مقدمة الكتاب

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الذي ألهم اوليائه الحكم ، و أجرى على ألسنتهم طيب الكلم ،

و الصلاة و السلام على سيد العرب و العجم ، محمد و آله أهل الجود و الكرم ، الذين حبهم من افضل النعم ، و بغضهم يورث الخسران و الندم ، سيما الامام العادل ،

و الأسد الباسل و الغيث الهاطل ، نفس الرسول ، و زوج البتول ، و ابو الشبول ،

امير المؤمنين ابو الحسن علي بن أبيطالب ( ع ) .

و بعد فان مما لا يخفى على من تتبع الكتب و الآثار ، ان كتاب نهج البلاغة لم يأت الى الآن كتاب مثله ، جامعا لجميع اطراف الفضائل و المحاسن ، بعيدا عن المعايب و النقائص ، الذي لا يستطيع أي قلم وصفه ، أو لسان مدحه ،

و نظرا لأهميته و عظم شأنه ، قد كتب حوله شروح كثيرة ، و قد كتب كل شارح مقدار ما فهمه من مطاوي الكتاب ، و ذلك على اختلاف الشروح :

من الاختصار و التطويل و الاجمال و التفصيل ، فكانت الشروح كنفس الكتاب

[ 4 ]

ضالة منشودة ، محبوبة عند أولى الألباب ، و مطلوبة كل اديب لبيب ، و خطيب بليغ ، و متكلم متأله ، و عابد زاهد ، و مسكين ناسك ، و ملك سياسي ، و سلطان كبير ، و حاكم و والي ، و قائد و غازي ، و طبيب روحي أو جسمي ، و رياضي طبيعي ، و حكيم فلسفي ، و غيرهم من الناس ، على إختلاف طبقاتهم و عقائدهم و معارفهم ، فترى كل واحد منهم يستفيد من مطالعة هذا الكتاب ، و يطلع على أسرار الخلقة و الطبيعة بقدر فكره ، و سعة عقله و استعداد ذهنه ، و يستنبط كل منهم ما يهمه و يناسب صنعته و مهنته و شغله الذي هو متلبس به ، و حالته التي هو فيها ، فتارك الدنيا تفيده المواعظ و النصائح و ذكر قبائح الدنيا و جناياتها و امثال ذلك . و الملك السياسي تنفعه الكتب و الرسائل التي ارسلها امير المؤمنين عليه السلام الى العمال و الولاة و رؤساء الجيش و قواد الجند ، من الخطط الحربية ،

و الاوامر الصادرة منه عليه السلام في جبهات القتال و ساحات الوغى : من الدفاع أو الهجوم ، و الاقدام أو الانسحاب ، و الانذار و التبشير ، و الفاء الرعب في قلوب الأعداء ، و تثبيت قلوب الجند ، و وعدهم بالظفر و النصر ،

و امثال هذه الامور مما يأمر فيها بأفناء الظلم و إشاعة العدل و بسطه في الرعية و غير ذلك ، و كيف لا يكون كذلك ، و هو القرآن الثاني و إحدى المعجزتين الخالدتين ، و لذا قيل في شأنه : دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق ، و لعمرى هو القانون الاجتماعي و الانفرادي ، الجامع الكامل . النافع الباقي في كل جيل و زمان ، و قبيل و مكان ، الضامن لعامله سعادة الدارين ، و لكن تلك الشروح مع ما لها من الحسن و الكمال ، لا يستلذ بها و لا يستفيد منها إلا المتتبع لآثار العرب ، المطلع على إصطلاحاتهم ، فترى اكثر الناس ممن حرموا التعلم

[ 5 ]

و التتبع ، لا يعلمون من هذا الكتاب سوى الظاهر منه ، و لا يستلذون بفهم النكات الكلامية و الاصطلاحات العلمية التي يستعملها ارباب الفصاحة و البلاغة .

فسألني أعز اصدقائي علي و أحبهم الي : ان اشرح على هذا السفر الجليل شرحا يفهمه كل عربي بل و كل متكلم بلسان العرب ، بحيث يظهر منه بعض النكات الكلامية و اللطائف الخفية التي لا تبدو إلا بالشرح الموضح للكلمات و الجمل . فكتبت هذا الشرح إجابة له ، و خدمة للدين ، و إظهارا للولاية لمولاي سيد الأوصياء و أفضل الأصفياء ، المخصوص بلقب امير المؤمنين الامام علي بن ابيطالب عليه و على اولاده الأحد عشر صلوات اللّه و كان من المناسب ان اذكر شيئا من ترجمة حياة الامام عليه السلام ( كما هو شأن اكثر الشارحين لهذا الكتاب بل هو دأب اكثر الكتاب ) و لكني رأيت ذكر هذا الموضوع في ضمن الكتاب احجى ، فان الاختصار لا ينفع ، لأنه مما لا يجهله احد و الاطناب خارج عن اسلوب مقدمة الكتاب .

ثم ان دأبي فى هذا الشرح ان اذكر شيئا من الخطبة تحت عنوان ( المتن ) ثم اذكر معاني اللغات لدى الاحتياج الى التفسير تحت كلمة ( اللغة ) ثم اذكر الشرح و ما يتعلق بذلك بمناسبة المقام تحت عنوان ( المعنى ) . و أشرح ذلك ( مقدار جهدي ) بألفاظ واضحة و عبارات سهلة ، و كلمات مأنوسة عند العرف متبعدا عن ذكر الألفاظ الصعبة ، القليلة الاستعمال ، و اذكر ايضا ( مهما امكن ) إختلاف بعض النسخ ، و اقوال العلماء و الوجوه المحتملة في الشرح ، و بعض الأخبار و الاحاديث الواردة بمناسبة المقام .

[ 6 ]

و حيث ان هذا الكتاب اول كتاب تقدمت بتأليفه مع قلة ما يحتاج اليه كل مؤلف من الثروة الفكرية و العلمية ، و الكتب و سائر اللوازم ، مع ضيق المجال و كثرة الأشغال ، فاني اقبل كل نقد علمي أو ادبي أو تأريخي ،

و اتلقاه بكل بشاشة و ترحيب و شكر ، ناظرا الى كلام سيد الانبياء ، المنزه عن كل عيب ، و المبرء من كل نقص حيث قال صلى اللّه عليه و آله و سلم : ( خير الناس من اهدى الي عيوبي ) غير رامق قول الشاعر :

( و عين الرضا عن كل عيب كليلة )

و من اللّه العصمة و هو المستعان عليه توكلت و اليه انيب و هو خير موفق و معين .

( المؤلف )

[ 7 ]