فصل في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

و نحن نذكر خلاصة ما يقوله أصحابنا في النهي عن المنكر و نترك الاستقصاء فيه للكتب الكلامية التي هي أولى ببسط القول فيها من هذا الكتاب . قال أصحابنا الكلام في ذلك يقع من وجوه منها وجوبه و منها طريق وجوبه و منها كيفية وجوبه و منها شروط حسنه و منها شروط وجوبه و منها كيفية إيقاعه و منها الكلام في الناهي عن المنكر و منها الكلام في النهي عن المنكر . أما وجوبه فلا ريب فيه لأن المنكر قبيح كله و القبيح يجب تركه فيجب النهي عنه . و أما طريق وجوبه فقد قال الشيخ أبو هاشم رحمه الله إنه لا طريق إلى وجوبه إلا السمع و قد أجمع المسلمون على ذلك و ورد به نص القرآن في غير موضع .

[ 308 ]

قال الشيخ أبو علي رحمه الله العقل يدل على وجوبه و إلى هذا القول مال شيخنا أبو الحسين رحمه الله . و أما كيفية وجوبه فإنه واجب على الكفاية دون الأعيان لأن الغرض ألا يقع المنكر فإذا وقع لأجل إنكار طائفة لم يبق وجه لوجوب الإنكار على من سواها . و أما شروط حسنه فوجوه منها أن يكون ما ينكره قبيحا لأن إنكار الحسن و تحريمه قبيح و القبيح على ضروب فمنه ما يقبح من كل مكلف و على كل حال كالظلم و منها ما يقبح من كل مكلف على وجه دون وجه كالرمي بالسهام و تصريف الحمام و العلاج بالسلاح لأن تعاطي ذلك لمعرفة الحرب و التقوى على العدو و لتعرف أحوال البلاد بالحمام حسن لا يجوز إنكاره و إن قصد بالاجتماع على ذلك الاجتماع على السخف و اللهو و معاشرة ذوي الريب و المعاصي فهو قبيح يجب إنكاره . و منه ما يقبح من مكلف و يحسن من آخر على بعض الوجوه كشرب النبيذ و التشاغل بالشطرنج فأما من يرى حظرهما أو يختار تقليد من يفتي بحظرهما فحرام عليه تعاطيهما على كل حال و متى فعلهما حسن الإنكار عليه و أما من يرى إباحتهما أو من يختار تقليد من يفتي بإباحتهما فإنه يجوز له تعاطيهما على وجه دون وجه و ذلك أنه يحسن شرب النبيذ من غير سكر و لا معاقرة و الاشتغال بالشطرنج للفرجة و تخريج الرأي و العقل و يقبح ذلك إذا قصد به السخف و قصد بالشرب المعاقرة و السكر فالثاني يحسن إنكاره و يجب و الأول لا يحسن إنكاره لأنه حسن من فاعله . و منها أن يعلم المنكر أن ما ينكره قبيح لأنه إذا جوز حسنه كان بإنكاره له و تحريمه إياه محرما لما لا يأمن أن يكون حسنا فلا يأمن أن يكون ما فعله من النهي

[ 309 ]

نهيا عن حسن و كل فعل لا يأمن فاعله أن يكون مختصا بوجه قبيح فهو قبيح أ لا ترى أنه يقبح من الإنسان أن يخبر على القطع بأن زيدا في الدار إذا لم يأمن ألا يكون فيها لأنه لا يأمن أن يكون خبره كذبا و منها أن يكون ما ينهى عنه واقعا لأن غير الواقع لا يحسن النهي عنه و إنما يحسن الذم عليه و النهي عن أمثاله . و منها ألا يغلب على ظن المنكر أنه إن أنكر المنكر فعله المنكر عليه و ضم إليه منكرا آخر و لو لم ينكر عليه لم يفعل المنكر الآخر فمتى غلب على ظنه ذلك قبح إنكاره لأنه يصير مفسدة نحو أن يغلب على ظننا أنا إن أنكرنا على شارب الخمر شربها شربها و قرن إلى شربها القتل و إن لم ننكر عليه شربها و لم يقتل أحدا . و منها ألا يغلب على ظن الناهي عن المنكر أن نهيه لا يؤثر فإن غلب على ظنه ذلك قبح نهيه عند من يقول من أصحابنا إن التكليف من المعلوم منه أنه يكفر لا يحسن إلا أن يكون فيه لطف لغير ذلك المكلف و أما من يقول من أصحابنا إن التكليف من المعلوم منه أنه يكفر حسن و إن لم يكن فيه لطف لغير المكلف فإنه لا يصح منه القول بقبح هذا الإنكار . فأما شرائط وجوب النهي عن المنكر فأمور منها أن يغلب على الظن وقوع المعصية نحو أن يضيق وقت صلاة الظهر و يرى الإنسان لا يتهيأ للصلاة أو يراه تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلته و متى لم يكن كذلك حسن منا أن ندعوه إلى الصلاة و إن لم يجب علينا دعاؤه . و منها ألا يغلب على ظن الناهي عن المنكر أنه إن أنكر المنكر لحقته في نفسه و أعضائه مضرة عظيمة فإن غلب ذلك على ظنه و أنه لا يمتنع من ينكر عليه من فعل

[ 310 ]

ما ينكره عليه أيضا فإنه لا يجب عليه الإنكار بل و لا يحسن منه لأنه مفسدة . و إن غلب على ظنه أنه لا يفعل ما أنكره عليه و لكنه يضر به نظر فإن كان إضراره به أعظم قبحا مما يتركه إذا أنكر عليه فإنه لا يحسن الإنكار عليه لأن الإنكار عليه قد صار و الحالة هذه مفسدة نحو أن ينكر الإنسان على غيره شرب الخمر فيترك شربها و يقتله و إن كان ما يتركه إذا أنكر عليه أعظم قبحا مما ينزل به من المضرة نحو أن يهم بالكفر فإذا أنكر عليه تركه و جرح المنكر عليه أو قتله فإنه لا يجب عليه الإنكار و يحسن منه الإنكار أما قولنا لا يجب عليه الإنكار فلأن الله تعالى قد أباحنا التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه فبأن يبيحنا ترك غيرنا أن يتلفظ بذلك عند الخوف على النفس أولى و أما قولنا إنه يحسن الإنكار فلأن في الإنكار مع الظن لما ينزل بالنفس من المضرة إعزازا للدين كما أن في الامتناع من إظهار كلمة الكفر مع الصبر على قتل النفس إعزازا للدين لا فضل بينهما . فأما كيفية إنكار المنكر فهو أن يبتدئ بالسهل فإن نفع و إلا ترقى إلى الصعب لأن الغرض ألا يقع المنكر فإذا أمكن ألا يقع بالسهل فلا معنى لتكلف الصعب و لأنه تعالى أمر بالإصلاح قبل القتال في قوله فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى اَلْأُخْرى‏ فَقاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي . فأما الناهي عن المنكر من هو فهو كل مسلم تمكن منه و اختص بشرائطه لأن الله تعالى قال وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ و لإجماع المسلمين على أن كل من شاهد غيره تاركا للصلاة غير محافظ عليها فله أن يأمره بها بل يجب عليه إلا أن الإمام و خلفاءه أولى بالإنكار بالقتال لأنه أعرف بسياسة الحرب و أشد استعدادا لآلاتها .

[ 311 ]

فأما المنهي من هو فهو كل مكلف اختص بما ذكرناه من الشروط و غير المكلف إذا هم بالإضرار لغيره منه و يمنع الصبيان و ينهون عن شرب الخمر حتى لا يتعودوه كما يؤاخذون بالصلاة حتى يمرنوا عليها و هذا ما ذكره أصحابنا . فأما قوله ع و منهم المنكر بلسانه و قلبه و التارك بيده فذلك متمسك بخصلتين من خصال الخير و مضيع خصلة فإنه يعني به من يعجز عن الإنكار باليد لمانع لأنه لم يخرج هذا الكلام مخرج الذم و لو كان لم يعن العاجز لوجب أن يخرج الكلام مخرج الذم لأنه ليس بمعذور في أن ينكر بقلبه و لسانه إذا أخل بالإنكار باليد مع القدرة على ذلك و ارتفاع الموانع . و أما قوله ضيع أشرف الخصلتين فاللام زائدة و أصله ضيع أشرف خصلتين من الثلاث لأنه لا وجه لتعريف المعهود هاهنا في الخصلتين بل تعريف الثلاث باللام أولى و يجوز حذفها من الثلاث و لكن إثباتها أحسن كما تقول قتلت أشرف رجلين من الرجال الثلاثة . و أما قوله فذلك ميت الأحياء فهو نهاية ما يكون من الذم . و اعلم أن النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف عند أصحابنا أصل عظيم من أصول الدين و إليه تذهب الخوارج الذين خرجوا على السلطان متمسكين بالدين و شعار الإسلام مجتهدين في العبادة لأنهم إنما خرجوا لما غلب على ظنونهم أو علموا جور الولاة و ظلمهم و أن أحكام الشريعة قد غيرت و حكم بما لم يحكم به الله و على هذا الأصل تبنى الإسماعيلية من الشيعة قتل ولاة الجور غيلة و عليه بناء أصحاب الزهد في الدنيا الإنكار على الأمراء و الخلفاء و مواجهتهم بالكلام الغليظ لما عجزوا عن الإنكار باليد و بالجملة فهو أصل شريف أشرف من جميع أبواب البر و العبادة كما قال أمير المؤمنين ع

[ 312 ]