نبذ من غريب كلام الإمام علي و شرحه لابن قتيبة

و قد ذكر ابن قتيبة في غريب الحديث له ع كلمات أخرى فمنها

قوله من أراد البقاء و لا بقاء فليباكر الغداء و ليخفف الرداء و ليقل غشيان النساء فقيل له يا أمير المؤمنين و ما خفة الرداء في البقاء فقال الدين

[ 125 ]

قال ابن قتيبة قوله الرداء الدين مذهب في اللغة حسن جيد و وجه صحيح لأن الدين أمانة و أنت تقول هو لك علي و في عنقي حتى أؤديه إليك فكأن الدين لازم للعنق و الرداء موضعه صفحتا العنق فسمى الدين رداء و كنى عنه به و قال الشاعر

إن لي حاجة إليك فقالت
بين أذني و عاتقي ما تريد

يريد بقوله بين أذني و عاتقي ما تريد في عنقي و المعنى أني قد ضمنته فهو علي و إنما قيل للسيف رداء لأن حمالته تقع موقع الرداء و هو في غير هذا الموضع العطاء يقال فلان غمر الرداء أي واسع العطاء قال و قد يجوز أن يكون كنى بالرداء عن الظهر لأنه يقع عليه يقول فليخفف ظهره و لا يثقله بالدين كما قال الآخر خماص الأزر يريد خماص البطون . و قال و بلغني نحو هذا الكلام عن أبي عبيد قال قال فقيه العرب من سره النساء و لا نساء فليبكر العشاء و ليباكر الغداء و ليخفف الرداء و ليقل غشيان النساء قال فالنس‏ء التأخير و منه إِنَّمَا اَلنَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ . و قوله فليبكر العشاء أي فليؤخره قال الشاعر

فأكريت العشاء إلى سهيل

و يجوز أن يريد فلينقص العشاء قال الشاعر

و الطل لم يفضل و لم يكر

[ 126 ]

و منها

أنه أتي ع بالمال فكوم كومة من ذهب و كومة من فضة فقال يا حمراء و يا بيضاء احمري و ابيضي و غري غيري

هذا جناي و خياره فيه
و كل جان يده إلى فيه

قال ابن قتيبة هذا مثل ضربه و كان الأصمعي يقوله و هجانه فيه أي خالصه و أصل المثل لعمرو بن عدي ابن أخت جذيمة الأبرش كان يجني الكمأة مع أتراب له فكان أترابه يأكلون ما يجدون و كان عمرو يأتي به خاله و يقول هذا القول . و منها

حديث أبي جأب قال جاء عمي من البصرة يذهب بي و كنت عند أمي فقالت لا أتركك تذهب به ثم أتت عليا ع فذكرت ذلك له فجاء عمي من البصرة فقال نعم و الله لأذهبن به و إن رغم أنفك فقال علي ع كذبت و الله و ولقت ثم ضرب بين يديه بالدرة . قال ولقت مثل كذبت و كذلك ولعت بالعين و كانت عائشة تقرأ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ و قال الشاعر

و هن من الأحلاف و الولعان

يعني النساء أي من أهل الأحلاف . و منها

قوله ع إن من ورائكم أمورا متماحلة ردحا و بلاء مكلحا مبلحا

[ 127 ]

قال ابن قتيبة المتماحلة الطوال يعني فتنا يطول أمرها و يعظم و يقال رجل متماحل و سبسب متماحل و الردح جمع رداح و هي العظيمة يقال للكتيبة إذا عظمت رداح و يقال للمرأة العظيمة العجيزة رداح . قال و منه حديث أبي موسى و قيل له زمن علي و معاوية أ هي أ هي فقال إنما هذه الفتنة حيضة من حيضات الفتن و بقيت الرداح المظلمة التي من أشرف أشرفت له . و مكلحا أي يكلح الناس بشدتها يقال كلح الرجل و أكلحه الكلحة الهم و المبلح من قولهم بلح الرجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر على أن يتحرك و أبلحه السير و قال الأعشى

و اشتكى الأوصال منه و بلح

و منها

قوله ع يوم خيبر

أنا الذي سمتن أمي حيدرة
كليث غابات كريه المنظرة
أفيهم بالصاع كيل السندرة

قال ابن قتيبة كانت أم علي ع سمته و أبو طالب غائب حين ولدته أسدا باسم أبيها أسد بن هاشم بن عبد مناف فلما قدم أبو طالب غير اسمه و سماه عليا و حيدرة اسم من أسماء الأسد و السندرة شجرة يعمل منها القسي و النبل قال

حنوت لهم بالسندري المؤثر

فالسندرة في الرجز يحتمل أن تكون مكيالا يتخذ من هذه الشجرة سمي باسمها كما يسمى القوس بنبعة قال و أحسب إن كان الأمر كذلك أن الكيل بها قد كان

[ 128 ]

جزافا فيه إفراط قال و يحتمل أن تكون السندرة هاهنا امرأة كانت تكيل كيلا وافيا أو رجلا . و منها

قوله ع من يطل أير أبيه يتمنطق به قال ابن قتيبة هذا مثل ضربه يريد من كثرت إخوته عز و اشتد ظهره و ضرب المنطقة إذا كانت تشد الظهر مثلا لذلك قال الشاعر

فلو شاء ربي كان أير أبيكم
طويلا كأير الحارث بن سدوس

قيل كان للحارث بن سدوس أحد و عشرون ذكرا و كان ضرار بن عمرو الضبي يقول ألا إن شر حائل أم فزوجوا الأمهات و ذلك أنه صرع فأخذته الرماح فاشتبك عليه إخوته لأمه حتى خلصوه . قال فأما المثل الآخر و هو قولهم من يطل ذيله يتمنطق به فليس من المثل الأول في شي‏ء و إنما معناه من وجد سعة وضعها في غير موضعها و أنفق في غير ما يلزمه الإنفاق فيه . و منها

قوله خير بئر في الأرض زمزم و شر بئر في الأرض برهوت . قال ابن قتيبة هي بئر بحضرموت يروى أن فيها أرواح الكفار . قال و قد ذكر أبو حاتم عن الأصمعي عن رجل من أهل حضرموت قال نجد فيها الرائحة المنتنة الفظيعة جدا ثم نمكث حينا فيأتينا الخبر بأن عظيما من عظماء الكفار قد مات فنرى أن تلك الرائحة منه قال و ربما سمع منها مثل أصوت الحاج فلا يستطيع أحد أن يمشي بها

[ 129 ]

و منها

قوله ع أيما رجل تزوج امرأة مجنونة أو جذماء أو برصاء أو بها قرن فهي امرأته إن شاء أمسك و إن شاء طلق قال ابن قتيبة القرن بالتسكين العفلة الصغيرة و منه حديث شريح أنه اختصم إليه في قرن بجارية فقال أقعدوها فإن أصاب الأرض فهو عيب و إن لم يصب الأرض فليس بعيب . و منها

قوله ع لود معاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلا طعن في نيطه قال ابن قتيبة الضرمة النار و ما بالدار نافخ ضرمة أي ما بها أحد . قال و قال أبو حاتم عن أبي زيد طعن فلان في نيطه أي في جنازته و من ابتدأ في شي‏ء أو دخل فيه فقد طعن فيه قال و يقال النيط الموت رماه الله بالنيط قال و قد روي إلا طعن بضم الطاء و هذا الراوي يذهب إلى أن النيط نياط القلب و هي علاقته التي يتعلق بها فإذا طعن إنسان في ذلك المكان مات . و منها

قوله ع إن الله أوحى إلى إبراهيم ع أن ابن لي بيتا في الأرض فضاق بذلك ذرعا فأرسل الله إليه السكينة و هي ريح خجوج فتطوقت حول البيت كالحجفة و قال ابن قتيبة الخجوج من الرياح السريعة المرور و يقال أيضا خجوجاء قال ابن أحمر

[ 130 ]

هوجاء رعبلة الرواح خجوجاة
الغدو رواحها شهر

قال و هذا مثل حديث علي ع الآخر و هو

أنه قال السكينة لها وجه كوجه الإنسان و هي بعد ريح هفافة أي خفيفة سريعة و الحجفة الترس . و منها

أن مكاتبا لبعض بني أسد قال جئت بنقد أجلبه إلى الكوفة فانتهيت به إلى الجسر فإني لأسربه عليه إذا أقبل مولى لبكر بن وائل يتخلل الغنم ليقطعها فنفرت نقدة فقطرت الرجل في الفرات فغرق فأخذت فارتفعنا إلى علي ع فقصصنا عليه القصة فقال انطلقوا فإن عرفتم النقدة بعينها فادفعوها إليهم و إن اختلطت عليكم فادفعوا شرواها من الغنم إليهم قال ابن قتيبة النقد غنم صغار الواحدة نقدة و منه قولهم في المثل أذل من النقد . و قوله أسربه أي أرسله قطعة قطعة و شرواها مثلها . و منها

قوله ع في ذكر المهدي من ولد الحسين ع قال إنه رجل أجلى الجبين أقنى الأنف ضخم البطن أربل الفخذين أفلج الثنايا بفخذه اليمنى شامة . قال ابن قتيبة الأجلى و الأجلح شي‏ء واحد و القنا في الأنف طوله و دقة أرنبته

[ 131 ]

و حدب في وسطه و الأربل الفخذين المتباعد ما بينهما و هو كالأفحج تربل الشي‏ء أي انفرج و الفلج صفرة في الأسنان . و منها

قوله ع إن بني أمية لا يزالون يطعنون في مسجل ضلالة و لهم في الأرض أجل حتى يهريقوا الدم الحرام في الشهر الحرام و الله لكأني أنظر إلى غرنوق من قريش يتخبط في دمه فإذا فعلوا ذلك لم يبق لهم في الأرض عاذر و لم يبق لهم ملك على وجه الأرض قال ابن قتيبة هو من قولك ركب فلان مسجله إذا جد في أمر هو فيه كلاما كان أو غيره و هو من السجل و هو الصب و الغرنوق الشاب . قلت و الغرنوق القرشي الذي قتلوه ثم انقضى أمرهم عقيب قتله إبراهيم الإمام و قد اختلفت الرواية في كيفية قتله فقيل قتل بالسيف و قيل خنق في جراب فيه نورة و حديث أمير المؤمنين ع يسند الرواية الأولى . و منها

ما روي أنه اشترى قميصا بثلاثة دراهم ثم قال الحمد لله الذي هذا من رياشه قال ابن قتيبة الريش و الرياش واحد و هو الكسوة قال عز و جل قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً و قرئ و رياشا . و منها

قوله ع لا قود إلا بالأسل قال ابن قتيبة هو ما أرهف و أرق من الحديد كالسنان و السيف و السكين و منه قيل أسلة الذراع لما استدق منه قال و أكثر الناس على هذا المذهب

[ 132 ]

و قوم من الناس يقولون قد يجوز أن القود بغير الحديد كالحجر و العصا إن كان المقتول قتل بغير ذلك . و منها

أنه ع رأى رجلا في الشمس فقال قم عنها فإنها مبخرة مجفرة و تثقل الريح و تبلي الثوب و تظهر الداء الدفين قال ابن قتيبة مبخرة تورث البخر في الفم و مجفرة تقطع عن النكاح و تذهب شهوة الجماع يقال جفر الفحل عن الإبل إذا أكثر الضراب حتى يمل و ينقطع و مثله قذر و تقذر قذورا و مثله أقطع فهو مقطع . و جاء

في الحديث أن عثمان بن مظعون قال يا رسول الله إني رجل تشق علي العزبة في المغازي أ فتأذن لي في الخصاء قال لا و لكن عليك بالصوم فإنه مجفر قال و قد روى عبد الرحمن عن الأصمعي عمه قال تكلم أعرابي فقال لا تنكحن واحدة فتحيض إذا حاضت و تمرض إذا مرضت و لا تنكحن اثنتين فتكون بين ضرتين و لا تنكحن ثلاثا فتكون بين أثاف و لا تنكحن أربعا فيفلسنك و يهرمنك و ينحلنك و يجفرنك فقيل له لقد حرمت ما أحل الله فقال سبحان الله كوزان و قرصان و طمران و عبادة الرحمن و قوله تثفل الريح أي تنتنها و الاسم الثفل و منه الحديث و ليخرجن ثفلات و الداء الدفين المستتر الذي قد قهرته الطبيعة فالشمس تعينه على الطبيعة و تظهره . و منها

قوله ع و هو يذكر مسجد الكوفة في زاويته فار التنور و فيه هلك يغوث و يعوق و هو الفاروق و منه يستتر جبل الأهواز و وسطه على روضة من

[ 133 ]

رياض الجنة و فيه ثلاث أعين أنبتت بالضغث تذهب الرجس و تطهر المؤمنين عين من لبن و عين من دهن و عين من ماء جانبه الأيمن ذكر و في جانبه الأيسر مكر و لو يعلم الناس ما فيه من الفضل لأتوه و لو حبوا . قال ابن قتيبة قوله أنبتت بالضغث أحسبه الضغث الذي ضرب أيوب أهله و العين التي ظهرت لما ركض الماء برجله قال و الباء في بالضغث زائدة تقديره أنبتت الضغث كقوله تعالى تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ و كقوله يَشْرَبُ بِها عِبادُ اَللَّهِ . و أما قوله في جانبه الأيمن ذكر فإنه يعني الصلاة و في جانبه الأيسر مكر أراد به المكر به حتى قتل ع في مسجد الكوفة . و منها

أن رسول الله ص بعث أبا رافع مولاه يتلقى جعفر بن أبي طالب لما قدم من الحبشة فأعطاه علي ع حتيا و عكة سمن و قال له أنا أعلم بجعفر أنه إن علم ثراه مرة واحدة ثم أطعمه فادفع هذا السمن إلى أسماء بنت عميس تدهن به بني أخي من صمر البحر و تطعمهم من الحتي . قال ابن قتيبة الحتي سويق يتخذ من المقل قال الهذلي يذكر أضيافه

لا در دري أن أطعمت نازلكم
قرف الحتي و عندي البر مكنوز

[ 134 ]

و قوله ثراه مرة أي بلة دفعة واحدة و أطعمه الناس و الثرى الندا و صمر البحر نتنه و غمقه و منه قيل للدبر الصمارى . و منها

قوله ع يوم الشورى لما تكلم الحمد لله الذي اتخذ محمدا منا نبيا و ابتعثه إلينا رسولا فنحن أهل بيت النبوة و معدن الحكمة أمان لأهل الأرض و نجاة لمن طلب إن لنا حقا إن نعطه نأخذه و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى لو عهد إلينا رسول الله ص عهدا لجالدنا عليه حتى نموت أو قال لنا قولا لأنفذنا قوله على رغمنا لن يسرع أحد قبلي إلى صلة رحم و دعوة حق و الأمر إليك يا ابن عوف على صدق النية و جهد النصح و أستغفر الله لي و لكم قال ابن قتيبة أي أن معناه ركبنا مركب الضيم و الذل لأن راكب عجز البعير يجد مشقة لا سيما إذا تطاول به الركوب على تلك الحال و يجوز أن يكون أراد نصبر على أن نكون أتباعا لغيرنا لأن راكب عجز البعير يكون ردفا لغيره . و منها

قوله ع لما قتل ابن آدم أخاه غمص الله الخلق و نقص الأشياء قال ابن قتيبة يقال غمصت فلانا أغمصه و اغتمصته إذا استصغرته و احتقرته قال و معنى الحديث أن الله تعالى نقص الخلق من عظم الأبدان و طولها من القوة و البطش و طول العمر و نحو ذلك و منها أن سلامة الكندي

قال كان علي ع يعلمنا الصلاة على

[ 135 ]

رسول الله ص فيقول اللهم داحي المدحوات و بارئ المسموكات و جبار القلوب على فطراتها شقيها و سعيدها اجعل شرائف صلواتك و نوامي بركاتك و رأفة تحياتك على محمد عبدك و رسولك الفاتح لما أغلق و الخاتم لما سبق و المعلن الحق بالحق و الدامغ جيشات الأباطيل كما حملته فاضطلع بأمرك لطاعتك مستوفزا في مرضاتك لغير نكل في قدم و لا وهن في عزم داعيا لوحيك حافظا لعهدك ماضيا على نفاذ أمرك حتى أورى قبسا لقابس آلاء الله تصل بأهله أسبابه به هديت القلوب بعد خوضات الفتن و الإثم موضحات الأعلام و نائرات الأحكام و منيرات الإسلام فهو أمينك المأمون و خازن علمك المخزون و شهيدك يوم الدين و بعيثك نعمة و رسولك بالحق رحمة اللهم افسح له مفسحا في عدلك و اجزه مضاعفات الخير من فضلك مهنآت غير مكدرات من فوز ثوابك المحلول و جزل عطائك المعلول اللهم أعل على بناء البانين بناءه و أكرم مثواه لديك و نزله و أتمم له نوره و اجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة مرضي المقالة ذا منطق عدل و خطة فصل و برهان عظيم . قال ابن قتيبة داحي المدحوات أي باسط الأرضين و كان الله تعالى خلقها ربوة ثم بسطها قال سبحانه وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها و كل شي‏ء بسطته فقد دحوته و منه قيل لموضع بيض النعامة أدحي لأنها تدحوه للبيض أي توسعه و وزنه أفعول و بارئ المسموكات خالق السموات و كل شي‏ء رفعته و أعليته فقد سمكته و سمك البيت و الحائط ارتفاعه قال الفرزدق

إن الذي سمك السماء بنى لنا
بيتا دعائمه أعز و أطول

[ 136 ]

و قوله جبار القلوب على فطراتها من قولك جبرت العظم فجبر إذا كان مكسورا فلأمته و أقمته كأنه أقام القلوب و أثبتها على ما فطرها عليه من معرفته و الإقرار به شقيها و سعيدها قال و لم أجعل إجبارا هاهنا من أجبرت فلانا على الأمر إذا أدخلته فيه كرها و قسرته لأنه لا يقال من أفعل فعال لا أعلم ذلك إلا أن بعض القراء قرأ أهديكم سبيل الرشاد بتشديد الشين و قال الرشاد الله فهذا فعال من أفعل و هي قراءة شاذة غير مستعملة فأما قول الله عز و جل وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فإنه أراد و ما أنت عليهم بمسلط تسليط الملوك و الجبابرة الملوك و اعتبار ذلك قوله لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ أي بمتسلط تسلط الملوك فإن كان يجوز أن يقال من أجبرت فلانا على الأمر أنا جبار له و كان هذا محفوظا فقد يجوز أن يجعل قول علي ع جبار القلوب من ذلك و هو أحسن في المعنى . و قوله الدامغ جيشات الأباطيل أي مهلك ما نجم و ارتفع من الأباطيل و أصل الدمغ من الدماغ كأنه الذي يضرب وسط الرأس فيدمغه أي يصيب الدماغ منه و منه قول الله عز و جل بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى اَلْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ أي يبطله و الدماغ مقتل فإذا أصيب هلك صاحبه . و جيشات مأخوذ من جاش الشي‏ء أي ارتفع و جاش الماء إذا طمى و جاشت النفس . و قوله كما حمل فاضطلع افتعل من الضلاعة و هي القوة .

[ 137 ]

و قوله لغير نكل في قدم النكل مصدر و هو النكول يقال نكل فلان عن الأمر ينكل نكولا فهذا المشهور و نكل بالكسر ينكل نكلا قليلة . و القدم التقدم قال أبو زيد رجل مقدام إذا كان شجاعا فالقدم يجوز أن يكون بمعنى التقدم و بمعنى المتقدم . قوله و لا وهن في عزم أي و لا ضعف في رأي . و قوله حتى أورى قبسا لقابس أي أظهر نورا من الحق يقال أوريت النار إذا قدحت ما ظهر بها قال سبحانه أَ فَرَأَيْتُمُ اَلنَّارَ اَلَّتِي تُورُونَ . و قوله آلاء الله تصل بأهله أسبابه يريد نعم الله تصل بأهل ذلك القبس و هو الإسلام و الحق سبحانه أسبابه و أهله المؤمنون به . قلت تقدير الكلام حتى أورى قبسا لقابس تصل أسباب ذلك القبس آلاء الله و نعمه بأهله المؤمنين به و اعلم أن اللام في لغير نكل متعلقة بقوله مستوفزا أي هو مستوفز لغير نكول بل للخوف منك و الخضوع لك . قال ابن قتيبة قوله ع به هديت القلوب بعد الكفر و الفتن موضحات الأعلام أي هديته لموضحات الأعلام يقال هديت الطريق و للطريق و إلى الطريق . و قوله نائرات الأحكام و منيرات الإسلام يريد الواضحات البينات يقال نار الشي‏ء و أنار إذا وضح . و قوله شهيدك يوم الدين أي الشاهد على الناس يوم القيامة و بعيثك رحمة أي مبعوثك فعيل في معنى مفعول .

[ 138 ]

و قوله افسح له مفسحا أي أوسع له سعة و روي مفتسحا بالتاء قوله في عدلك أي في دار عدلك يعني يوم القيامة و من رواه عدنك بالنون أراد جنة عدن . و قوله من جزل عطائك المعلول من العلل و هو الشرب بعد الشرب فالشرب الأول نهل و الثاني علل يريد أن عطاءه عز و جل مضاعف كأنه يعل عباده أي يعطيهم عطاء بعد عطاء . و قوله أعل على بناء البانين بناءه أي ارفع فوق أعمال العاملين عمله و أكرم مثواه أي منزلته من قولك ثويت بالمكان أي نزلته و أقمت به و نزله رزقه . و نحن قد ذكرنا بعض هذه الكلمات فيما تقدم على رواية الرضي رحمه الله و هي مخالفة لهذه الرواية و شرحنا ما رواه الرضي و ذكرنا الآن ما رواه ابن قتيبة و شرحه لأنه لا يخلو من فائدة جديدة . و منها

قوله ع خذ الحكمة أنى أتتك فإن الكلمة من الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتى تسكن إلى صاحبها . قال ابن قتيبة يريد الكلمة قد يعلمها المنافق فلا تزال تتحرك في صدره و لا تسكن حتى يسمعها منه المؤمن أو العالم فيعيها و يثقفها و يفقهها منه فتسكن في صدره إلى أخواتها من كلم الحكمة . و منها

قوله ع البيت المعمور نتاق الكعبة من فوقها . قال ابن قتيبة نتاق الكعبة أي مظل عليها من فوقها من قول الله سبحانه

[ 139 ]

وَ إِذْ نَتَقْنَا اَلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ أي زعزع فأظل عليهم . و منها

قوله ع أنا قسيم النار قال ابن قتيبة أراد أن الناس فريقان فريق معي فهم على هدى و فريق علي فهم على ضلالة كالخوارج و لم يجسر ابن قتيبة أن يقول و كأهل الشام يتورع يزعم ثم إن الله أنطقه بما تورع عن ذكره فقال متمما للكلام بقوله فأنا قسيم النار نصف في الجنة معي و نصف في النار قال و قسيم في معنى مقاسم مثل جليس و أكيل و شريب . قلت قد ذكر أبو عبيد الهروي هذه الكلمة في الجمع بين الغريبين قال و قال قوم إنه لم يرد ما ذكره و إنما أراد هو قسيم النار و الجنة يوم القيامة حقيقة يقسم الأمة فيقول هذا للجنة و هذا للنار

[ 140 ]