أقوال مأثورة في الجود و البخل

قال بعض الحكماء السخاء هيئة للإنسان داعية إلى بذل المقتنيات حصل معه البذل لها أو لم يحصل و ذلك خلق و يقابله الشح و أما الجود فهو بذل المقتنى و يقابله البخل هذا هو الأصل و إن كان كل واحد منها قد يستعمل في موضع الآخر و الذي يدل على صحة هذا الفرق أنهم جعلوا اسم الفاعل من السخاء و الشح على بناء الأفعال الغريزية فقالوا شحيح و سخي فبنوه على فعيل كما قالوا حليم و سفيه و عفيف و قالوا جائد و باخل فبنوهما على فاعل كضارب و قاتل فأما قولهم بخيل فمصروف عن لفظ فاعل للمبالغة كقولهم في راحم رحيم و يدل أيضا على أن السخاء غريزة و خلق أنهم لم يصفوا البارئ سبحانه به فيقولوا سخي فأما الشح فقد عظم أمره و خوف منه و لهذا

قال ع ثلاث مهلكات شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسه فخص المطاع تنبيها على أن وجود الشح

[ 317 ]

في النفس فقط ليس مما يستحق به ذم لأنه ليس من فعله و إنما يذم بالانقياد له قال سبحانه وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ و قال وَ أُحْضِرَتِ اَلْأَنْفُسُ اَلشُّحَّ . و

قال ع لا يجتمع شح و إيمان في قلب أبدا . فأما الجود فإنه محمود على جميع ألسنة العالم و لهذا قيل كفى بالجود مدحا أن اسمه مطلقا لا يقع إلا في حمد و كفى بالبخل ذما أن اسمه مطلقا لا يقع إلا في ذم . و قيل لحكيم أي أفعال البشر أشبه بأفعال الباري سبحانه فقال الجود . و

قال النبي ص الجود شجرة من أشجار الجنة من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى الجنة و البخل شجرة من أشجار النار من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار . و من شرف الجود أن الله سبحانه قرن ذكره بالإيمان و وصف أهله بالفلاح و الفلاح اسم جامع لسعادة الدارين قال سبحانه اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ إلى قوله وَ أُولئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ و قال وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ . و حق للجود بأن يقرن بالإيمان فلا شي‏ء أخص به و أشد مجانسة له منه فإن من صفة المؤمن انشراح الصدر كما قال تعالى فَمَنْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّماءِ و هذا من صفات الجواد و البخيل لأن الجواد واسع الصدر منشرح مستبشر للإنفاق و البذل و البخيل قنوط ضيق الصدر حرج القلب ممسك . و

قال النبي ص و أي داء أدوأ من البخل . و البخل على ثلاثة أضرب بخل الإنسان بماله على نفسه و بخله بماله على غيره و بخله

[ 318 ]

بمال غيره على نفسه أو على غيره و أفحشها بخله بمال غيره على نفسه و أهونها و إن كان لا هين فيها بخله بماله على غيره . و

قال ع اللهم اجعل لمنفق خلفا و لممسك تلفا . و

قال إن الله عز و جل ينزل المعونة على قدر المئونة . و

قال أيضا من وسع وسع عليه . و قالت الفلاسفة الجود على أقسام فمنها الجود الأعظم و هو الجود الإلهي و هو الفيض العام المطلق و إنما يختلف لاختلاف المواد و استعداداتها و إلا فالفيض في نفسه عام غير خاص و بعده جود الملوك و هو الجود بجزء من المال على من تدعوهم الدواعي و الأغراض إلى الجود عليه و يتلوه جود السوقة و هو بذل المال للعفاة أو الندامى و الشرب و المعاشرين و الإحسان إلى الأقارب . قالوا و اسم الجود مجاز إلا الجود الإلهي العام فإنه عار عن الغرض و الداعي و أما من يعطي لغرض و داع نحو أن يحب الثناء و المحمدة فإنه مستعيض و تاجر يعطي شيئا ليأخذ شيئا قالوا قول أبي نواس

فتى يشتري حسن الثناء بماله
و يعلم أن الدائرات تدور

ليس بغاية في الوصف بالجود التام بل هو وصف بتجارة محمودة و أحسن منه قول ابن الرومي

و تاجر البر لا يزال له
ربحان في كل متجر تجره
أجر و حمد و إنما طلب الأجر
و لكن كلاهما اعتوره

و أحسن منهما قول بشار

ليس يعطيك للرجاء و لا الخوف
و لكن يلذ طعم العطاء

و نحن قد ذكرنا ما في هذا الموضع من البحث العقلي في كتبنا العقلية

[ 319 ]