أقوال في العين و السحر و الفأل و العدوى و الطيرة

و قد جاء في الحديث المرفوع العين حق و لو كان شي‏ء يسبق القدر لسبقته العين و إذا استغسلتم فاغسلوا قالوا في تفسيره إنهم كانوا يطلبون من العائن أن يتوضأ بماء ثم يسقي منه المعين و يغتسل بسائره . و في حديث عائشة العين حق كما أن محمدا حق . و للحكماء في تعليل ذلك قول لا بأس به قالوا هذا عائد إلى نفس العائن و ذلك لأن الهيولى مطيعة للأنفس متأثرة بها أ لا ترى أن نفوس الأفلاك تؤثر فيها بتعاقب الصور عليها و النفوس البشرية من جوهر نفوس الأفلاك و شديدة الشبه بها إلا أن نسبتها إليها نسبة السراج إلى الشمس فليست عامة التأثير بل تأثيرها في أغلب الأمر في بدنها خاصة و لهذا يحمى مزاج الإنسان عند الغضب

[ 373 ]

يستعد للجماع عند تصور النفس صورة المعشوق فإذن قد صار تصور النفس مؤثرا فيما هو خارج عنها لأنها ليست حالة في البدن فلا يستبعد وجود نفس لها جوهر مخصوص مخالف لغيره من جواهر النفوس تؤثر في غير بدنها و لهذا يقال إن قوما من الهند يقتلون بالوهم و الإصابة بالعين من هذا الباب و هو أن تستحسن النفس صورة مخصوصة و تتعجب منها و تكون تلك النفس خبيثة جدا فينفعل جسم تلك الصورة مطيعا لتلك النفس كما ينفعل البدن للسم . و

في حديث أم سلمة أن رسول الله ص رأى في وجه جارية لها سعفة فقال إن بها نظرة فاسترقوا لها . و

قال عوف بن مالك الأشجعي كنا نرقي في الجاهلية فقلت يا رسول الله ما ترى في ذلك فقال أعرضوا على رقاكم فلا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك

كان ناس من أصحاب رسول الله ص في سفر فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم و قالوا لهم هل فيكم من راق فإن سيد الحي لديغ فقال رجل منهم نعم فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرأ فأعطي قطيعا من الغنم فأبى أن يقبلها حتى يأتي رسول الله ص فذكر ذلك لرسول الله ص و قال و عيشك ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب فقال ما أدراكم إنها رقية خذوا منهم و اضربوا لي معكم بسهم و

روى بريدة قال قال رسول الله ص و قد ذكرت عنده الطيرة من عرض له من هذه الطيرة شي‏ء فليقل اللهم لا طير إلا طيرك و لا خير إلا خيرك و لا إله غيرك و لا حول و لا قوة إلا بالله و

عنه ع ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له

[ 374 ]

أنس بن مالك يرفعه لا عدوى و لا طيرة و يعجبني الفأل الصالح قالوا فما الفأل الصالح قال الكلمة الطيبة و

عنه ع تفاءلوا و لا تطيروا و

روى عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ص كان لا يتطير من شي‏ء و كان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه فإذا أعجبه سر به و رئي بشر ذلك في وجهه و إن كره اسمه رئيت الكراهة على وجهه و إذا دخل قرية سأل عن اسمها فإن أعجبه ظهر على وجهه . بنى عبيد الله بن زياد بالبصرة دارا عظيمة فمر بها بعض الأعراب فرأى في دهليزها صورة أسد و كلب و كبش فقال أسد كالح و كبش ناطح و كلب نابح و الله لا يمتع بها فلم يلبث عبيد الله فيها إلا أياما يسيرة .

أبو هريرة يرفعه إذا ظننتم فلا تحققوا و إذا تطيرتم فامضوا و على الله فتوكلوا و

قال ع أحسنها الفأل و لا يرد قدرا و لكن إذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت و لا يدفع السيئات إلا أنت و لا حول و لا قوة إلا بك . و قال بعض الشعراء

لا يعلم المرء ليلا ما يصبحه
إلا كواذب ما يجري به الفأل
و الفأل و الزجر و الكهان كلهم
مضللون و دون الغيب أقفال

و

عن النبي ص القيافة و الطرق و الطيرة من الخبث

ابن عباس يرفعه من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر

أبو هريرة يرفعه من أتى كاهنا فصدقه فيما يقول فقد برئ مما أنزل الله على أبي القاسم .

[ 375 ]

شاعر

لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى
و لا زاجرت الطير ما الله صانع

و قال آخر

لا يقعدنك عن بغاء
الخير تعقاد العزائم
فلقد غدوت و كنت لا
أغدو على راق و حائم
فإذا الأشائم كالأيامن
و الأيامن كالأشائم
و كذاك لا خير و لا
شر على أحد بدائم

تفاءل هشام بن عبد الملك بنصر بن سيار فقلده خراسان فبقي فيها عشر سنين . و تفاءل عامر بن إسماعيل قاتل مروان بن محمد باسم رجل لقيه فسأله عن اسمه فقال منصور بن سعد قال من أي العرب قال من سعد العشيرة فاستصحبه و طلب مروان فظفر به و قتله . و تفاءل المأمون بمنصور بن بسام فكان سبب مكانته عنده . قالوا إنما أصل اليد اليسرى العسرى إلا أنهم أبدلوا اليسرى من اليسر تفاؤلا . مزرد بن ضرار

و إني امرؤ لا تقشعر ذؤابتي
من الذئب يعوي و الغراب المحجل

الكميت

و لا أنا ممن يزجر الطير همه
أ صاح غراب أم تعرض ثعلب

و قال بعض العرب خرجت في طلب ناقة ضلت لي فسمعت قائلا يقول

و لئن بعثت لها بغاة
فما البغاة بواجدينا

[ 376 ]

فلم أتطير و مضيت لوجهي فلقيني رجل قبيح الوجه به ما شئت من عاهة فلم أتطير و تقدمت فلاحت لي أكمة فسمعت منها صائحا

و الشر يلقى مطالع الأكم

فلم أكترث و لا انثنيت و علوتها فوجدت ناقتي قد تفاجت للولادة فنتجتها و عدت إلى منزلي بها و معها ولدها .

و قيل لعلي ع لا تحاربهم اليوم فإن القمر في العقرب فقال قمرنا أم قمرهم و

روي عنه ع أنه كان يكره أن يسافر أو يتزوج في محاق الشهر و إذا كان القمر في العقرب و روي أن ابن عباس قال على منبر البصرة إن الكلاب من الحن و إن الحن من ضعفاء الجن فإذ غشيكم منهم شي‏ء فألقوا إليه شيئا أو اطردوه فإن لها أنفس سوء . و قال أبو عثمان الجاحظ كان علماء الفرس و الهند و أطباء اليونانيين و دهاة العرب و أهل التجربة من نازلة الأمصار و حذاق المتكلمين يكرهون الأكل بين يدي السباع يخافون عيونها للذي فيها من النهم و الشره و لما ينحل عند ذلك من أجوافها من البخار الردي‏ء و ينفصل من عيونها مما إذا خالط الإنسان نقض بنية قلبه و أفسده و كانوا يكرهون قيام الخدم بالمذاب و الأشربة على رءوسهم خوفا من أعينهم و شدة ملاحظتهم إياهم و كانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا و كانوا يقولون في الكلب و السنور إما أن يطرد أو يشغل بما يطرح له .

[ 377 ]

و قالت الحكماء نفوس السباع أردأ النفوس و أخبثها لفرط شرهها و شرها قالوا و قد وجدنا الرجل يضرب الحية بعصا فيموت الضارب و الحية لأن سم الحية فصل منها حتى خالط أحشاء الضارب و قلبه و نفذ في مسام جسده . و قد يديم الإنسان النظر إلى العين المحمرة فتعتري عينه حمرة و التثاؤب يعدي أعداء ظاهرا و يكره دنو الطامث من اللبن لتسوطه لأن لها رائحة و بخارا يفسد اللبن المسوط . و قال الأصمعي رأيت رجلا عيونا كان يذكر عن نفسه أنه إذا أعجبه الشي‏ء وجد حرارة تخرج من عينه . و قال أيضا كان عندنا عيونان فمر أحدهما بحوض من حجارة فقال تالله ما رأيت كاليوم حوضا فانصدع فلقتين فمر عليه الثاني فقال و أبيك لقلما ضررت أهلك فيك فتطاير أربع فلق . و سمع آخر صوت بول من وراء جدار حائط فقال إنك كثير الشخب فقالوا هو ابنك فقال أوه انقطع ظهره فقيل لا بأس عليه إن شاء الله فقال و الله لا يبول بعدها أبدا فما بال حتى مات . و سمع آخر صوت شخب ناقة بقوة فأعجبه فقال أيتهن هذه فوروا بأخرى عنها فهلكتا جميعا المورى بها و المورى عنها قال رجل من خاصة المنصور له قبل أن يقتل أبا مسلم بيوم واحد إني رأيت اليوم لأبي مسلم ثلاثا تطيرت له منها قال ما هي قال ركب فوقعت قلنسوته

[ 378 ]

عن رأسه فقال المنصور الله أكبر تبعها و الله رأسه فقال و كبا به فرسه فقال الله أكبر كبا و الله جده و أصلد زنده فما الثالثة قال إنه قال لأصحابه أنا مقتول و إنما أخادع نفسي و إذا رجل ينادي آخر من الصحراء اليوم آخر الأجل يا فلان فقال الله أكبر انقضى أجله إن شاء الله و انقطع من الدنيا أثره فقتل في غد ذلك اليوم . تجهز النابغة الذبياني للغزو و اسمه زياد بن عمرو مع زبان بن سيار الفزاري فلما أراد الرحيل سقطت عليه جرادة فتطير و قال ذات لونين تجرد غري من خرج فأقام و لم يلتفت زبان إلى طيرته فذهب و رجع غانما فقال

تطير طيرة يوما زياد
لتخبره و ما فيها خبير
أقام كان لقمان بن عاد
أشار له بحكمته مشير
تعلم إنه لا طير إلا
على متطير و هو الثبور
بلى شي‏ء يوافق بعض شي‏ء
أحايينا و باطله كثير

حضر عمر بن الخطاب الموسم فصاح به صائح يا خليفة رسول الله فقال رجل من بني لهب و هم أهل عيافة و زجر دعاه باسم ميت مات و الله أمير المؤمنين فلما وقف الناس للجمار إذا حصاة صكت صلعة عمر فأدمي منها فقال ذلك القائل أشعر و الله أمير المؤمنين لا و الله ما يقف هذا الموقف أبدا فقتل عمر قبل أن يحول الحول و قال كثير بن عبد الرحمن

تيممت لهبا أبتغي العلم عندها
و قد صار علم العائفين إلى لهب

[ 379 ]

كان للعرب كاهنان اسم أحدهما شق و كان نصف إنسان و اسم الآخر سطيح و كان يطوى طي الحصير و يتكلمان بكل أعجوبة في الكهانة فقال ابن الرومي

لك رأي كأنه رأي شق
و سطيح قريعي الكهان
يستشف الغيوب عما تواري
بعيون جلية الإنسان

و قال أبو عثمان الجاحظ كان مسيلمة قبل أن يتنبأ يدور في الأسواق التي كانت بين دور العرب و العجم كسوق الأبلة و سوق بقة و سوق الأنبار و سوق الحيرة يلتمس تعلم الحيل و النيرنجيات و احتيالات أصحاب الرقى و العزائم و النجوم و قد كان أحكم علم الحزاة و أصحاب الزجر و الخط فعمد إلى بيضة فصب إليها خلا حاذقا قاطعا فلانت حتى إذا مدها الإنسان استطالت و دقت كالعلك ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس و تركها حتى انضمت و استدارت و جمدت فعادت كهيئتها الأولى فأخرجها إلى قوم و هم أعراب و استغواهم بها و فيه قيل

ببيضة قارور و راية شادن
و توصيل مقطوع من الطير حاذق

قالوا أراد براية الشادن التي يعملها الصبي من القرطاس الرقيق و يجعل لها ذنبا و جناحين و يرسلها يوم الريح بخيط طويل . كان مسيلمة يعمل رايات من هذا الجنس و يعلق فيها الجلاجل و يرسلها ليلا في شدة الريح و يقول هذه الملائكة تنزل علي و هذه خشخشة الملائكة و زجلها و كان يصل جناح الطير المقصوص بريش معه فيطير و يستغوي به الأعراب . شاعر في الطيرة

[ 380 ]

و أمنع الياسمين الغض من حذري
عليك إذ قيل لي نصف اسمه ياس

و قال آخر

أهدت إليه سفرجلا فتطيرا
منه و ظل مفكرا مستعبرا
خوف الفراق لأن شطر هجائه
سفر و حق له بأن يتطيرا

و قال آخر

يا ذا الذي أهدى لنا سوسنا
ما كنت في إهدائه محسنا
نصف اسمه سو فقد ساءني
يا ليت إني لم أر السوسنا

و مثله

لا تراني طوال دهري
أهوى الشقائقا
إن يكن يشبه الخدود
فنصف اسمه شقا

و كانوا يتفاءلون بالآس لدوامه و يتطيرون من النرجس لسرعة انقضائه و يسمونه الغدار . و قال العباس بن الأحنف

إن الذي سماك يا منيتي
بالنرجس الغدار ما أنصفا
لو أنه سماك بالآسة
وفيت إن الآس أهل الوفا

خرج كثير يريد عزة و معه صاحب له من نهد فرأى غرابا ساقطا فوق بانة ينتف ريشه فقال له النهدي إن صدق الطير فقد ماتت عزة فوافى أهلها و قد أخرجوا جنازتها فقال

و ما أعيف النهدي لا در دره
و أزجره للطير لا عز ناصره
رأيت غرابا ساقطا فوق بانة
ينتف أعلى ريشه و يطايره

[ 381 ]

فقال غراب لاغتراب و بانة
لبين و فقد من حبيب تعاشره

و قال الشاعر

و سميته يحيى ليحيا و لم يكن
إلى رد حكم الله فيه سبيل
تيممت فيه الفأل حين رزقته
و لم أدر أن الفأل فيه يفيل

فأما القول في السحر فإن الفقهاء يثبتونه و يقولون فيه القود و قد جاء في الخبر أن رسول الله ص سحره لبيد بن أعصم اليهودي حتى كان يخيل إليه أنه عمل الشي‏ء و لم يعمله . و

روي أن امرأة من يهود سحرته بشعر و قصاص ظفر و جعلت السحر في بئر و أن الله تعالى دله على ذلك فبعث عليا ع فاستخرجه و قتل المرأة و قوم من المتكلمين ينفون هذا عنه ع و يقولون إنه معصوم من مثله . و الفلاسفة تزعم أن السحر من آثار النفس الناطقة و أنه لا يبعد أن يكون في النفوس نفس تؤثر في غير بدنها المرض و الحب و البغض و نحو ذلك و أصحاب الكواكب يجعلون للكواكب في ذلك تأثيرا و أصحاب خواص الأحجار و النبات و غيرها يسندون ذلك إلى الخواص و كلام أمير المؤمنين ع دال على تصحيح ما يدعى من السحر . و أما العدوى

فقد قال رسول الله ص لا عدوى في الإسلام و

قال لمن قال أعدى بعضها بعضا يعني الإبل فمن أعدى الأول و

قال لا عدوى و لا هامة و لا صفر فالعدوى معروفة و الهامة ما كانت العرب تزعمه في المقتول

[ 382 ]

لا يؤخذ بثأره و الصفر ما كانت العرب تزعمه من الحية في البطن تعض عند الجوع