نبذ من غريب كلام الإمام علي و شرحه لأبي عبيد

و لما كان تفسير الرضي رحمه الله قد تعرض للغريب من كلامه ع و رأينا أنه لم يذكر من ذلك إلا اليسير آثرنا أن نذكر جملة من غريب كلامه ع مما نقله أرباب الكتب المصنفة في غريب الحديث عنه ع . فمن ذلك

ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه لأن أطلي بجواء قدر أحب إلي من أن أطلي بزعفران . قال أبو عبيد هكذا الرواية عنه بجواء قدر قال و سمعت الأصمعي يقول إنما هي الجئاوة و هي الوعاء الذي يجعل القدر فيه و جمعها جياء . قال و قال أبو عمرو يقال لذلك الوعاء جواء و جياء قال و يقال للخرقة التي ينزل بها الوعاء عن الأثافي جعال . و

منها قوله ع حين أقبل يريد العراق فأشار إليه الحسن بن علي ع أن يرجع و الله لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد . قال أبو عبيد قال الأصمعي اللدم صوت الحجر أو الشي‏ء يقع على الأرض و ليس بالصوت الشديد يقال منه لدم ألدم بالكسر و إنما قيل ذلك للضبع لأنهم إذا أرادوا أن يصيدوها رموا في جحرها بحجر خفيف أو ضربوا بأيديهم فتحسبه

[ 118 ]

شيئا تصيده فتخرج لتأخذه فتصاد و هي زعموا أنها من أحمق الدواب بلغ من حمقها أن يدخل عليها فيقال أم عامر نائمة أو ليست هذه و الضبع هذه أم عامر فتسكت حتى تؤخذ فأراد علي ع أني لا أخدع كما تخدع الضبع باللدم . و منها

قوله ع من وجد في بطنه رزا فلينصرف و ليتوضأ . قال أبو عبيد قال أبو عمرو إنما هو أرزا مثل أرز الحية و هو دورانها و حركتها فشبه دوران الريح في بطنه بذلك . قال و قال الأصمعي هو الرز يعنى الصوت في البطن من القرقرة و نحوها قال الراجز

كان في ربابه الكبار
رز عشار جلن في عشار

و قال أبو عبيد فقه هذا الحديث أن ينصرف فيتوضأ و يبني على صلاته ما لم يتكلم و هذا إنما هو قبل أن يحدث . قلت و الذي أعرفه من الأرز أنه الانقباض لا الدوران و الحركة يقال أرز فلان بالفتح و بالكسر إذ تضام و تقبض من بخله فهو أروز و المصدر أرزا و أروزا قال رؤبة

فذاك يخال أروز الأرز

فأضاف الاسم إلى المصدر كما يقال عمر العدل و عمرو الدهاء لما كان العدل و الدهاء أغلب أحوالهما و قال أبو الأسود الدؤلي يذم إنسانا إذا سئل أرز و إذا دعي اهتز يعني إلى الطعام و

في الحديث أن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي يجتمع إليها و ينضم بعضه إلى بعض فيها .

[ 119 ]

و منها

قوله لئن وليت بني أمية لأنفضنهم نفض القصاب التراب الوذمة و قد تقدم منا شرح ذلك و الكلام فيه . و منها

قوله في ذي الثدية المقتول بالنهروان إنه مودن اليد أو مثدن اليد أو مخدع اليد قال أبو عبيدة قال الكسائي و غيره المودن اليد القصير اليد و يقال أودنت الشي‏ء أي قصرته و فيه لغة أخرى ودنته فهو مودون قال حسان يذم رجلا

و أملك سوداء مودونة
كأن أناملها الحنظب

و أما مثدن اليد بالثاء فإن بعض الناس قال نراه أخذه من الثندوة و هي أصل الثدي فشبه يده في قصرها و اجتماعها بذلك فإن كان من هذا فالقياس أن يقال مثند لأن النون قبل الدال في الثندوة إلا أن يكون من المقلوب فذاك كثير في كلامهم . و أما مخدع اليد فإنه القصير اليد أيضا أخذ من أخداج الناقة ولدها و هو أن تضعه لغير تمام في خلقه قال و قال الفراء إنما قيل ذو الثدية فأدخلت الهاء فيها و إنما هي تصغير ثدي و الثدي مذكر لأنها كأنها بقية ثدي قد ذهب أكثره فقللها كما تقول لحيمة و شحيمة فأنث على هذا التأويل قال و بعضهم يقول ذو اليدية قال أبو عبيد و لا أرى الأصل كان إلا هذا و لكن الأحاديث كلها تتابعت بالثاء ذو الثدية . و منها

قوله ع لقوم و هو يعاتبهم ما لكم لا تنظفون عذراتكم قال العذرة فناء الدار و إنما سميت تلك الحاجة عذرة لأنها بالأفنية كانت تلقى

[ 120 ]

فكنى عنها بالعذرة كما كنى عنها بالغائط و إنما الغائط الأرض المطمئنة و قال الحطيئة يهجو قوما

لعمري لقد جربتكم فوجدتكم
فباح الوجوه سيئ العذرات

و منها

قوله ع لا جمعة و لا تشريق إلا في مصر جامع قال أبو عبيد التشريق هاهنا صلاة العيد و سميت تشريقا لإضاءة وقتها فإن وقتها إشراق الشمس و صفاؤها و إضاءتها و

في الحديث المرفوع من ذبح قبل التشريق فليعد أي قبل صلاة العيد . قال و كان أبو حنيفة يقول التشريق هاهنا هو التكبير في دبر الصلاة يقول لا تكبير إلا على أهل الأمصار تلك الأيام لا على المسافرين أو من هو في غير مصر . قال أبو عبيد و هذا كلام لم نجدا أحدا يعرفه إن التكبير يقال له التشريق و ليس يأخذ به أحد من أصحابه لا أبو يوسف و لا محمد كلهم يرى التكبير على المسلمين جميعا حيث كانوا في السفر و الحضر و في الأمصار و غيرها . و منها

قوله ع استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم و بينه فكأني برجل من الحبشة أصعل أصمع حمش الساقين قاعدا عليها و هي تقدم قال أبو عبيدة هكذا يروى أصعل و كلام العرب المعروف صعل و هو الصغير الرأس و كذا رءوس الحبشة و لهذا قيل للظليم صعل و قال عنترة يصف ظليما

صعل يلوذ بذي العشيرة بيضه
كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم

[ 121 ]

قال و قد أجاز بعضهم أصعل في الصعل و ذكر أنها لغة لا أدري عمن هي و الأصمع الصغير الأذن و امرأة صمعاء . و في حديث ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يضحي بالصمعاء و حمش الساقين بالتسكين دقيقها . و منها

أن قوما أتوه برجل فقالوا إن هذا يؤمنا و نحن له كارهون فقال له إنك لخروط أ تؤم قوما هم لك كارهون قال أبو عبيد الخروط المتهور في الأمور الراكب برأسه جهلا و منه قيل انخرط علينا فلان أي اندرأ بالقول السيئ و الفعل قال و فقه هذا الحديث أنه ما أفتى ع بفساد صلاته لأنه لم يأمره بالإعادة و لكنه كره له أن يؤم قوما هم له كارهون و منها

أن رجلا أتاه و عليه ثوب من قهز فقال إن بني فلان ضربوا بني فلانة بالكناسة فقال ع صدقني سن بكره قال أبو عبيد هذا مثل تضربه العرب للرجل يأتي بالخبر على وجهه و يصدق فيه و يقال إن أصله أن الرجل ربما باع بعيره فيسأل المشتري عن سنه فيكذبه فعرض رجل بكرا له فصدق في سنه فقال الآخر صدقني سن بكره فصار مثلا . و القهز بكسر القاف ثياب بيض يخالطها حرير و لا أراها عربية و قد استعملها العرب قال ذو الرمة يصف البزاة البيض

[ 122 ]

من الورق أو صق كأن رءوسها
من القهز و القوهي بيض المقانع

و منها

ذكر ع آخر الزمان و الفتن فقال خير أهل ذلك الزمان كل نومة أولئك مصابيح الهدى ليسوا بالمسابيح و لا المذاييع البذر و قد تقدم شرح ذلك . و منها

أن رجلا سافر مع أصحاب له فلم يرجع حين رجعوا فاتهم أهله أصحابه و رفعوهم إلى شريح فسألهم البينة على قتله فارتفعوا إلى علي ع فأخبروه بقول شريح فقال

أوردها سعد و سعد مشتمل
يا سعد لا تروى بهذاك الإبل

ثم قال إن أهون السقي التشريع ثم فرق بينهم و سألهم فاختلفوا ثم أقروا بقتلهم فقتلهم به قال أبو عبيد هذا مثل أصله أن رجلا أورد إبله ماء لا تصل إليه الإبل إلا بالاستقاء ثم اشتمل و نام و تركها لم يستسق لها و الكلمة الثانية مثل أيضا يقول إن أيسر ما كان ينبغي أن يفعل بالإبل أن يمكنها من الشريعة و يعرض عليها الماء يقول أقل ما كان يجب على شريح أن يستقصي في المسألة و البحث عن خبر الرجل و لا يقتصر على طلب البينة .

[ 123 ]

و منها

قوله و قد خرج على الناس و هم ينتظرونه للصلاة قياما ما لي أراكم سامدين قال أبو عبيد أي قائمين و كل رافع رأسه فهو سامد و كانوا يكرهون أن ينتظروا الإمام قياما و لكن قعودا و السامد في غير هذا الموضع اللاهي اللاعب و منه قوله تعالى وَ أَنْتُمْ سامِدُونَ و قيل السمود الغناء بلغة حمير . و منها

أنه خرج فرأى قوما يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم قال أبو عبيد فهرهم بضم الفاء موضع مدراسهم الذي يجتمعون فيه كالعيد يصلون فيه و يسدلون ثيابهم و هي كلمة نبطية أو عبرانية أصلها بهر بالباء فعربت بالفاء . و السدل إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه فإن ضمه فليس بسدل و قد رويت فيه الكراهة عن النبي ص . و منها

أن رجلا أتاه في فريضة و عنده شريح فقال أ تقول أنت فيها أيها العبد الأبظر قال أبو عبيد هو الذي في شفته العليا طول و نتوء في وسطها محاذي الأنف قال و إنما نراه قال لشريح أيها العبد لأنه كان قد وقع عليه سبي في الجاهلية .

[ 124 ]

و منها

أن الأشعث قال له و هو على المنبر غلبتنا عليك هذه الحمراء فقال ع من يعذرني من هؤلاء الضياطرة يتخلف أحدهم يتقلب على فراشه و حشاياه كالعير و يهجر هؤلاء للذكر أ أطردهم إني إن طردتهم لمن الظالمين و الله لقد سمعته يقول و الله ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا قال أبو عبيد الحمراء العجم و الموالي سموا بذلك لأن الغالب على ألوان العرب السمرة و الغالب على ألوان العجم البياض و الحمرة و الضياطرة الضخام الذين لا نفع عندهم و لا غناء واحدهم ضيطار . و منها

قوله ع اقتلوا الجان ذا الطفيتين و الكلب الأسود ذا الغرتين قال أبو عبيد الجان حية بيضاء و الطفية في الأصل خوصة المقل و جمعها طفي ثم شبهت الخطتان على ظهر الحية بطفيتين و الغرة البياض في الوجه