مختارات مما قيل من الشعر في الشيب و الخضاب

قد تقدم لنا في الخضاب قول كاف و أنا أستملح قول الصابي فيه

خضاب تقاسمناه بيني و بينها
و لكن شأني فيه خالف شأنها
فيا قبحه إذ حل مني بمفرقي
و يا حسنه إذ حل منها بنانها
و سحقا له عن لمتي حين شانها
و أهلا به في كفها حيث زانها

و قال أبو تمام

لعب الشيب بالمفارق بل جد
فأبكى تماضرا و لعوبا
خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد
دما أن رأت شواتي خضيبا
كل داء يرجى الدواء له
إلا الفظيعين ميتة و مشيبا
يا نسيب الثغام ذنبك أبقى
حسناتي عند الحسان ذنوبا

[ 231 ]

و لئن عبن ما رأين لقد أنكرن
مستنكرا و عبن معيبا
لو رأى الله أن في الشيب فضلا
جاورته الأبرار في الخلد شيبا

و قال

فإن يكن المشيب طغى علينا
و أودى بالبشاشة و الشباب
فإني لست أدفعه بشي‏ء
يكون عليه أثقل من خضاب
أردت بأن ذاك و ذا عذاب
فسلطت العذاب على العذاب

ابن الرومي

لم أخضب الشيب للغواني
أبغي به عندهم ودادا
لكن خضابي على شباب
لبست من بعده حدادا

و من مختار ما جاء من الشعر في الشيب و إن لم يكن فيه ذكر الخضاب قول أبي تمام

نسج المشيب له لفاعا مغدفا
يققا فقنع مذرويه و نصفا
نظر الزمان إليه قطع دونه
نظر الشقيق تحسرا و تلهفا
ما اسود حتى ابيض كالكرم الذي
لم يبد حتى جي‏ء كيما يقطفا
لما تفوفت الخطوب سوادها
ببياضها عبثت به فتفوفا
ما كان يخطر قبل ذا في فكره
للبدر قبل تمامه أن يكسفا

و قال أيضا

غدا الهم مختطا بفودي خطة
طريق الردى منها إلى الموت مهيع

[ 232 ]

هو الزور يجفى و المعاشر يجتوى
و ذو الإلف يقلى و الجديد يرقع
له منظر في العين أبيض ناصع
و لكنه في القلب أسود أسفع
و نحن نرجيه على الكره و الرضا
و أنف الفتى من وجهه و هو أجدع

و قال أيضا

شعلة في المفارق استودعتني
في صميم الأحشاء ثكلا صميما
تستثير الهموم ما اكتن منها
صعدا و هي تستثير الهموما
غرة مرة ألا إنما كنت
أغر أيام كنت بهيما
دقة في الحياة تدعى جلالا
مثل ما سمي اللديغ سليما
حلمتني زعمتم و أراني
قبل هذا التحليم كنت حليما

و قال الصابي و ذكر الخضاب

خضبت مشيبي للتعلق بالصبا
و أوهمت من أهواه أني لم أشب
فلما ادعى مني العذار شبيبة
إذا صلعي قد صاح من فوقه كذب
فكم طرة طارت و دانت ذوائب
و كم وجنة حالت و ماء بها نضب
شواهد بالتزوير يحوين ربها
فهجرانه عند الأحبة قد وجب

البحتري

بان الشباب فلا عين و لا أثر
إلا بقية برد منه أسمال
قد كدت أخرجه عن منتهى عددي
يأسا و أسقطه إذ فات من بالي
سوء العواقب يأس قبله أمل
و أعضل الداء نكس بعد إبلال
و المرء طاعة أيام تنقله
تنقل الظل من حال إلى حال

[ 233 ]