فصل في الفخر و ما قيل في النهي عنه

و قال بعض الحكماء الفخر هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان و ذلك نهاية الحمق لمن نظر بعين عقله و انحسر عنه قناع جهله فأعراض الدنيا عارية مستردة لا يؤمن في كل ساعة أن ترتجع و المباهي بها مباه بما في غير ذاته . و قد قال لبعض من فخر بثروته و وفره إن افتخرت بفرسك فالحسن و الفراهة له دونك و إن افتخرت بثيابك و آلاتك فالجمال لهما دونك و إن افتخرت بآبائك

[ 151 ]

و سلفك فالفضل فيهم لا فيك و لو تكلمت هذه الأشياء لقالت لك هذه محاسننا فما محاسنك . و أيضا فإن الأعراض الدنيوية كما قيل سحابة صيف عن قليل تقشع و ظل زائل عن قريب يضمحل كما قال الشاعر

إنما الدنيا كرؤيا فرحت
من رآها ساعة ثم انقضت

بل كما قال تعالى إِنَّما مَثَلُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ اَلسَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ اَلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ اَلنَّاسُ وَ اَلْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ اَلْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ اِزَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ . و إذا كان لا بد من الفخر فليخفر الإنسان بعلمه و بشريف خلقه و إذا أعجبك من الدنيا شي‏ء فاذكر فناءك و بقاءه أو بقاءك و فناءه أو فناءكما جميعا و إذا راقك ما هو لك فانظر إلى قرب خروجه من يدك و بعد رجوعه إليك و طول حسابك عليه و قد ذم الله الفخور فقال وَ اَللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ

[ 152 ]