نكت في مذاهب العرب و تخيلاتها

و سنذكر هاهنا نكتا ممتعة من مذاهب العرب و تخيلاتها لأن الموضع قد ساقنا إليه أنشد هشام بن الكلبي لأمية بن أبي الصلت

سنة أزمة تبرح بالناس   ترى للعضاة فيها صريرا
لا على كوكب تنوء و لا ريح     جنوب و لا ترى طحرورا
و يسقون باقر السهل للطود     مهازيل خشية أن تبورا
عاقدين النيران في ثكن الأذناب     منها لكي تهيج البحورا
سلع ما و مثله عشر ما     عامل ما و عالت البيقورا

يروى أن عيسى بن عمر قال ما أدري معنى هذا البيت و يقال إن الأصمعي صحف فيه فقال و غالت البيقورا بالغين المعجمة و فسره غيره فقال عالت بمعنى أثقلت البقر بما حملتها من السلع و العشر و البيقور البقر و عائل غالب أو مثقل و كانت العرب إذا أجدبت و أمسكت السماء عنهم و أرادوا أن يستمطروا عمدوا إلى السلع و العشر فحزموهما و عقدوهما في أذناب البقر و أضرموا فيها النيران و أصعدوها في جبل وعر و اتبعوها يدعون الله و يستسقونه و إنما يضرمون النيران في أذناب البقر تفاؤلا للبرق بالنار و كانوا يسوقونها نحو المغرب من دون الجهات و قال أعرابي

شفعنا ببيقور إلى هاطل الحيا     فلم يغن عنا ذاك بل زادنا جدبا
فعدنا إلى رب الحيا فأجارنا    و صير جدب الأرض من عنده خصبا

[ 383 ]

و قال آخر

قل لبني نهشل أصحاب الحور    أ تطلبون الغيث جهلا بالبقر
و سلع من بعد ذاك و عشر    ليس بذا يجلل الأرض المطر

و يمكن أن يحمل تفسير الأصمعي على محمل صحيح فيقال غالت بمعنى أهلكت يقال غاله كذا و اغتاله أي أهلكه و غالتهم غول يعني المنية و منه الغضب غول الحلم . و قال آخر

لما كسونا الأرض أذناب البقر    بالسلع المعقود فيها و العشر

و قال آخر

يا كحل قد أثقلت أذناب البقر    بسلع يعقد فيها و عشر
فهل تجودين ببرق و مطر

و قال آخر يعيب العرب بفعلهم هذا

لا در در رجال خاب سعيهم     يستمطرون لدى الإعسار بالعشر
أ جاعل أنت بيقورا مسلعة     ذريعة لك بين الله و المطر

و قال بعض الأذكياء كل أمة قد تحذو في مذاهبها مذاهب ملة أخرى و قد كانت الهند تزعم أن البقر ملائكة سخط الله عليها فجعلها في الأرض و أن لها عنده حرمة و كانوا يلطخون الأبدان بأخثائها و يغسلون الوجوه ببولها و يجعلونها مهور نسائهم و يتبركون بها في جميع أحوالهم فلعل أوائل العرب حذوا هذا الحذو و انتهجوا هذا المسلك

[ 384 ]

و للعرب في البقر خيال آخر و ذلك أنهم إذا أوردوها فلم ترد ضربوا الثور ليقتحم الماء فتقتحم البقر بعده و يقولون إن الجن تصد البقر عن الماء و إن الشيطان يركب قرني الثور و قال قائلهم

إني و قتلي سليكا حين أعقله     كالثور يضرب لما عافت البقر

و قال نهشل بن حري

كذاك الثور يضرب بالهراوى     إذا ما عافت البقر الظماء

و قال آخر

كالثور يضرب للورود     إذا تمنعت البقر

فإن كان ليس إلا هذا فليس ذاك بعجيب من البقر و لا بمذهب من مذاهب العرب لأنه قد يجوز أن تمتنع البقر من الورود حتى يرد الثور كما تمتنع الغنم من سلوك الطرق أو دخول الدور و الأخبية حتى يتقدمها الكبش أو التيس و كالنحل تتبع اليعسوب و الكراكي تتبع أميرها و لكن الذي تدل عليه أشعارها أن الثور يرد و يشرب و لا يمتنع و لكن البقر تمتنع و تعاف الماء و قد رأت الثور يشرب فحينئذ يضرب الثور مع إجابته إلى الورود فتشرب البقر عند شربه و هذا هو العجب قال الشاعر

فإني إذن كالثور يضرب جنبه     إذا لم يعف شربا و عافت صواحبه

و قال آخر

فلا تجعلوني كالبقير و فحلها     يكسر ضربا و هو للورد طائع
و ما ذنبه إن لم يرد بقراته     و قد فاجأتها عند ذاك الشرائع

[ 385 ]

و قال الأعشى

لكالثور و الجني يضرب وجهه    و ما ذنبه إن عافت الماء مشربا
و ما ذنبه إن عافت الماء باقر     و ما إن يعاف الماء إلا ليضربا

قالوا في تفسيره لما كان امتناعها يتعقبه الضرب حسن أن يقال عافت الماء لتضرب و هذه اللام هي لام العاقبة كقوله لدوا للموت و على هذا فسر أصحابنا قوله سبحانه وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ . و من مذاهب العرب أيضا تعليق الحلي و الجلاجل على اللديغ يرون أنه يفيق بذلك و يقال إنه إنما يعلق عليه لأنهم يرون أنه إن نام يسري السم فيه فيهلك فشغلوه بالحلي و الجلاجل و أصواتها عن النوم و هذا قول النضر بن شميل و بعضهم يقول إنه إذا علق عليه حلي الذهب برأ و إن علق الرصاص أو حلي الرصاص مات . و قيل لبعض الأعراب أ تريدون شهرة فقال إن الحلي لا تشهر و لكنها سنة ورثناها . و قال النابغة

فبت كأني ساورتني ضئيلة    من الرقش في أنيابها السم ناقع
يسهد من ليل التمام سليمها    لحلي النساء في يديه قعاقع

و قال بعض بني عذرة

كأني سليم ناله كلم حية    ترى حوله حلي النساء مرصعا

[ 386 ]

و قال آخر

و قد عللوا بالبطل في كل موضع     و غروا كما غر السليم الجلاجل

و قال جميل و ظرف في قوله و لو قاله العباس بن الأحنف لكان ظريفا

إذا ما لديغ أبرأ الحلي داءه     فحليك أمسى يا بثينة دائيا

و قال عويمر النبهاني و هو يؤكد قول النضر بن شميل

فبت معنى بالهموم كأنني     سليم نفى عنه الرقاد الجلاجل

و مثله قول الآخر

كأني سليم سهد الحلي عينه    فراقب من ليل التمام الكواكبا

و يشبه مذهبهم في ضرب الثور مذهبهم في العر يصيب الإبل فيكوى الصحيح ليبرأ السقيم و قال النابغة

و كلفتني ذنب امرئ و تركته      كذي العر يكوى غيره و هو راتع

و قال بعض الأعراب

كمن يكوى الصحاح يروم برءا     به من كل جرباء الإهاب

و هذا البيت يبطل رواية من روى بيت النابغة كذي العر بضم العين لأن العر بالضم قرح في مشافر الإبل غير الجرب و العر بالفتح الجرب نفسه فإذا دل الشعر على أنه يكوى الصحيح ليبرأ الأجرب فالواجب أن يكون بيت النابغة كذي العر بالفتح . و مثل هذا البيت قول الآخر

فألزمتني ذنبا و غيري جره    حنانيك لا يكوى الصحيح بأجربا

إلا أن يكون إطلاق لفظ الجرب على هذا المرض المخصوص من باب المجاز لمشابهته له

[ 387 ]

و من تخيلات العرب و مذاهبها أنهم كانوا يفقئون عين الفحل من الإبل إذا بلغت ألفا كأنهم يدفعون العين عنها قال الشاعر

فقأنا عيونا من فحول بهازر     و أنتم برعي البهم أولى و أجدر

و قال آخر

وهبتها و كنت ذا امتنان     تفقأ فيها أعين البعران

و قال الآخر

أعطيتها ألفا و لم تبخل بها
ففقأت عين فحيلها معتافا

و قد ظن قوم أن بيت الفرزدق و هو

غلبتك بالمفقئ و المعنى
و بيت المحتبي و الخافقات

من هذا الباب و ليس الأمر على ذلك و إنما أراد بالفق‏ء قوله لجرير

و لست و لو فقأت عينيك واجدا
أخا كلقيط أو أبا مثل دارم

و أراد بالمعنى قوله لجرير أيضا

و إنك إذ تسعى لتدرك دارما
لأنت المعنى يا جرير المكلف

و أراد بقوله بيت المحتبي قوله

بيت زرارة محتب بفنائه
و مجاشع و أبو الفوارس نهشل

و بيت الخافقات قوله

و معصب بالتاج يخفق فوقه
خرق الملوك له خميس جحفل

[ 388 ]

فأما مذهبهم في البلية و هي ناقة تعقل عند القبر حتى تموت فمذهب مشهور و البلية أنهم إذا مات منهم كريم بلوا ناقته أو بعيره فعكسوا عنقها و أداروا رأسها إلى مؤخرها و تركوها في حفيرة لا تطعم و لا تسقى حتى تموت و ربما أحرقت بعد موتها و ربما سلخت و ملئ جلدها ثماما و كانوا يزعمون أن من مات و لم يبل عليه حشر ماشيا و من كانت له بلية حشر راكبا على بليته قال جريبة بن الأشيم الفقعسي لابنه

يا سعد إما أهلكن فإنني
أوصيك إن أخا الوصاة الأقرب
لا أعرفن أباك يحشر خلفكم
تعبا يجر على اليدين و ينكب
و احمل أباك على بعير صالح
و تق الخطيئة إنه هو أصوب
و لعل لي مما جمعت مطية
في الحشر أركبها إذا قيل اركبوا

و قال جريبة أيضا

إذا مت فادفني بجداء ما بها
سوى الأصرخين أو يفوز راكب
فإن أنت لم تعقر علي مطيتي
فلا قام في مال لك الدهر جالب
و لا تدفنني في صوى و ادفننني
بديمومة تنزو عليها الجنادب

و قد ذكرت في مجموعي المسمى بالعبقري الحسان أن أبا عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع رحمه الله ذكر في كتابه في آراء العرب و أديانها هذه الأبيات و استشهد بها على ما كانوا يعتقدون في البلية و قلت إنه وهم في ذلك و إنه ليس في هذه الأبيات دلالة على هذا المعنى و لا لها به تعلق و إنما هي وصية لولده أن يعقر مطيته بعد موته إما لكيلا يركبها غيره بعده أو على هيئة القربان كالهدي المعقور

[ 389 ]

بمكة أو كما كانوا يعقرون عند القبور و مذهبهم في العقر على القبور كقول زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب

إن السماحة و المروءة ضمنا
قبرا بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به
كوم الهجان و كل طرف سابح

و قال الآخر

نفرت قلوصي عن حجارة حرة
بنيت على طلق اليدين وهوب
لا تنفري يا ناق منه فإنه
شريب خمر مسعر لحروب
لو لا السفار و بعد خرق مهمه
لتركتها تحبو على العرقوب

و مذهبهم في العقر على القبور مشهور و ليس في هذا الشعر ما يدل على مذهبهم في البلية فإن ظن ظان أن قوله أو يفوز راكب فيه إيماء إلى ذلك فليس الأمر كما ظنه و معنى البيت ادفني بفلاة جداء مقطوعة عن الإنس ليس بها إلا الذئب و الغراب أو أن يعتسف راكبها المفازة و هي المهلكة سموها مفازة على طريق الفأل و قيل إنها تسمى مفازة من فوز أي هلك فليس في هذا البيت ذكر البلية و لكن الخالع أخطأ في إيراده في هذا الباب كما أخطأ في هذا الباب أيضا في إيراده قول مالك بن الريب

و عطل قلوصي في الركاب فإنها
ستبرد أكبادا و تبكي بواكيا

فظن أن ذلك من هذا الباب الذي نحن فيه و لم يرد الشاعر ذلك و إنما أراد

[ 390 ]

لا تركبوا راحلتي بعدي و عطلوها بحيث لا يشاهدها أعادي و أصادقي ذاهبة جائية تحت راكبها فيشمت العدو و يساء الصديق و قد أخطأ الخالع في مواضع عده من هذا الكتاب و أورد أشعارا في غير موضعها و ظنها مناسبة لما هو فيه فمنها ما ذكرناه و منها أنه ذكر مذهب العرب في الحلي و وضعه على اللديغ و استشهد عليه بقول الشاعر

يلاقي من تذكر آل ليلى
كما يلقى السليم من العداد

و لا وجه لإيراد هذا البيت في هذا الموضع فالعداد معاودة السم الملسوع في كل سنة في الوقت الذي لدغ فيه و ليس هذا من باب الحلي بسبيل . و من ذلك إيراده قول الفرزدق غلبتك بالمفقئ في باب فق‏ء عيون الفحول إذا بلغت الإبل ألفا و قد تقدم شرحنا لموضع الوهم في ذلك و سنذكر هاهنا كثيرا من المواضع التي وهم فيها إن شاء الله . و مما ورد عن العرب في البلية قول بعضهم

أ بني زودني إذا فارقتني
في القبر راحلة برحل فاتر
للبعث أركبها إذا قيل اركبوا
مستوثقين معا لحشر الحاشر

و قال عويم النبهاني

أ بني لا تنسى البلية إنها
لأبيك يوم نشوره مركوب

[ 391 ]

و من تخيلات العرب و مذاهبها ما حكاه ابن الأعرابي قال كانت العرب إذا نفرت الناقة فسميت لها أمها سكنت من النفار قال الراجز

أقول و الوجناء بي تقحم
ويلك قل ما اسم أمها يا علكم

علكم اسم عبد له و إنما سأل عبده ترفعا أن يعرف اسم أمها لأن العبيد بالإبل أعرف و هم رعاتها . و أنشد السكري

فقلت له ما اسم أمها هات فادعها
تجبك و يسكن روعها و نفارها

و مما كانت العرب كالمجتمعة عليه الهامة و ذلك أنهم كانوا يقولون ليس من ميت يموت و لا يقتل إلا و يخرج من رأسه هامة فإن كان قتل و لم يؤخذ بثأره نادت الهامة على قبره اسقوني فإني صدية و عن هذا قال النبي ص لا هامة . و حكي أن أبا زيد كان يقول الهامة مشددة الميم إحدى هوام الأرض و أنها هي المتلونة المذكورة . و قيل إن أبا عبيد قال ما أرى أبا زيد حفظ هذا و قد يسمونها الصدى و الجمع أصداء قال

و كيف حياة أصداء و هام

و قال أبو دواد الإيادي

سلط الموت و المنون عليهم
فلهم في صدى المقابر هام

[ 392 ]

و قال بعضهم لابنه

و لا تزقون لي هامة فوق مرقب
فإن زقاء الهام للمرء عائب
تنادي ألا اسقوني و كل صدى به
و تلك التي تبيض منها الذوائب

يقول له لا تترك ثأري إن قتلت فإنك إن تركته صاحت هامتي اسقوني فإن كل صدى و هو هاهنا العطش بأبيك و تلك التي تبيض منها الذوائب لصعوبتها و شدتها كما يقال أمر يشيب رأس الوليد و يحتمل أن يريد به صعوبة الأمر عليه و هو مقبور إذا لم يثأر به و يحتمل أن يريد به صعوبة الأمر على ابنه يعني أن ذلك عار عليك و قال ذو الإصبع

يا عمرو إلا تدع شتمي و منقصتي
أضربك حيث تقول الهامة اسقوني

و قال آخر

فيا رب إن أهلك و لم ترو هامتي
بليلى أمت لا قبر أعطش من قبري

و يحتمل هذا البيت أن يكون خارجا عن هذا المعنى الذي نحن فيه و أن يكون ري هامته الذي طلبه من ربه هو وصال ليلى و هما في الدنيا و هم يكنون عما يشفيهم بأنه يروي هامتهم . و قال مغلس الفقسي

و إن أخاكم قد علمت مكانه
بسفح قبا تسفي عليه الأعاصر
له هامة تدعو إذا الليل جنها
بني عامر هل للهلالي ثائر

و قال توبة بن الحمير

و لو أن ليلى الأخيلية سلمت
علي و دوني جندل و صفائح

[ 393 ]

لسلمت تسليم البشاشة أو زقا
إليها صدى من جانب القبر صائح

و قال قيس بن الملوح و هو المجنون

و لو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا
و من دوننا رمس من الأرض أنكب
لظل صدى رمسي و إن كنت رمة
لصوت صدى ليلى يهش و يطرب

و قال حميد بن ثور

ألا هل صدى أم الوليد مكلم
صداي إذا ما كنت رمسا و أعظما

و مما أبطله الإسلام قول العرب بالصفر زعموا أن في البطن حية إذا جاع الإنسان عضت على شرسوفه و كبده و قيل هو الجوع بعينه ليس أنها تعض بعد حصول الجوع فأما لفظ الحديث

لا عدوى و لا هامة و لا صفر و لا غول فإن أبا عبيدة معمر بن المثنى قال هو صفر الشهر الذي بعد المحرم قال نهى ع عن تأخيرهم المحرم إلى صفر يعني ما كانوا يفعلونه من النسي‏ء و لم يوافق أحد من العلماء أبا عبيدة على هذا التفسير و قال الشاعر

لا يتأرى لما في القدر يرقبه
و لا يعض على شرسوفه الصفر

و قال بعض شعراء بني عبس يذكر قيس بن زهير لما هجر الناس و سكن الفيافي

[ 394 ]

و أنس بالوحش ثم رأى ليلة نارا فعشا إليها فشم عندها قتار اللحم فنازعته شهوته فغلبها و قهرها و مال إلى شجرة سلم فلم يزل يكدمها و يأكل من خبطها إلى أن مات

إن قيسا كان ميتته
كرم و الحي منطلق
شام نارا بالهوى فهوى
و شجاع البطن يختفق
في دريس ليس يستره
رب حر ثوبه خلق

و قوله بالهوى اسم موضع بعينه و قال أبو النجم العجلي

إنك يا خير فتى نستعدي
على زمان مسنت بجهد
عضا كعض صفر بكبد

و قال آخر

أرد شجاع البطن قد تعلمينه
و أوثر غيري من عيالك بالطعم

و من خرافات العرب أن الرجل منهم كان إذا أراد دخول قرية فخاف وباءها أو جنها وقف على بابها قبل أن يدخلها فنهق نهيق الحمار ثم علق عليه كعب أرنب كان ذلك عوذة له و رقية من الوباء و الجن و يسمون هذا النهيق التعشير قال شاعرهم

و لا ينفع التعشير أن حم واقع
و لا زعزع و لا كعب أرنب

و قال الهيثم بن عدي خرج عروة بن الورد إلى خيبر في رفقه ليمتاروا فلما قربوا منها عشروا و عاف عروة أن يفعل فعلهم و قال

[ 395 ]

لعمري لئن عشرت من خيفة الردى
نهاق حمير إنني لجزوع
فلا وألت تلك النفوس و لا أتت
قفولا إلى الأوطان و هي جميع
و قالوا إلا انهق لا تضرك خيبر
و ذلك من فعل اليهود ولوع

الولوع بالضم الكذب ولع الرجل إذا كذب فيقال إن رفقته مرضوا و مات بعضهم و نجا عروة من الموت و المرض . و قال آخر

لا ينجينك من حمام واقع
كعب تعلقه و لا تعشير

و يشابه هذا أن الرجل منهم كان إذا ضل في فلاة قلب قميصه و صفق بيديه كأنه يومئ بهما إلى إنسان فيهتدي قال أعرابي

قلبت ثيابي و الظنون تجول بي
و ترمي برحلي نحو كل سبيل
فلأيا بلأي ما عرفت جليتي
و أبصرت قصدا لم يصب بدليل

و قال أبو العملس الطائي

فلو أبصرتني بلوى بطان
أصفق بالبنان على البنان
فأقلب تارة خوفا ردائي
و أصرخ تارة بأبي فلان
لقلت أبو العملس قد دهاه
من الجنان خالعة العنان

و الأصل في قلب الثياب التفاؤل بقلب الحال و قد جاء في الشريعة الإسلامية نحو ذلك في الاستسقاء

[ 396 ]

و من مذاهب العرب أن الرجل منهم كان إذا سافر عمد إلى خيط فعقده في غصن شجرة أو في ساقها فإذا عاد نظر إلى ذلك الخيط فإن وجده بحاله علم أن زوجته لم تخنه و إن لم يجده أو وجده محلولا قال قد خانتني و ذلك العقد يسمى الرتم و يقال بل كانوا يعقدون طرفا من غصن الشجرة بطرف غصن آخر و قال الراجز

هل ينفعنك اليوم إن همت بهم
كثرة ما توصي و تعقاد الرتم

و قال آخر

خانته لما رأت شيبا بمفرقه
و غره حلفها و العقد للرتم

و قال آخر

لا تحسبن رتائما عقدتها
تنبيك عنها باليقين الصادق

و قال آخر

يعلل عمرو بالرتائم قلبه
و في الحي ظبي قد أحلت محارمه
فما نفعت تلك الوصايا و لا جنت
عليه سوى ما لا يحب رتائمه

و قال آخر

ما ذا الذي تنفعك الرتائم
إذ أصبحت و عشقها ملازم
و هي على لذاتها تداوم
يزورها طب الفؤاد عارم
بكل أدواء النساء عالم

و قد كانوا يعقدون الرتم للحمى و يرون أن من حلها انتقلت الحمى إليه و قال الشاعر

حللت رتيمة فمكثت شهرا
أكابد كل مكروه الدواء

[ 397 ]

و قال ابن السكيت إن العرب كانت تقول إن المرأة المقلات و هي التي لا يعيش لها ولد إذا وطئت القتيل الشريف عاش ولدها قال بشر بن أبي خازم

تظل مقاليت النساء تطأنه
يقلن أ لا يلقى على المرء مئزر

و قال أبو عبيدة تتخطاه المقلات سبع مرات فذلك وطؤها له . و قال ابن الأعرابي يمرون به و يطئون حوله و قيل إنما كانوا يفعلون ذلك بالشريف يقتل غدرا أو قودا . و قال الكميت

و تطيل المرزآت المقاليت
إليه القعود بعد القيام

و قال الآخر

تركنا الشعثمين برمل خبت
تزورهما مقاليت النساء

و قال الآخر

بنفسي التي تمشي المقاليت حوله
يطاف له كشحا هضيما مهشما

و قال آخر

تباشرت المقالت حين قالوا
ثوى عمرو بن مرة بالحفير

و من تخيلات العرب و خرافاتها أن الغلام منهم كان إذا سقطت له سن أخذها بين السبابة و الإبهام و استقبل الشمس إذا طلعت و قذف بها و قال يا شمس أبدليني بسن أحسن منها و ليجر في ظلمها إياتك أو تقول إياؤك و هما جميعا شعاع الشمس قال طرفة

[ 398 ]

سقته إياة الشمس

و إلى هذا الخيال أشار شاعرهم بقوله

شادن يجلو إذا ما ابتسمت
عن أقاح كأقاح الرمل غر
بدلته الشمس من منبته
بردا أبيض مصقول الأشر

و قال آخر

و أشنب واضح عذب الثنايا
كأن رضابه صافي المدام
كسته الشمس لونا من سناها
فلاح كأنه برق الغمام

و قال آخر

بذي أشر عذب المذاق تفردت
به الشمس حتى عاد أبيض ناصعا

و الناس اليوم في صبيانهم على هذا المذهب . و كانت العرب تعتقد أن دم الرئيس يشفي من عضة الكلب الكلب . و قال الشاعر

بناة مكارم و أساة جرح
دماؤهم من الكلب الشفاء

و قال عبد الله بن الزبير الأسدي

من خير بيت علمناه و أكرمه
كانت دماؤهم تشفي من الكلب

و قال الكميت

أحلامكم لسقام الجهل شافية
كما دماؤكم تشفي من الكلب

و من تخيلات العرب أنهم كانوا إذا خافوا على الرجل الجنون و تعرض الأرواح

[ 399 ]

الخبيثة له نجسوه بتعليق الأقذار عليه كخرقة الحيض و عظام الموتى قالوا و أنفع من ذلك أن تعلق عليه طامث عظام موتى ثم لا يراها يومه ذلك و أنشدوا للمزق العبدي

فلو أن عندي جارتين و راقيا
و علق أنجاسا على المعلق

قالوا و التنجيس يشفي إلا من العشق قال أعرابي

يقولون علق يا لك الخير رمة
و هل ينفع التنجيس من كان عاشقا

و قالت امرأة و قد نجست ولدها فلم ينفعه و مات

نجسته لو ينفع التنجيس
و الموت لا تفوته النفوس

و كان أبو مهدية يعلق في عنقه العظام و الصوف حذر الموت و أنشدوا

أتوني بأنجاس لهم و منجس
فقلت لهم ما قدر الله كائن

و من مذاهبهم أن الرجل منهم كان إذا خدرت رجله ذكر من يحب أو دعاه فيذهب خدرها . و روي أن عبد الله بن عمر خدرت رجله فقيل له ادع أحب الناس إليك فقال يا رسول الله . و قال الشاعر

على أن رجلي لا يزال امذلالها
مقيما بها حتى أجيلك في فكري

و قال كثير

إذا مذلت رجلي ذكرتك أشتفي
بدعواك من مذل بها فيهون

و قال جميل

و أنت لعيني قرة حين نلتقي
و ذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي

[ 400 ]

و قالت امرأة

إذا خدرت رجلي دعوت ابن مصعب
فإن قلت عبد الله أجلى فتورها

و قال آخر

صب محب إذا ما رجله خدرت
نادى كبيشة حتى يذهب الخدر

و قال المؤمل

و الله ما خدرت رجلي و لا عثرت
إلا ذكرتك حتى يذهب الخدر

و قال الوليد بن يزيد

أثيبي هائما كلفا معنى
إذا خدرت له رجل دعاك

و نظير هذا الوهم أن الرجل منهم كان إذا اختلجت عينه قال أرى من أحبه فإن كان غائبا توقع قدومه و إن كان بعيدا توقع قربه . و قال بشر

إذا اختلجت عيني أقول لعلها
فتاة بني عمرو بها العين تلمع

و قال آخر

إذا اختلجت عيني تيقنت أنني
أراك و إن كان المزار بعيدا

و قال آخر

إذا اختلجت عيني أقول لعلها
لرؤيتها تهتاج عيني و تطرف

و هذا الوهم باق في الناس اليوم . و من مذاهبهم أن الرجل منهم كان إذا عشق و لم يسل و أفرط عليه العشق حمله

[ 401 ]

رجل على ظهره كما يحمل الصبي و قام آخر فأحمى حديدة أو ميلا و كوى به بين أليتيه فيذهب عشقه فيما يزعمون . و قال أعرابي

كويتم بين رانفتي جهلا
و نار القلب يضرمها الغرام

و قال آخر

شكوت إلى رفيقي اشتياقي
فجاءاني و قد جمعا دواء
و جاءا بالطبيب ليكوياني
و لا أبغي عدمتهما اكتواء
و و لو أتيا بسلمى حين جاءا
لعاضاني من السقم الشفاء

و استشهد الخالع على هذا المعنى بقول كثير

أ غاضر لو شهدت غداة بنتم
حنو العائدات على وسادي
أويت لعاشق لم ترحميه
بواقدة تلذع بالزناد

هذا البيت ليس بصريح في هذا الباب و يحتمل أن يكون مراده فيه المعنى المشهور المطروق بين الشعراء من ذكر حرارة الوجد و لذعه و تشبيهه بالنار إلا أنه قد روى في كتابه خبرا يؤكد المقصد الذي عزاه و ادعاه و هو عن محمد بن سليمان بن فليح عن أبيه عن جده قال كنت عند عبد الله بن جعفر فدخل عليه كثير و عليه أثر علة فقال عبد الله ما هذا بك قال هذا ما فعلت بي أم الحويرث ثم كشف عن ثوبه و هو مكوي و أنشد

عفا الله عن أم الحويرث ذنبها
علام تعنيني و تكمي دوائيا
و لو آذنوني قبل أن يرقموا بها
لقلت لهم أم الحويرث دائيا

[ 402 ]

و من أوهامهم و تخيلاتهم أنهم كانوا يزعمون أن الرجل إذا أحب امرأة و أحبته فشق برقعها و شقت رداءه صلح حبهما و دام فإن لم يفعلا ذلك فسد حبهما قال سحيم عبد بني الحسحاس

و كم قد شفقنا من رداء محبر
و من برقع عن طفلة غير عابس
إذا شق برد شق بالبرد برقع
دواليك حتى كلنا غير لابس
نروم بهذا الفعل بقيا على الهوى
و إلف الهوى يغري بهذي الوساوس

و قال آخر

شققت ردائي يوم برقة عالج
و أمكنني من شق برقعك السحقا
فما بال هذا الود يفسد بيننا
و يمحق حبل الوصل ما بيننا محقا

و من مذاهبهم أنهم كانوا يرون أن أكل لحوم السباع تزيد في الشجاعة و القوة و هذا مذهب طبي و الأطباء يعتقدونه قال بعضهم

أبا المعارك لا تتعب بأكلك ما
تظن أنك تلفى منه كرارا
فلو أكلت سباع الأرض قاطبة
ما كنت إلا جبان القلب خوارا

و قال بعض الأعراب و أكل فؤاد الأسد ليكون شجاعا فعدا عليه نمر فجرحه

أكلت من الليث الهصور فؤاده
لأصبح أجرى منه قلبا و أقدما
فأدرك مني ثأره بابن أخته
فيا لك ثأرا ما أشد و أعظما

و قال آخر

إذا لم يكن قلب الفتى غدوة الوغى
أصم فقلب الليث ليس بنافع

[ 403 ]

و ما نفع قلب الليث في حومة الوغى
إذا كان سيف المرء ليس بقاطع

و من مذاهبهم أن صاحب الفرس المهقوع إذا ركبه فعرق تحته اغتلمت امرأته و طمحت إلى غيره و الهقعة دائرة تكون بالفرس و ربما كانت على الكتف في الأكثر و هي مستقبحة عندهم قال بعضهم لصاحبه

إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت
حليلته و ازداد حر عجانها

فأجابه صاحبه

قد يركب المهقوع من ليس مثله
و قد يركب المهقوع زوج حصان

و من مذاهبهم أنهم كانوا يوقدون النار خلف المسافر الذي لا يحبون رجوعه يقولون في دعائهم أبعده الله و أسحقه و أوقد نارا أثره قال بعضهم

صحوت و أوقدت للجهل نارا
و رد عليك الصبا ما استعارا

و كانوا إذا خرجوا إلى الأسفار أوقدوا نارا بينهم و بين المنزل الذي يريدونه و لم يوقدوها بينهم و بين المنزل الذي خرجوا منه تفاؤلا بالرجوع إليه . و من مذاهبهم المشهورة تعليق كعب الأرنب قال ابن الأعرابي قلت لزيد بن كثوة أ تقولون إن من علق عليه كعب أرنب لم تقربه جنان الدار و لا عمار الحي قال إي و الله و لا شيطان الخماطة و لا جار العشيرة و لا غول القفر و قال إمرؤ القيس

[ 404 ]

أ يا هند لا تنكحي بوهة
عليه عقيقته أحسبا
مرسعة بين أدباقه
به عسم يبتغي أرنبا
ليجعل في رجله كعبها
حذار المنية أن يعطبا

و الخماطة شجرة و العشيرة تصغير العشرة و هي شجرة أيضا . و قال أبو محلم كانت العرب تعلق على الصبي سن ثعلب و سن هرة خوفا من الخطفة و النظرة و يقولون إن جنية أرادت صبي قوم فلم تقدر عليه فلامها قومها من الجن في ذلك فقالت تعتذر إليهم

كأن عليه نفره
ثعالب و هرره
و الحيض حيض السمرة

و السمرة شي‏ء يسيل من السمر كدم الغزال و كانت العرب إذا ولدت المرأة أخذوا من دم السمر و هو صمغه الذي يسيل منه ينقطونه بين عيني النفساء و خطوا على وجه الصبي خطا و يسمى هذا الصمغ السائل من السمر الدودم و يقال بالذال المعجمة أيضا و تسمى هذه الأشياء التي تعلق على الصبي النفرات . قال عبد الرحمن بن أخي الأصمعي إن بعض العرب قال لأبي إذا ولد لك ولد فنفر عنه فقال له أبي و ما التنفير قال غرب اسمه فولد له ولد فسماه قنفذا و كناه أبا العداء قال و أنشد أبي

كالخمر مزج دوائها منها بها
تشفي الصداع و تبرئ المنجودا

قال يريد أن القنفذ من مراكب الجن فداوى منهم ولده بمراكبهم .

[ 405 ]

و من مذاهبهم أن الرجل منهم كان إذا ركب مفازة و خاف على نفسه من طوارق الليل عمد إلى وادي شجر فأناخ راحلته في قرارته و عقلها و خط عليها خطا ثم قال أعوذ بصاحب هذا الوادي و ربما قال بعظيم هذا الوادي و عن هذا قال الله سبحانه في القرآن وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ اَلْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ اَلْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً . و استعاذ رجل منهم و معه ولد فأكله الأسد فقال

قد استعذنا بعظيم الوادي
من شر ما فيه من الأعادي
فلم يجرنا من هزبر عاد

و قال آخر

أعوذ من شر البلاد البيد
بسيد معظم مجيد
أصبح يأوي بلوى زرد
ذي عزة و كاهل شديد

و قال آخر

يا جن أجراع اللوى من عالج
عاذ بكم ساري الظلام الدالج
لا ترهقوه بغوي هائج

و قال آخر

قد بت ضيفا لعظيم الوادي
المانعي من سطوة الأعادي
راحلتي في جاره و زادي

و قال آخر

هيا صاحب الشجراء هل أنت مانعي
فإني ضيف نازل بفنائكا

[ 406 ]

و إنك للجنان في الأرض سيد
و مثلك آوى في الظلام الصعالكا

و من مذاهبهم أن المسافر إذا خرج من بلده إلى آخر فلا ينبغي له أن يلتفت فإنه إذا التفت عاد فلذلك لا يلتفت إلا العاشق الذي يريد العود قال بعضهم

دع التلفت يا مسعود و ارم بها
وجه الهواجر تأمن رجعة البلد

و قال آخر أنشده الخالع

عيل صيري بالثعلبية لما
طال ليلي و ملني قرنائي
كلما سارت المطايا بنا ميلا
تنفست و التفت ورائي

هذان البيتان ذكرهما الخالع في هذا الباب و عندي أنه لا دلالة فيهما على ما أراد لأن التلفت في أشعارهم كثير و مرادهم به الإبانة و الإعراب عن كثرة الشوق و التأسف على المفارقة و كون الراحل عن المنزل حيث لم يمكنه المقام فيه بجثمانه يتبعه بصره و يتزود من رؤيته كقول الرضي رحمه الله

و لقد مررت على طلولهم
و رسومهم بيد البلى نهب
فوقفت حتى ضج من لغب
نضوي و لج بعذلي الركب
و تلفتت عيني فمذ خفيت
عني الطلول تلفت القلب

و ليس يقصد بالتلفت هاهنا التفاؤل بالرجوع إليها لأن رسومها قد صارت نهبا ليد البلى فأي فائدة في الرجوع إليها و إنما يريد ما قدمنا ذكره من الحنين و التذكر لما مضى من أيامه فيها و كذلك قول الأول

[ 407 ]

تلفت نحو الحي حتى وجدتني
وجعت من الإصغاء ليتا و أخدعا

و مثل ذلك كثير و قال بعضهم في المذهب الأول

تلفت أرجو رجعة بعد نية
فكان التفاتي زائدا في بلائيا
أ أرجو رجوعا بعد ما حال بيننا
و بينكم حزن الفلا و الفيافيا

و قال آخر و قد طلق امرأته فتلفتت إليه

تلفت ترجو رجعة بعد فرقة
و هيهات مما ترتجي أم مازن
أ لم تعلمي أنى جموح عنانه
إذا كان من أهواه غير ملاين

و من مذاهبهم إذا بثرت شفة الصبي حمل منخلا على رأسه و نادى بين بيوت الحي الحلا الحلا الطعام الطعام فتلقي له النساء كسر الخبز و إقطاع التمر و اللحم في المنخل ثم يلقي ذلك للكلاب فتأكله فيبرأ من المرض فإن أكل صبي من الصبيان من ذلك الذي ألقاه للكلاب تمرة أو لقمة أو لحمة أصبح و قد بثرت شفته و أنشد لامرأة

أ لا حلا في شفة مشقوقه
فقد قضى منخلنا حقوقه

و من مذاهبهم أن الرجل منهم كان إذا طرفت عينه بثوب آخر مسح الطارف عين المطروف سبع مرات يقول في الأولى بإحدى جاءت من المدينة و في الثانية باثنتين جاءتا من المدينة و في الثالثة بثلاث جئن من المدينة إلى أن يقول في السابعة بسبع جئن من المدينة فتبرأ عين المطروف .

[ 408 ]

و فيهم من يقول بإحدى من سبع جئن من المدينة باثنتين من سبع إلى أن يقول بسبع من سبع . و من مذاهبهم أن المرأة منهم كان إذا عسر عليها خاطب النكاح نشرت جانبا من شعرها و كحلت إحدى عينيها مخالفة للشعر المنشور و حجلت على إحدى رجليها و يكون ذلك ليلا و تقول يا لكاح أبغي النكاح قبل الصباح فيسهل أمرها و تتزوج عن قرب قال رجل لصديقه و قد رأى امرأة تفعل ذلك

أ ما ترى أمك تبغي بعلا
قد نشرت من شعرها الأقلا
و لم توف مقلتيها كحلا
ترفع رجلا و تحط رجلا
هذا و قد شاب بنوها أصلا
و أصبح الأصغر منهم كهلا
خذ القطيع ثم سمها الذلا
ضربا به تترك هذا الفعلا

و قال آخر

قد كحلت عينا و أعفت عينا
و حجلت و نشرت قرينا
تظن زينا ما تراه شينا

و قال آخر

تصنعي ما شئت أن تصنعي
و كحلي عينيك أو لا فدعي
ثم احجلي في البيت أو في المجمع
ما لك في بعل أرى من مطمع

و من مذاهبهم كانوا إذا رحل الضيف أو غيره عنهم و أحبوا ألا يعود كسروا

[ 409 ]

شيئا من الأواني وراءه و هذا مما تعمله الناس اليوم أيضا قال بعضهم

كسرنا القدر بعد أبي سواح فعاد و قدرنا ذهبت ضياعا

و قال آخر

و لا نكسر الكيزان في أثر ضيفنا
و لكننا نقفيه زادا ليرجعا

و قال آخر

أما و الله إن بني نفيل
لحلالون بالشرف اليفاع
أناس ليس تكسر خلف ضيف
أوانيهم و لا شعب القصاع

و من مذاهبهم قولهم إن من ولد في القمراء تقلصت غرلته فكان كالمختون و يجوز عندنا أن يكون ذلك من خواص القمر كما أن من خواصه إبلاء الكتان و إنتان اللحم و

قد روي عن أمير المؤمنين ع إذا رأيت الغلام طويل الغرلة فاقرب به من السؤدد و إذا رأيته قصير الغرلة كأنما ختنه القمر فابعد به . و قال إمرؤ القيس لقيصر و قد دخل معه الحمام فرآه أغلف

إني حلفت يمينا غير كاذبة
لأنت أغلف إلا ما جنى القمر

و من مذاهبهم التشاؤم بالعطاس قال إمرؤ القيس

و قد اغتدى قبل العطاس بهيكل

و قال آخر

[ 410 ]

و خرق إذا وجهت فيه لغزوة
مضيت و لم يحبسك عنه العواطس

و من مذاهبهم قولهم في الدعاء لا عشت إلا عيش القراد يضربونه مثلا في الشدة و الصبر على المشقة و يزعمون أن القراد يعيش ببطنه عاما و بظهره عاما و يقولون إنه يترك في طينة و يرمى بها الحائط فيبقى سنة على بطنه و سنة على ظهره و لا يموت قال بعضهم

فلا عشت إلا كعيش القراد
عاما ببطن و عاما بظهر

و من مذاهبهم كانت النساء إذا غاب عنهن من يحببنه أخذن ترابا من موضع رجله كانت العرب تزعم أن ذلك أسرع لرجوعه . و قالت امرأة من العرب و اقتبضت من أثره

يا رب أنت جاره في سفره
و جار خصييه و جار ذكره

و قالت امرأة

أخذت ترابا من مواطئ رجله
غداة غدا كيما يئوب مسلما

و من مذاهبهم أنهم كانوا يسمون العشا في العين الهدبد و أصل الهدبد اللبن الخاثر فإذا أصاب أحدهم ذلك عمد إلى سنام فقطع منه قطعة و من الكبد قطعة و قلاهما و قال عند كل لقمة يأكلها بعد أن يمسح جفنه الأعلى بسبابته

فيا سناما و كبد
ألا اذهبا بالهدبد
ليس شفاء الهدبد
إلا السنام و الكبد

[ 411 ]

قال فيذهب العشا بذلك . و من مذاهبهم اعتقادهم أن الورل و القنفذ و الأرنب و الظبي و اليربوع و النعام مراكب الجن يمتطونها و لهم في ذلك أشعار مشهورة و يزعمون أنهم يرون الجن و يظاهرونهم و يخاطبونهم و يشاهدون الغول و ربما جامعوها و تزوجوها و قالوا إن عمرو بن يربوع تزوج الغول و أولدها بنين و مكثت عنده دهرا فكانت تقول له إذا لاح البرق من جهة بلادي و هي جهة كذا فاستره عني فإني إن لم تستره عني تركت ولدك عليك و طرت إلى بلاد قومي فكان عمرو بن يربوع كلما برق البرق غطى وجهها بردائه فلا تبصره و إلى هذا المعنى أشار أبو العلاء المعري في قوله يذكر الإبل و حنينها إلى البرق

طربن لضوء البارق المتعالي
ببغداد وهنا ما لهن و ما لي
سمت نحوه الأبصار حتى كأنها
بناريه من هنا و ثم صوالي
إذا طال عنها سرها لو رءوسها
تمد إليه في صدور عوالي
تمنت قويقا و الصراة أمامها
تراب لها من أينق و جمال
إذا لاح إيماض سترت وجوهها
كأني عمرو و المطي سعالي
و كم هم نضو أن يطير مع الصبا
إلى الشام لو لا حبسه بعقالي

قالوا فغفل عمرو بن يربوع عنها ليلة و قد لمع البرق فلم يستر وجهها فطارت و قالت له و هي تطير

أمسك بنيك عمرو إني آبق
برق على أرض السعالي آلق

[ 412 ]

و منهم من يقول ركبت بعيرا و طارت عليه أي أسرعت فلم يدركها و عن هذا قال الشاعر

رأى برقا فأوضع فوق بكر
فلا بك ما أسأل و لا أغاما

قال فبنو عمرو بن يربوع إلى اليوم يدعون بني السعلاة و لذلك قال الشاعر يهجوهم

يا قبح الله بني السعلاة
عمرو بن يربوع شرار النات
ليسوا بأبطال و لا أكيات

فأبدل السين تاء و هي لغة قوم من العرب . و من مذاهبهم في الغول قولهم إنها إذا ضربت ضربة واحدة بالسيف هلكت فإن ضربت ثانية عاشت و إلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله

فقالت ثن قلت لها رويدا
مكانك إنني ثبت الجنان

و كانت العرب تسمي أصوات الجن العزيف و تقول إن الرجل إذا قتل قنفذا أو ورلا لم يأمن الجن على فحل إبله و إذا أصاب إبله خطب أو بلاء حمله على ذلك و يزعمون أنهم يسمعون الهاتف بذلك و يقولون مثله في الجان من الحيات و قتله عندهم عظيم و رأى رجل منهم جانا في قعر بئر لا يستطيع الخروج فنزل و أخرجه منها على خطر عظيم و غمض عينيه لئلا يرى أين يدخل كأنه يريد بذلك التقرب إلى الجن .

[ 413 ]

و قال أبو عثمان الجاحظ و كانوا يسمون من يجاور منهم الناس عامرا و الجمع عمار فإن تعرض للصبيان فهو روح فإن خبث و تعرم فهو شيطان فإن زاد على ذلك فهو مارد فإن زاد على ذلك في القوة فهو عفريت فإن طهر و لطف و صار خيرا كله فهو ملك و يفاضلون بينهم و يعتقدون مع كل شاعر شيطانا و يسمونهم بأسماء مختلفة قال أبو عثمان و في النهار ساعات يرى فيها الصغير كبيرا و يوجد لأوساط الفيافي و الرمال و الحرار مثل الدوي و هو طبع ذلك الوقت قال ذو الرمة

إذا قال حادينا لترنيم نبأة
صه لم يكن إلا دوي المسامع

و قال أبو عثمان أيضا في الذين يذكرون عزيف الجن و تغول الغيلان إن أثر هذا الأمر و ابتداء هذا الخيال أن القوم لما نزلوا بلاد الوحش عملت فيهم الوحشة و من انفرد و طال مقامه في البلاد الخلاء استوحش و لا سيما مع قلة الأشغال و فقد المذاكرين و الوحدة لا تقطع أيامها إلا بالتمني و الأفكار و ذلك أحد أسباب الوسواس . و من عجائب اعتقادات العرب و مذاهبها اعتقادهم في الديك و الغراب و الحمامة و ساق حر و هو الهديل و الحية فمنهم من يعتقد أن للجن بهذه الحيوانات تعلقات و منهم من يزعم أنها نوع من الجن و يعتقدون أن سهيلا و الزهرة الضب و الذئب و الضبع مسوخ و من أشعارهم في مراكب الجن قول بعضهم في قنفذ رآه ليلا

فما يعجب الجنان منك عدمتهم
و في الأسد أفراس لهم و نجائب
أ يسرج يربوع و يلجم قنفذ
لقد أعوزتكم ما علمت النجائب

[ 414 ]

فإن كانت الجنان جنت فبالحرى
لا ذنب للأقوام و الله غالب

و من الشعر المنسوب إلى الجن

و كل المطايا قد ركبنا فلم نجد
ألذ و أشهى من ركوب الأرانب
و من عضر فوط عن لي فركبته
أبادر سربا من عطاء قوارب

و قال أعرابي يكذب بذلك

أ يستمع الأسرار راكب قنفذ
لقد ضاع سر الله يا أم معبد

و من أشعارهم و أحاديثهم في رواية الجن و خطابهم و هتافهم ما رواه أبو عثمان الجاحظ لسمير بن الحارث الضبي

و نار قد حضأت بعيد وهن
بدار لا أريد بها مقاما
سوى تحليل راحلة و عين
أكالئها مخافة أن تناما
أتوا ناري فقلت منون أنتم
فقالوا الجن قلت عموا ظلاما

و يزعمون أن عمير بن ضبيعة رأى غلمانا ثلاثة يلعبون نهارا فوثب غلام منهم فقام على عاتقي صاحبه و وثب الآخر فقام على عاتقي الأعلى منهما فلما رآهم كذلك حمل عليهم فصدمهم فوقعوا على ظهورهم و هم يضحكون فقال عمير بن ضبيعة فما مررت يومئذ بشجرة إلا و سمعت من تحتها ضحكا فلما رجع إلى منزله مرض أربعة أشهر .

[ 415 ]

و حكى الأصمعي عن بعضهم أنه خرج هو و صاحب له يسيران فإذا غلام على الطريق فقالا له من أنت قال أنا مسكين قد قطع بي فقال أحدهما لصاحبه أردفه خلفك فأردفه فالتفت الآخر إليه فرأى فمه يتأجج نارا فشد عليه بالسيف فذهبت النار فرجع عنه ثم التفت فرأى فمه يتأجج نارا فشد عليه فذهبت النار ففعل ذلك مرار فقال ذلك الغلام قاتلكما الله ما أجلدكما و الله ما فعلتها بآدمي إلا و انخلع فؤاده ثم غاب عنهما فلم يعلما خبره . و قال أبو البلاد الطهوي و يروى لتأبط شرا

لهان على جهينة ما ألاقي
من الروعات يوم رحى بطان
لقيت الغول تسري في ظلام
بسهب كالعباءة صحصحان
فقلت لها كلانا نقض أرض
أخو سفر فخلي لي مكاني
فشدت شدة نحوي فأهوى
لها كفى بمصقول يماني
فقالت زد فقلت رويد إني
على أمثالها ثبت الجنان

و الذين يروون هذا الشعر لتأبط شرا يروون أوله

ألا من مبلغ فتيات جهم
بما لاقيت عند رحى بطان
بأني قد لقيت الغول تلوي
بمرت كالصحيفة صحصحان
فصدت فانتحيت لها بعضب
حسام غير مؤتشب يماني
فقد سراتها و البرك منها
فخرت لليدين و للجران
فقالت ثن قلت لها رويدا
مكانك إنني ثبت الجنان

[ 416 ]

و لم أنفك مضطجعا لديها
لأنظر مصبحا ما ذا دهاني
إذا عينان في رأس دقيق
كرأس الهر مشقوق اللسان
و ساقا مخدج و لسان كلب
و ثوب من عباء أو شنان

و قال البهراني

و تزوجت في الشبيبة غولا
بغزال و صدقتي زق خمر

و قال الجاحظ أصدقها الخمر لطيب ريحها و الغزال لأنه من مراكب الجن و قال أبو عبيد بن أيوب العنبري أحد لصوص العرب

تقول و قد ألممت بالإنس لمة
مخضبة الأطراف خرس الخلاخل
أ هذا خدين الغول و الذئب و الذي
يهيم بربات الحجال الهراكل
رأت خلق الدرسين أسود شاحبا
من القوم بساما كريم الشمائل
تعود من آبائه فتكاتهم
و إطعامهم في كل غبراء شامل
إذا صاد صيدا لفه بضرامه
وشيكا و لم ينظر لغلي المراجل
و نهسا كنهس الصقر ثم مراسه
بكفيه رأس الشيخة المتمايل

و من هذه الأبيات

إذا ما أراد الله ذل قبيلة
رماها بتشتيت الهوى و التخاذل
و أول عجز القوم عما ينوبهم
تقاعدهم عنه و طول التواكل
و أول خبث الماء خبث ترابه
و أول لؤم القوم لؤم الحلائل

[ 417 ]

و هذا الشعر من جيد شعر العرب و إنما كان غرضنا منه متعلقا بأوله و ذكرنا سائره لما فيه من الأدب . و قال عبيد بن أيوب أيضا في المعنى الذي نحن بصدده

و صار خليل الغول بعد عداوة
صفيا و ربته القفار البسابس

و قال أيضا

فلله در الغول أي رفيقة
لصاحب قفر في المهامة يذعر
أرنت بلحن بعد لحن و أوقدت
حوالي نيرانا تلوح و تزهر

و قال أيضا

و غولا قفرة ذكر و أنثى
كأن عليهما قطع البجاد

و قال أيضا

فقد لاقت الغزلان مني بلية
و قد لاقت الغيلان مني الدواهيا

و قال البهراني في قتل الغول

ضربت ضربة فصارت هباء
في محاق القمراء آخر شهر

و قال أيضا يزعم أنه لما ثنى عليها الضرب عاشت

فثنيت و المقدار يحرس أهله
فليت يميني يوم ذلك شلت

و قال تأبط شرا يصف الغول و يذكر أنه راودها عن نفسها فامتنعت عليه فقتلها

فأصبحت و الغول لي جارة
فيا جارة أنت ما أغولا

[ 418 ]

و طالبتها بضعها فالتوت
فكان من الرأي أن تقتلا
فجللتها مرهفا صارما
أبان المرافق و المفصلا
فطار بقحف ابنة الجن ذا
شقاشق قد أخلق المحملا
فمن يك يسأل عن جارتي
فإن لها باللوى منزلا
عظاءة أرض لها حلتان
من ورق الطلح لم تغزلا
و كنت إذا ما هممت ابتهلت
و أحرى إذا قلت أن أفعلا

و من أعاجيبهم أنهم كانوا إذا طالت علة الواحد منهم و ظنوا أن به مسا من الجن لأنه قتل حية أو يربوعا أو قنفذا عملوا جمالا من طين و جعلوا عليها جوالق و ملئوها حنطة و شعيرا و تمرا و جعلوا تلك الجمال في باب جحر إلى جهة المغرب وقت غروب الشمس و باتوا ليلتهم تلك فإذا أصبحوا نظروا إلى تلك الجمال الطين فإن رأوا أنها بحالها قالوا لم تقبل الدية فزادوا فيها و إن رأوها قد تساقطت و تبدد ما عليها من الميرة قالوا قد قبلت الدية و استدلوا على شفاء المريض و ضربوا بالدف قال بعضهم

قالوا و قد طال عنائي و السقم
احمل إلى الجن جمالات و ضم
فقد فعلت و السقام لم يرم
فبالذي يملك برئي أعتصم

و قال آخر

فيا ليت إن الجن جازوا جمالتي
و زحزح عني ما عناني من السقم
و يا ليتهم قالوا انطنا كل ما حوت
يمينك في حرب عماس و في سلم
أعلل قلبي بالذي يزعمونه
فيا ليتني عوفيت في ذلك الزعم

[ 419 ]

و قال آخر

أرى أن جنان النويرة أصبحوا
و هم بين غضبان علي و آسف
حملت و لم أقبل إليهم حمالة
تسكن عن قلب من السقم تالف
و لو أنصفوا لم يطلبوا غير حقهم
و من لي من أمثالهم بالتناصف
تغطوا بثوب الأرض عني و لو بدوا
لأصبحت منهم آمنا غير خائف

و كانوا إذا غم عليهم أمر الغائب و لم يعرفوا له خبرا جاءوا إلى بئر عادية أو جفر قديم و نادوا فيه يا فلان أو يا أبا فلان ثلاث مرات و يزعمون أنه إن كان ميتا لم يسمعوا صوتا و إن كان حيا سمعوا صوتا ربما توهموه وهما أو سمعوه من الصدى فبنوا عليه عقيدتهم قال بعضهم

دعوت أبا المغوار في الجفر دعوة
فما آض صوتي بالذي كنت داعيا
أظن أبا المغوار في قعر مظلم
تجر عليه الذاريات السوافيا

و قال

و كم ناديته و الليل ساج
بعادي البئار فما أجابا

و قال آخر

غاب فلم أرج له إيابا
و الجفر لا يرجع لي جوابا
و ما قرأت مذ نأى كتابا
حتى متى أستنشد الركابا
عنه و كل يمنع الخطابا

[ 420 ]

و قال آخر

أ لم تعلمي أني دعوت مجاشعا
من الجفر و الظلماء باد كسورها
فجاوبني حتى ظننت بأنه
سيطلع من جوفاء صعب خدورها
لقد سكنت نفسي و أيقنت أنه
سيقدم و الدنيا عجاب أمورها

و قال آخر

دعوناه من عادية نضب ماؤها
و هدم جاليها اختلاف عصور
فرد جوابا ما شككت بأنه
قريب إلينا بالإياب يصير

أقوى في البيت الثاني و سكن نضب ضرورة كما قال

لو عصر منه البان و المسك انعصر

و من أعاجيبهم أنهم كانوا في الحرب ربما أخرجوا النساء فيبلن بين الصفين يرون أن ذلك يطفئ نار الحرب و يقودهم إلى السلم . قال بعضهم

لقونا بأبوال النساء جهالة
و نحن نلاقيهم ببيض قواضب

و قال آخر

بالت نساء بني خراشة خيفة
منا و أدبرت الرجال شلالا

و قال آخر

بالت نساؤهم و البيض قد أخذت
منهم مآخذ يستشفى بها الكلب

و هذان البيتان يمكن أن يراد بهما أن النساء يبلن خيفة و ذعرا لا على المعنى الذي نحن في ذكره فإذن لا يكون فيهما دلالة على المراد .

[ 421 ]

و قال الآخر

هيهات رد الخيل بالأبوال
إذا غدت في صور السعالي

و قال آخر

جعلوا السيوف المشرفية منهم
بول النساء و قل ذاك غناء

فأما ذكرهم عزيف الجن في المفاوز و السباسب فكثير مشهور كقول بعضهم

و خرق تحدث غيطانه
حديث العذارى بأسرارها

و قال آخر

و دوية سبسب سملق
من البيد تعزف جنانها

و قال الأعشى

و بهماء تعزف جناتها
مناهلها آجنات سدم

و قال

و بلدة مثل ظهر الترس موحشة
للجن بالليل في حافاتها زجل

و قال آخر

ببيداء في أرجائها الجن تعزف

و قال الشرقي بن القطامي كان رجل من كلب يقال له عبيد بن الحمارس شجاعا و كان نازلا بالسماوة أيام الربيع فلما حسر الربيع و قل ماؤه و أقلعت أنواؤه تحمل إلى وادي تبل فرأى روضة و غديرا فقال روضة و غدير و خطب يسير و أنا لما

[ 422 ]

حويت مجير فنزل هناك و له امرأتان اسم إحداهما الرباب و الأخرى خولة فقالت له خولة

أرى بلدة قفرا قليلا أنيسها
و إنا لنخشى إن دجا الليل أهلها

و قالت له الرباب

أرتك برأيي فاستمع عنك قولها
و لا تأمنن جن العزيف و جهلها

فقال مجيبا لهما

أ لست كميا في الحروب مجربا
شجاعا إذا شبت له الحرب محربا
سريعا إلى الهيجا إذا حمس الوغى
فأقسم لا أعدو الغدير منكبا

ثم صعد إلى جبل تبل فرأى شيهمة و هي الأنثى من القنافذ فرماها فأقعصها و معها ولدها فارتبطه فلما كان الليل هتف به هاتف من الجن

يا ابن الحمارس قد أسأت جوارنا
و ركبت صاحبنا بأمر مفظع
و عقرت لقحته و قدت فصيلها
قودا عنيفا في المنيع الأرفع
و نزلت مرعى شائنا و ظلمتنا
و الظلم فاعله وخيم المرتع
فلنطرقنك بالذي أوليتنا
شر يجيئك ما له من مدفع

فأجابه ابن الحمارس

يا مدعي ظلمي و لست بظالم
اسمع لديك مقالتي و تسمع
إن كنتم جنا ظلمتم قنفذا
عقرت فشر عقيرة في مصرع
لا تطمعوا فيما لدي فما لكم
فيما حويت و حزته من مطمع

فأجابه الجني

يا ضارب اللقحة بالعضب الأفل
قد جاءك الموت و أوفاك الأجل

[ 423 ]

و ساقك الحين إلى جن تبل
فاليوم أقويت و أعيتك الحيل

فأجابه ابن الحمارس

يا صاحب اللقحة هل أنت بجل
مستمع مني فقد قلت الخطل
و كثرة المنطق في الحرب فشل
هيجت قمقاما من القوم بطل
ليث ليوث و إذا هم فعل
لا يرهب الجن و لا الإنس أجل
من كان بالعقوة من جن تبل

قال فسمعهما شيخ من الجن فقال لا و الله لا نرى قتل إنسان مثل هذا ثابت القلب ماضي العزيمة فقام ذلك الشيخ و حمد الله تعالى ثم أنشد

يا ابن الحمارس قد نزلت بلادنا
فأصبت منها مشربا و مناما
فبدأتنا ظلما بعقر لقوحنا
و أسأت لما أن نطقت كلاما
فاعمد لأمر الرشد و اجتنب الردى
إنا نرى لك حرمة و ذماما
و اغرم لصاحبنا لقوحا متبعا
فلقد أصبت بما فعلت أثاما

فأجابه ابن الحمارس

الله يعلم حيث يرفع عرشه
أني لأكره أن أصيب أثاما
أما ادعاؤك ما ادعيت فإنني
جئت البلاد و لا أريد مقاما
فأسمت فيها مالنا و نزلتها
لأريح فيها ظهرنا أياما
فليغد صاحبكم علينا نعطه
ما قد سألت و لا نراه غراما

ثم غرم للجن لقوحا متبعا للقنفذ و ولدها . و هذه الحكاية و إن كانت كذبا إلا أنها تتضمن أدبا و هي من طرائف

[ 424 ]

أحاديث العرب فذكرناها لأدبها و إمتاعها و يقال إن الشرقي بن القطامي كان يصنع أشعارا و ينحلها غيره . فأما مذهب العرب في أن لكل شاعر شيطانا يلقي إليه الشعر فمذهب مشهور و الشعراء كافة عليه قال بعضهم

إني و إن كنت صغير السن
و كان في العين نبو عني
فإن شيطاني أمير الجن
يذهب بي في الشعر كل فن

و قال حسان بن ثابت

إذا ما ترعرع فينا الغلام
فما إن يقال له من هوه
إذا لم يسد قبل شد الإزار
فذلك فينا الذي لا هوه
و لي صاحب من بني الشيصبان
فطورا أقول و طوار هوه

و كانوا يزعمون أن اسم شيطان الأعشى مسحل و اسم شيطان المخبل عمرو و قال الأعشى

دعوت خليلي مسحلا و دعوا له
جهنام جدعا للهجين المذمم

و قال آخر

لقد كان جني الفرزدق قدوة
و ما كان فينا مثل فحل المخبل
و لا في القوافي مثل عمرو و شيخه
و لا بعد عمرو شاعر مثل مسحل

و قال الفرزدق يصف قصيدته

كأنها الذهب العقيان حبرها
لسان أشعر خلق الله شيطانا

[ 425 ]

و قال أبو النجم

إني و كل شاعر من البشر
شيطانه أنثى و شيطاني ذكر

و أنشد الخالع فيما نحن فيه لبعض الرجاز

إن الشياطين أتوني أربعه
في غلس الليل و فيهم زوبعه

و هذا لا يدل على ما نحن بصدده من أمر الشعر و إلقائه إلى الإنسان فلا وجه لإدخاله في هذا الموضع . و من مذاهبهم أنهم كانوا إذا قتلوا الثعبان خافوا من الجن أن يأخذوا بثأره فيأخذون روثة و يفتونها على رأسه و يقولون روثة راث ثائرك . و قال بعضهم

طرحنا عليه الروث و الزجر صادق
فراث علينا ثأره و الطوائل

و قد يذر على الحية المقتولة يسير رماد و يقال لها قتلك العين فلا ثأر لك و في أمثالهم لمن ذهب دمه هدرا و هو قتيل العين قال الشاعر

و لا أكن كقتيل العين وسطكم
و لا ذبيحة تشريق و تنحار

فأما مذهبهم في الخرزات و الأحجار و الرقى و العزائم فمشهور فمنها السلوانة و يقال السلوة و هي خرزة يسقى العاشق منها فيسلو في زعمهم و هي بيضاء شفافة قال الراجز

لو أشرب السلوان ما سليت
ما بي غنى عنكم و إن غنيت

السلوان جمع سلوانة .

[ 426 ]

و قال اللحياني السلوانة تراب من قبر يسقى منه العاشق فيسلو و قال عروة بن حزام

جعلت لعراف اليمامة حكمه
و عراف نجد إن هما شفياني
فقالا نعم نشفي من الداء كله
و قاما مع العواد يبتدران
فما تركا من رقية يعرفانها
و لا سلوة إلا و قد سقياني

و قال آخر

سقوني سلوة فسلوت عنها
سقى الله المنية من سقاني

أي سلوت عن السلوة و اشتد بي العشق و دام و قال الشمردل

و لقد سقيت بسلوة فكأنما
قال المداوي للخيال بها ازدد

و من خرزاتهم الهنمة تجتلب بها الرجال و تعطف بها قلوبهم و رقيتها أخذته بالهنمة بالليل زوج و بالنهار أمه . و منها الفطسة و القبلة و الدردبيس كلها لاجتلاب قلوب الرجال قال الشاعر

جمعن من قبل لهن و فطسة
و الدردبيس تمائما في منظم
فانقاد كل مشذب مرس القوى
لحبالهن و كل جلد شيظم

و قيل الدردبيس خرزة سوداء يتحبب بها النساء إلى بعولتهن توجد في القبور العادية و رقيتها أخذته بالدردبيس تدر العرق اليبيس و تذر الجديد كالدريس و أنشد

قطعت القيد و الخرزات عني
فمن لي من علاج الدردبيس

[ 427 ]

و أصل الدردبيس الداهية و نقل إلى هذه لقوة تأثيرها . و من خرزاتهم القرزحلة أنشد ابن الأعرابي

لا تنفع القرزحلة العجائزا
إذا قطعن دونها المفاوزا

و هي من خرز الضرائر إذا لبستها المرأة مال إليها بعلها دون ضرتها . و منها خرزة العقرة تشدها المرأة على حقويها فتمنع الحبل ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق . و منها الينجلب و رقيتها أخذته بالينجلب فلا يرم و لا يغب و لا يزل عند الطنب . و منها كرار مبنية على الكسر و رقيتها يا كرار كريه إن أقبل فسريه و إن أدبر فضريه من فرجه إلى فيه . و منها الهمرة و رقيتها يا همرة اهمريه من استه إلى فيه و ماله و بنيه . و منها الخصمة خرزة للدخول على السلطان و الخصومة تجعل تحت فص الخاتم أو في زر القميص أو في حمائل السيف قال بعضهم

يعلق غيري خصمة في لقائهم
و ما لي عليكم خصمة غير منطقي

و منها الوجيهة و هي كالخصمة حمراء كالعقيق . و منها العطفة خرزة العطف و الكحلة خرزة سوداء تجعل على الصبيان لدفع العين عنهم و القبلة خرزة بيضاء تجعل في عنق الفرس من العين و الفطسة خرزة يمرض بها العدو و يقتل و رقيتها أخذته بالفطسة بالثوباء و العطسة فلا يزال في تعسة من أمره و نكسة حتى يزور رمسه .

[ 428 ]

و من رقاهم للحب هوابه هوابه البرق و السحابه أخذته بمركن فحبه تمكن أخذته بإبره فلا يزل في عبره خليته بإشفى فقلبه لا يهدا خليته بمبرد فقلبه لا يبرد و ترقي الفارك زوجها إذا سافر عنها فتقول بأفول القمر و ظل الشجر شمال تشمله و دبوره تدبره و نكباء تنكبه شيك فلا انتعش ثم ترمي في أثره بحصاة و نواة و روثة و بعرة و تقول حصاة حصت أثره نواة أنأت داره روثة راث خبره لقعته ببعرة و قالت فارك في زوجها

أتبعته إذ رحل العيس ضحى
بعد النواة روثة حيث انتوى
الروث للرثى و للنأي النوى

و قال آخر

رمت خلفه لما رأت وشك بينه
نواة تلتها روثة و حصاة
و قالت نأت منك الديار فلا دنت
و راثت بك الأخبار و الرجعات
و حصت لك الآثار بعد ظهورها
و لا فارق الترحال منك شتات

و قال آخر يخاطب امرأته

لا تقذفي خلفي إذا الركب اغتدى
روثة عير و حصاة و نوى
لن يدفع المقدار أسباب الرقى
و لا التهاويل على جن الفلا

هذا الرجز أورده الخالع في هذا المعرض و هو بأن يدل على عكس هذا المعنى أولى لأن قوله لن يدفع المقدار بالرقى و لا بالتهاويل على الجن كلام يشعر بأن قذف الحصاة و النواة خلفه كالعوذة له لا كما تفعله الفارك التي تتمنى الفراق .

[ 429 ]

فأما مذهبهم في القيافة و الزجر و الكهانة و اختلافهم في السانح و البارح و تشاتمهم باللفظة و الكلمة و تأويلهم لها و تيمنهم بكلمة أخرى و ما كانوا يفعلونه من البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحامي فكله مشهور معروف لا حاجة لنا إلى ذكره هاهنا . فأما لفظ أمير المؤمنين ع في قوله نشرة فإن النشرة في اللغة كالعوذة و الرقية قالوا نشرت فلانا تنشيرا أي رقيته و عوذته و قال الكلابي إذا نشر المسفوع فكأنما أنشط من عقال أي يذهب عنه ما به سريعا و في الحديث أنه قال فلعل طبا أصابه يعني سحرا ثم عوذه بقل أعوذ برب الناس أي رقاه و كذلك إذا كتب له النشرة . و قد عد أمير المؤمنين ع أمورا أربعة ذكر منها النشرة و لم يكن ع ليقول ذلك إلا عن توقيف من رسول الله ص