فصل فيما قيل في التفضيل بين الصحابة

و القول بالتفضيل قول قديم قد قال به كثير من الصحابة و التابعين فمن الصحابة عمار و المقداد و أبو ذر و سلمان و جابر بن عبد الله و أبي بن كعب و حذيفة و بريدة و أبو أيوب و سهل بن حنيف و عثمان بن حنيف و أبو الهيثم بن التيهان و خزيمة بن ثابت و أبو الطفيل عامر بن واثلة و العباس بن عبد المطلب و بنوه و بنو هاشم كافة و بنو المطلب كافة .

[ 222 ]

و كان الزبير من القائلين به في بدء الأمر ثم رجع و كان من بني أمية قوم يقولون بذلك منهم خالد بن سعيد بن العاص و منهم عمر بن عبد العزيز . و أنا أذكر هاهنا الخبر المروي المشهور عن عمر و هو من رواية ابن الكلبي قال بينا عمر بن عبد العزيز جالسا في مجلسه دخل حاجبه و معه امرأة أدماء طويلة حسنة الجسم و القامة و رجلان متعلقان بها و معهم كتاب من ميمون بن مهران إلى عمر فدفعوا إليه الكتاب ففضه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز من ميمون بن مهران سلام عليك و رحمة الله و بركاته أما بعد فإنه ورد علينا أمر ضاقت به الصدور و عجزت عنه الأوساع و هربنا بأنفسنا عنه و وكلناه إلى عالمه لقول الله عز و جل وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ و هذه المرأة و الرجلان أحدهما زوجها و الآخر أبوها و إن أباها يا أمير المؤمنين زعم أن زوجها حلف بطلاقها أن علي بن أبي طالب ع خير هذه الأمة و أولاها برسول الله ص و أنه يزعم أن ابنته طلقت منه و أنه لا يجوز له في دينه أن يتخذه صهرا و هو يعلم أنها حرام عليه كأمه و إن الزوج يقول له كذبت و أثمت لقد بر قسمي و صدقت مقالتي و إنها امرأتي على رغم أنفك و غيظ قلبك فاجتمعوا إلي يختصمون في ذلك فسألت الرجل عن يمينه فقال نعم قد كان ذلك و قد حلفت بطلاقها أن عليا خير هذه الأمة و أولاها برسول الله ص عرفه من عرفه و أنكره من أنكره فليغضب من

[ 223 ]

غضب و ليرض من رضي و تسامع الناس بذلك فاجتمعوا له و إن كانت الألسن مجتمعة فالقلوب شتى و قد علمت يا أمير المؤمنين اختلاف الناس في أهوائهم و تسرعهم إلى ما فيه الفتنة فاحجمنا عن الحكم لتحكم بما أراك الله و إنهما تعلقا بها و أقسم أبوها ألا يدعها معه و أقسم زوجها ألا يفارقها و لو ضربت عنقها إلا أن يحكم عليه بذلك حاكم لا يستطيع مخالفته و الامتناع منه فرفعناهم إليك يا أمير المؤمنين أحسن الله توفيقك و أرشدك . و كتب في أسفل الكتاب

إذا ما المشكلات وردن يوما
فحارت في تأملها العيون
و ضاق القوم ذرعا عن نباها
فأنت لها أبا حفص أمين
لأنك قد حويت العلم طرا
و أحكمك التجارب و الشئون
و خلفك الإله على الرعايا
فحظك فيهم الحظ الثمين

قال فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم و بني أمية و أفخاذ قريش ثم قال لأبي المرأة ما تقول أيها الشيخ قال يا أمير المؤمنين هذا الرجل زوجته ابنتي و جهزتها إليه بأحسن ما يجهز به مثلها حتى إذا أملت خيره و رجوت صلاحه حلف بطلاقها كاذبا ثم أراد الإقامة معها فقال له عمر يا شيخ لعله لم يطلق امرأته فكيف حلف قال الشيخ سبحان الله الذي حلف عليه لأبين حنثا و أوضح كذبا من أن يختلج في صدري منه شك مع سني و علمي لأنه زعم أن عليا خير هذه الأمة و إلا فامرأته طالق ثلاثا فقال للزوج ما تقول أ هكذا حلفت قال نعم فقيل إنه لما قال نعم كاد المجلس يرتج بأهله و بنو أمية ينظرون إليه شزرا إلا أنهم لم ينطقوا بشي‏ء كل ينظر إلى وجه عمر .

[ 224 ]

فأكب عمر مليا ينكت الأرض بيده و القوم صامتون ينظرون ما يقوله ثم رفع رأسه و قال

إذا ولي الحكومة بين قوم
أصاب الحق و التمس السدادا
و ما خير الإمام إذا تعدى
خلاف الحق و اجتنب الرشادا

ثم قال للقوم ما تقولون في يمين هذا الرجل فسكتوا فقال سبحان الله قولوا فقال رجل من بني أمية هذا حكم في فرج و لسنا نجترئ على القول فيه و أنت عالم بالقول مؤتمن لهم و عليهم قل ما عندك فإن القول ما لم يكن يحق باطلا و يبطل حقا جائز علي في مجلسي . قال لا أقول شيئا فالتفت إلى رجل من بني هاشم من ولد عقيل بن أبي طالب فقال له ما تقول فيما حلف به هذا الرجل يا عقيلي فاغتنمها فقال يا أمير المؤمنين إن جعلت قولي حكما أو حكمي جائزا قلت و إن لم يكن ذلك فالسكوت أوسع لي و أبقى للمودة قال قل و قولك حكم و حكمك ماض . فلما سمع ذلك بنو أمية قالوا ما أنصفتنا أمير المؤمنين إذ جعلت الحكم إلى غيرنا و نحن من لحمتك و أولى رحمك فقال عمر اسكتوا أ عجزا و لؤما عرضت ذلك عليكم آنفا فما انتدبتم له قالوا لأنك لم تعطنا ما أعطيت العقيلي و لا حكمتنا كما حكمته فقال عمر إن كان أصاب و أخطأتم و حزم و عجزتم و أبصر و عميتم فما ذنب عمر لا أبا لكم أ تدرون ما مثلكم قالوا لا ندري قال لكن العقيلي يدري ثم قال ما تقول يا رجل قال نعم يا أمير المؤمنين كما قال الأول

دعيتم إلى أمر فلما عجزتم
تناوله من لا يداخله عجز
فلما رأيتم ذاك أبدت نفوسكم
نداما و هل يغني من القدر الحذر

فقال عمر أحسنت و أصبت فقل ما سألتك عنه قال يا أمير المؤمنين

[ 225 ]

بر قسمه و لم تطلق امرأته قال و أنى علمت ذاك قال نشدتك الله يا أمير المؤمنين أ لم تعلم

أن رسول الله ص قال لفاطمة ع و هو عندها في بيتها عائد لها يا بنية ما علتك قالت الوعك يا أبتاه و كان علي غائبا في بعض حوائج النبي ص فقال لها أ تشتهين شيئا قالت نعم أشتهي عنبا و أنا أعلم أنه عزيز و ليس وقت عنب فقال ص إن الله قادر على أن يجيئنا به ثم قال اللهم ائتنا به مع أفضل أمتي عندك منزلة فطرق علي الباب و دخل و معه مكتل قد ألقى عليه طرف ردائه فقال له النبي ص ما هذا يا علي قال عنب التمسته لفاطمة فقال الله أكبر الله أكبر اللهم كما سررتني بأن خصصت عليا بدعوتي فاجعل فيه شفاء بنيتي ثم قال كلي على اسم الله يا بنية فأكلت و ما خرج رسول الله ص حتى استقلت و برأت فقال عمر صدقت و بررت أشهد لقد سمعته و وعيته يا رجل خذ بيد امرأتك فإن عرض لك أبوها فاهشم أنفه ثم قال يا بني عبد مناف و الله ما نجهل ما يعلم غيرنا و لا بنا عمى في ديننا و لكنا كما قال الأول

تصيدت الدنيا رجالا بفخها
فلم يدركوا خيرا بل استقبحوا الشرا
و أعماهم حب الغنى و أصمهم
فلم يدركوا إلا الخسارة و الوزرا

قيل فكأنما ألقم بني أمية حجرا و مضى الرجل بامرأته . و كتب عمر إلى ميمون بن مهران عليك سلام فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني قد فهمت كتابك و ورد الرجلان و المرأة و قد صدق الله يمين الزوج و أبر قسمه و أثبته على نكاحه فاستيقن ذلك و اعمل عليه و السلام عليك و رحمة الله و بركاته .

[ 226 ]

فأما من قال بتفضيله على الناس كافة من التابعين فخلق كثير كأويس القرني و زيد بن صوحان و صعصعة أخيه و جندب الخير و عبيدة السلماني و غيرهم ممن لا يحصى كثرة و لم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر إلا لمن قال بتفضيله و لم تكن مقالة الإمامية و من نحا نحوها من الطاعنين في إمامة السلف مشهورة حينئذ على هذا النحو من الاشتهار فكان القائلون بالتفضيل هم المسمون الشيعة و جميع ما ورد من الآثار و الأخبار في فضل الشيعة و أنهم موعودون بالجنة فهؤلاء هم المعنيون به دون غيرهم و لذلك قال أصحابنا المعتزلة في كتبهم و تصانيفهم نحن الشيعة حقا فهذا القول هو أقرب إلى السلامة و أشبه بالحق من القولين المقتسمين طرفي الإفراط و التفريط إن شاء الله

[ 227 ]