نبذ من الأقوال الحكيمة في الفقر و الغنى

هذا موضع قد اختلف الناس فيه كثيرا ففضل قوم الغنى و فضل قوم الفقر فقال أصحاب الغنى قد وصف الله تعالى المال فسماه خيرا فقال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي و قال ممتنا على عباده واعدا لهم بالإنعام و الإحسان وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ و قال وَ جَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً . و

قال النبي ص المال الحسب إن أحساب أهل الدنيا هذا المال و

قال ع نعم العون على تقوى الله المال .

[ 228 ]

قالوا و لا ريب أن الأعمال الجليلة العظيمة الثواب لا يتهيأ حصولها إلا بالمال كالحج و الوقوف و الصدقات و الزكوات و الجهاد . و

قد جاء في الخبر خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة . و قالت الحكماء المال يرفع صاحبه و إن كان وضيع النسب قليل الأدب و ينصره و إن كان جبانا و يبسط لسانه و إن كان عيا به توصل الأرحام و تصان الأعراض و تظهر المروءة و تتم الرئاسة و يعمر العالم و تبلغ الأغراض و تدرك المطالب و تنال المآرب يصلك إذا قطعك الناس و ينصرك إذا خذلوك و يستعبد لك الأحرار و لو لا المال لما بان كرم الكريم و لا ظهر لؤم اللئيم و لا شكر جواد و لا ذم بخيل و لا صين حريم و لا أدرك نعيم . و قال الشاعر

المال أنفع للفتى من علمه
و الفقر أقتل للفتى من جهله
ما ضر من رفع الدراهم قدره
جهل يناط إلى دناءة أصله

و قال آخر

دعوت أخي فولى مشمئزا
و لبى درهمي لما دعوت

و قال آخر

و لم أر أوفى ذمة من دراهمي
و أصدق عهدا في الأمور العظائم
فكم خانني خل وثقت بعهده
و كان صديقا لي زمان الدراهم

و قال آخر

أبو الأصفر المنقوش أنفع للفتى
من الأصل و العلم الخطير المقدم

[ 229 ]

و ما مدح العلم امرؤ ظفرت به
يداه و لكن كل مقو و معدم

و قال الشاعر

و لم أر بعد الدين خيرا من الغنى
و لم أر بعد الكفر شرا من الفقر

و قال العتابي الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع للشمس و هو عندهم أرفع من السماء و أعذب من الماء و أحلى من الشهد و أزكى من الورد خطؤه صواب و سيئته حسنة و قوله مقبول يغشى مجلسه و لا يمل حديثه و المفلس عندهم أكذب من لمعان السراب و من رؤيا الكظة و من مرآة اللقوة و من سحاب تموز لا يسأل عنه إن غاب و لا يسلم عليه إذا قدم إن غاب شتموه و إن حضر طردوه مصافحته تنقض الوضوء و قراءته تقطع الصلاة أثقل من الأمانة و أبغض من السائل المبرم . و قال بعض الشعراء الظرفاء و أحسن كل الإحسان مع خلاعته

أصون دراهمي و أذب عنها
لعلمي أنها سيفي و ترسي
و أذخرها و أجمعها بجهدي
و يأخذ وارثي منها و عرسي
فيأكلها و يشربها هنيئا
على النغمات من نقر و جس
و يقعد فوق قبري بعد موتي
و لا يتصدقن عني بفلس
أحب إلي من قصدي عظيما
كبيرا أصله من عبد شمس
أمد إليه كفي مستميحا
و أصبح عبد خدمته و أمسي
و يتركني أجر الرجل مني
و قد صارت كنفس الكلب نفسي

[ 230 ]

و قال أصحاب الفقر الغنى سبب الطغيان قال الله تعالى كَلاَّ إِنَّ اَلْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ و قال تعالى وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى اَلْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى‏ بِجانِبِهِ و كان يقال الغنى يورث البطر و غنى النفس خير من غنى المال . و قال محمود البقال

الفقر خير فاتسع و اقتصد
إن من العصمة ألا تجد
كم واجد أطلق وجدانه
عنانه في بعض ما لم يرد
و مدمن للخمر غاد على
سماع عود و غناء غرد
لو لم يجد خمرا و لا مسمعا
يرد بالماء غليل الكبد
كم من يد للفقر عند امرئ
طأطأ منه الفقر حتى اقتصد

و كان يقال الفقر شعار الصالحين و الفقر لباس الأنبياء و لذلك قال البحتري

فقر كفقر الأنبياء و غربة
و صبابة ليس البلاء بواحد

و كان يقال الفقر مخف و الغني مثقل . و

في الخبر نجا المخفون و ما أحسن قول أبي العتاهية

أ لم تر أن الفقر يرجى له الغنى
و أن الغنى يخشى عليه من الفقر

و قد ذم الله تعالى المال فقال إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ .

[ 231 ]

و كان يقال المال ملول المال ميال المال غاد و رائح طبع المال كطبع الصبي لا يوقف على وقت رضاه و لا وقت سخطه المال لا ينفعك حتى يفارقك و إلى هذا المعنى نظر القائل

و صاحب صدق ليس ينفع قربه
و لا وده حتى تفارقه عمدا

يعني الدينار . و ما أحسن ما قاله الأول

و قد يهلك الإنسان حسن رياشه
كما يذبح الطاوس من أجل ريشه

و قال آخر

رويدك إن المال يهلك ربه
إذا جم و استعلى و سد طريقه
و من جاوز الماء الغزير فمجه
و سد طريق الماء فهو غريقه

[ 232 ]