل بيني و بينكم السلام و هو الصلح .

[ 90 ]

و فرضت الإمامة نظاما للأمة و ذلك لأن الخلق لا يرتفع الهرج و العسف و الظلم و الغضب و السرقة عنهم إلا بوازع قوي و ليس يكفي في امتناعهم قبح القبيح و لا وعيد الآخرة بل لا بد لهم من سلطان قاهر ينظم مصالحهم فيردع ظالمهم و يأخذ على أيدي سفهائهم . و فرضت الطاعة تعظيما للإمامة و ذلك لأن أمر الإمامة لا يتم إلا بطاعة الرعية و إلا فلو عصت الرعية إمامها لم ينتفعوا بإمامته و رئاسته عليهم

[ 91 ]