خطبة السيد الرضى ( ره )

قال السيد :

أما بعد حمد للّه الذي جعل الحمد ثمنا لنعمائه . و معاذا من بلائه .

و وسيلا الى جنانه و سببا لزيادة إحسانه 1 و الصلوة على رسوله نبي الرحمة 2 و إمام الأئمة و سراج الأمة المنتجب من طينة الكرم و سلالة المجد الاقدم 3 و مغرس الفخار المعرق و فرع العلاء المثمر 4 .

-----------
( 1 ) الحمد هو الثناء على الجميل الاختيارى ، و معنى كون الحمد ثمنا : ان الحمد موجب للنعمة ، تشبيها بالثمن الذي يوجب الحصول على المثمن في المعاملات .

و الوسيل جمع وسيلة و هى ما يتقرب به . و قوله سببا اشارة الى قوله تعالى : لئن شكرتم لازيدنكم .

-----------
( 2 ) الصلوة : العطف و الميل ، و المراد طلب الصلوة من اللّه سبحانه أو إظهار لميل الشخص نحو ذاته الكريمة ، امتثالا لقوله تعالى : يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه .

-----------
( 3 ) طينة الكرم : اصله ، و الظاهر انه اشارة الى ما ورد من كيفية بدء خلقه ( ص ) و سلالة المجد فرعه .

-----------
( 4 ) المغرس محل الغرس ، المعرق من اعرق : أى صار عريقا فى الشرف ، شبه النبي ( ص ) بالشجرة الطيبة ، و يمكن أن يكون إشارة الى قوله تعالى : كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها فى السماء تؤتى اكلها كل حين باذن ربها .

[ 10 ]

و على أهل بيته مصابيح الظلم و عصم الامم و منار الدين الواضحة و مثاقيل الفضل الراجحة 1 . صلى اللّه عليهم أجمعين . صلوة تكون ازاء لفضلهم و مكافأة لعلمهم و كفاء لطيب فرعهم و أصلهم ما أنار فجر ساطع و خوى نجم طالع 2 فاني كنت في عنفوان السن و غضاضة الغصن 3 ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص الائمة ( عليهم السلام ) يشتمل محاسن أخبارهم و جواهر كلامهم . حداني عليه غرض ذكر فى صدر الكتاب و جعلته أمام الكلام و فرغت من الخصائص التي تخص امير المؤمنين عليا . عليه السلام و عاقت عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الزمان و مماطلات الايام . 4 و كنت قد بوّبت ما خرج من ذلك ابوابا و فصّلته فصولا فجاء فى آخرها فصل يتضمن محاسن

-----------
( 1 ) عصم الأمم ، جمع عصمة و هو ما يعتصم به ، إشارة الى قوله تعالى : و اعتصموا بحبل اللّه جميعا . و المنار جمع منارة : و هى ما يهتدى به . المثاقيل جمع مثقال : أى ان الفضل يعرف بهم كما ان وزن الذهب و سائر الجواهر يعرف بالمثاقيل .

-----------
( 2 ) انار : أشرق ، و هو و ان كان من باب الافعال لكنه لازم غالبا أو دائما .

و الفجر الساطع هو الفجر الصادق ، خوى النجم : سقط ، و ربما يفسر بامحاله فلم يمطر لكنه لا يناسب المقام .

-----------
( 3 ) عنفوان ألسن أولها . و غضاضة الغصن : نضارته و طراوته .

-----------
( 4 ) محاسن جمع الحسن ( على غير القياس ) . حداني : بعثنى و حثنى . عاقت :

منعت . محاجزات الزمان ممانعاته . مماطلات الايام مدافعاتها ، و إسناد المنع و الدفع الى الزمان مجاز عقلى كنسبة الصوم الى النهار فى قولهم : نهاره صائم .

[ 11 ]

ما نقل عنه ( عليه السلام ) من الكلام القصير فى المواعظ و الحكم و الامثال و الآداب دون الخطب الطويلة و الكتب المبسوطة فاستحسن جماعة من الاصدقاء و الاخوان ما اشتمل عليه الفصل المقدم ذكره معجبين من نواصعه 1 و سألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا امير المؤمنين ( عليه السلام ) في جميع فنونه و متشعبات غصونه 2 من خطب و كتب و مواعظ و آداب علما أن ذلك يتضمن من عجائب البلاغة و غرائب الفصاحة و جواهر العربية و ثواقب الكلم 3 الدينية و الدنيوية ما لا يوجد مجتمعا فى كلام و لا مجموع الاطراف فى كتاب .

إذ كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مشرع الفصاحة

-----------
( 1 ) معجبين : أى متعجبين ، و أما كونه من اعجبه بمعنى حمله على العجب فلا يناسب المقام . و العجب من الحالات الوجدانية و ربما يعرف بأنه إنفعال نفسانى عند إستعظامه أو انكاره أو استطرافه ما يرد عليه . النواصع : جمع ناصعة : و هى الخالصة و الظاهرة و الصافية من كل شى‏ء ، يقال حسب ناصع أى خالص ، و حق ناصع أى ظاهر .

-----------
( 2 ) متشعبات غصونه : أى غصونه المنشعبة من الالهيات ، و الفلسفيات ،

و الطبيعيات ، و الكونيات ، و الاخلاقيات ، و الاجتماعيات ، و السياسيات ،

الى غير ذلك .

-----------
( 3 ) الثواقب : المضيئة النافذة ، و منه سمى الشهاب ثاقبا لنفوذه و مضيه ، و فى الكلام استعارة المحسوس للمعقول ، فان الكلم النافذة فى القلوب الموجبة لهداية صاحبها الى المقصد الذى قصد وصوله اليه شبيهة بالشهب الثاقبة .

[ 12 ]

و موردها 1 و منشأ البلاغة و مولدها ، و منه « عليه السلام » ظهر مكنونها ، و عنه أخذت قوانينها ، و على أمثلته حذا كل قائل خطيب 2 ، و بكلامه استعان كل واعظ بليغ ، و مع ذلك فقد سبق و قصروا 3 و تقدم و تأخروا ، لأن كلامه « عليه السلام » الكلام الذى عليه مسحة من العلم الآلهي ، و فيه عبقة من الكلام النبوي 4 فأجبتهم الى الابتداء بذلك . عالما بما فيه من عظيم النفع ،

و منشور الذكر و مذخور الأجر ، 5 و اعتمدت به ان أبين من عظيم قدر أمير المؤمنين « عليه السلام » في هذه الفضيلة ، مضافا الى المحاسن الدثرة ، و الفضائل الجمة 6 و أنه « عليه السلام »

-----------
( 1 ) المشرع : مورد الشاربة ، فكان رائدى الفصاحة ترد شريعة علمه الفضفاض كورود الشاربة مشرع الماء .

-----------
( 2 ) حذا : إقتفى ، و لذا نقل انه قيل لبعض الخطباء : بم بلغت هذه المرتبة ؟

قال : لأنى حفظت بعض خطب أمير المؤمنين عليه السلام .

-----------
( 3 ) و قصروا . من قصر عن الشى‏ء بمعنى تركه و هو لا يقدر عليه ، لا بمعنى توالى عنه . فان البلغاء قاصرون عن نيل رتبته عليه السلام . لا مقصرون .

-----------
( 4 ) مسحة : أى علامة و اثر ، و العبقة : الرائحة المنتشرة عنه و لذا قيل :

انه فوق كلام المخلوق و دون كلام الخالق .

-----------
( 5 ) عظيم النفع ، و الجملتان بعدها من اضافة الصفة الى الموصوف . و سره البلاغى الإلماع الى الجهة المسوق لها الكلام . كما يقال : عظيم النفع ، اشارة الى أن الجهة المسوق لها الكلام عظيمة .

-----------
( 6 ) و اعتمدت : قصدت أى ان قصدى من ذلك بيان بعض عظمته « ع » فى فضيلة البلاغة الدثرة و الجملة : لفظان بمعنى الكثيرة و بينها فرق اعتبارى .

[ 13 ]

إنفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الأولين ، الذين انما يؤثر عنهم منها القليل النادر ، و الشاذ الشارد 1 و اما كلامه فهو البحر الذى لا يساجل و الجم الذى لا يحافل 2 ، و أردت 3 ان يسوغ لي التمثل في الافتخار به « ص » بقول الفرزدق :

اولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع

و رأيت كلامه « عليه السلام » يدور على أقطاب ثلاثة 4 :

أولها الخطب و الأوامر ، و ثانيها الكتب و الرسائل ، و ثالثها الحكم و المواعظ 5 فأجمعت بتوفيق اللّه تعالى على الابتداء باختيار محاسن

-----------
( 1 ) يؤثر : ينقل و يحكى : الشارد : تشبيه بما يشرد من الحيوان فيكون منفردا .

فكان كل واحد من البلغاء انما أتى بشي‏ء واحد من الكلام البليغ بخلافه عليه السلام ففى كلامه ما تشتهيه الأنفس و تلذ الاعين .

-----------
( 2 ) لا يساجل . لا يغالب في الإعتلاء و كثرة الماء . و معنى عدم المغالبة : عدم زيادة بحر عليه . و الجم . الكثير . لا يحافل : من الحفل بمعنى الكثرة فان فضائل كلامه أكثر من كل كلام .

-----------
( 3 ) فيه تعريض الى الفرق الثلاثة من غاصبى الخلافة ، و هو الغرض المسوق له الكلام ، لا الفخر الجامد .

-----------
( 4 ) قطب الرحى : حديدة فى الطبق الأسفل من الرحى يدور عليها الطبق الأعلى .

و المراد هنا الاصول .

-----------
( 5 ) الخطبة تستعمل بمعان أكثرها استعمالا ما كان المتكلم فى جهة سوق المستمتع الى مصلحة دينية أو دنيوية فيما اذا كان قائما أو على المنبر مع لحاظ الفصاحة فلو صدّر الكلام بالتسمية و التحميد و قوله : « أما بعد » كان من أفرادها الظاهرة . و الكتاب من الكتب و لو لم يكن مرسولا بخلاف الرسالة . و الحكم أعم من الموعظة .

[ 14 ]

الخطب 1 ، ثم محاسن الكتب ، ثم محاسن الحكم و الآداب ، مفردا لكل صنف من ذلك بابا ، و مفصلا فيه أوراقا ، لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذ عني عاجلا ، و يقع اليّ آجلا 2 ، و إذا جاء شي‏ء من كلامه « عليه السلام » الخارج في أثناء حوار ، أو جواب سؤال ، أو غرض آخر من الأغراض ، فى غير الانحاء التي ذكرتها ،

و قررت القاعدة عليها ، نسبته الى أليق الأبواب به ، و أشدها ملامحة لغرضه 3 و ربما جاء فيما اختاره من ذلك فصولا غير متسقة ،

و محاسن كلم غير منتظمة ، لأني أورد النكت و اللمع ، و لا أقصد التتالي و النسق 4 .

و من عجائبه « عليه السلام » التي إنفرد بها ، و أمن المشاركة فيها ،

أن كلامه الوارد فى الزهد و المواعظ ، و التذكير و الزواجر إذا تأمله

-----------
( 1 ) أجمع عليه : عزم ، و منه الاجماع المصطلح .

-----------
( 2 ) كما هو عادة كل مؤلف فانهم يعنونون الابواب أولا ثم يكتبون ما يقع في أيديهم فى بابه الخاص به .

-----------
( 3 ) الحوار : المحاورة ، و الملامحة من اللمح : بمعنى الابصار و النظر ، و المراد هنا المناسبة فان الناظر الى الشى‏ء نظر الميل كأنه يناسبه .

-----------
( 4 ) المتسق : المنتظم الذى له نظام واحد مقابل المتشتت . النكت : جمع نكتة و هى الاثر الذى به يتميز الشى‏ء . اللمع : جمع لمعة و هى القطعة من النبت أخذت فى اليبس شبه بها الكلام الحسن كأنه يضى‏ء ، كما هى تضى‏ء و تشرق بين الكلاء . التتالى . التوالى فى الكلام و ملاحظة القافية كيف كان . و هكذا النسق .

[ 15 ]

المتأمل ، و فكر فيه المتفكر ، و خلع من قلبه انه كلام مثله « عليه السلام » ممن عظم قدره ، و نفذ أمره ، و أحاط بالرقاب ملكه ، لم يعترضه الشك في أنه من كلام من لا حظ له في غير الزهادة ، و لا شغل له بغير العبادة ،

قد قبع فى كسر بيت ، أو انقطع الى سفح جبل 1 لا يسمع إلا حسه ، و لا يرى إلا نفسه ، و لا يكاد يوقن بأنّه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه فيقطّ الرقاب ، و يجدّل الأباطل ، و يعود به ينطف دما و يقطر مهجا 2 ، و هو مع تلك الحال زاهد الزهاد ،

و بدل الابدال . و هذه من فضائله العجيبة ، و خصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الاضداد ، و ألف بين الاشتات ، و كثيرا ما أذاكر الاخوان بها ، و استخرج عجبهم منها ، و هى موضع للعبرة بها ،

-----------
( 1 ) الزواجر : جمع زاجرة و هى الكلمة التى تسوق الناس الى ترك المنكر و نحوه .

قبع الرجل أدخل رأسه فى قميصه ، و هنا كناية عن الانزواء و الانعزال . و كسر البيت : جانبه . و سفح الجبل : أسفله أو جانبه .

-----------
( 2 ) ينغمس : يدخل دخولا تاما ، من غمس الشى‏ء فى الماء بمعنى غطه . و اصلت السيف جرده من غمده . و يقط الرقاب : يقطعها عرضا . و يجدل الابطال : يلقيهم على الجدالة : و هى وجه الارض . و ينطف . يسيل . يقطر مهجا : اما كناية عن انه سبب للموت فتسيل عليه الارواح إذا كانت المهج جمع مهجة بمعنى الروح ،

و أما حقيقة إذا كانت بمعنى دم القلب ، و الأول أولى بالبلاغة .

[ 16 ]

و الفكرة فيها 1 .

و ربما جاء في اثناء هذا الاختيار اللفظ المردد ، و المعنى المكرر ،

و العذر في ذلك ان روايات كلامه « عليه السلام » تختلف إختلافا

-----------
( 1 ) زاهد الزهاد : أى زاهدهم ، كما يقال زاهد الناس . و الابدال جمع بديل ،

و هم قوم صالحون لا تخلو الارض منهم اذا مات منهم واحد بدل اللّه مكانه آخر ،

و لذا قيل لهم : ابدال ، ثم ان وجه عجب الناس من الجمع بين هاتين الصفتين انهم الفوا ان الزهاد لا يكونون شجعانا و الشجعان لا يكونون زهادا ، اذ الزهد يوجب العزوف عن الدنيا فلا يبالى الزاهد بأهل الدنيا حتى يحاذيهم و يجالدهم ، كما ان الشجاعة توجب قسوة القلب و الاقبال على الدنيا فلا يقبل الشجاع الى اللّه تعالى حتى يكون زاهدا .

لكن ان الانسان لو تأمل رأى ان اصحاب الحق و الاصلاح يلزم أن يكونوا كذلك ، فان الشخص الصالح المصلح حيث ان نظره الى الآخرة يزهد فى الدنيا بنفسه و يريد اصلاح غيره و الاصلاح لا يمكن الا برفع صور الاجتماع عن شوارع السعادة و الرفاهية ، و لذا ترى ان الزارع الرؤوف بالثمار يقطع الشوك ، و الراعى العطوف على القطيع يستأصل الذئب ، فهو عليه السلام على طبق القاعدة الانسانية العامة و سواه ممن اتصف باحدى الصفتين على خلافها و لذا وصف اللّه سبحانه المؤمنين بقوله أشداء على الكفار رحماء بينهم بل نقول ان الرجل المعتدل : هو الذى جمع « الغضب و الحلم » و « القبض و البسط » و « الاعطاء و المنع » و « البطش و الكف » و « الاقدام و الاحجام » الى غير ذلك من الصفات المتقابلة اذ للغضب موقع لا يسد مسده الحلم ، و الحلم موقع لا يخلفه الغضب . فالحلم فى الجميع ناقص ، و الغضوب فى الكل غير كامل ، و لقد كان امير المؤمنين صلوات اللّه عليه جامعا لهذه الصفات فظن من ألف الناس الناقصين كونه « ع » جامعا للاضداد .

و يكفيك شاهدا لما ذكرنا ان اللّه سبحانه مع كماله المطلق « أرحم الراحمين فى موضع العفو و الرحمة ، و أشد المعاقبين فى موضع النكال و النقمة » .

[ 17 ]

شديدا ، فربما اتفق الكلام المختار فى رواية فنقل على وجهه ، ثم وجد بعد ذلك فى رواية أخرى موضوعا غير وضعه الأول ، اما بزيادة مختارة أو بلفظ احسن عبارة ، فتقتضي الحال ان يعاد إستظهارا للاختيار و غيرة على عقائل الكلام 1 و ربما بعد العهد ايضا بما إختير اولا فأعيد بعضه سهوا و نسيانا ، لا قصدا و اعتمادا ، و لا ادّعي مع ذلك اني احيط بأقطار جميع كلامه « عليه السلام » 2 حتى يشذ عني منه شاذ ، و لا يندّ ناد 3 ، بل لا ابعد ان يكون القاصر عني فوق الواقع إليّ ، و الحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي 4 و ما عليّ إلا بذل الجهد و بلاغ الوسع ، و على اللّه سبحانه

-----------
( 1 ) عقائل الكلام : كرائمه ، و فى ذكر الغيرة مناسبة لطيفة .

-----------
( 2 ) الاقطار جمع قطر ، و فيه تشبيه بالاقطار الخارجية و هذا نوع من البلاغة تورث فى الكلام روحا و حركة خيالية .

-----------
( 3 ) الشاذ ، و الناد : عبارتان عن المنفرد .

-----------
( 4 ) القاصر عنى ، ربما يقال ان هذا من سوء الادب اذ القصور من المؤلف لا من الكلام لكن الظاهر ان الشريف « قده » لاحظ نكتة دقيقة : و هى انه لا يتمكن من جمع كلامه عليه السلام لقصوره بل ما جمع من كلامه « ع » فانما نفس الكلام وقع اليه و ما لم يجمعه لأن نفس الكلام لم يقع ، فكأنه تشبيه بالراعى العاجز الذى ما اجتمع حوله من القطيع انما هو لاقبالها اليه لا لجمعه لها ، و يشهد لما ذكر قوله « الواقع الى » و قوله « فى ربقتى » فان الربقة حبل ذو عرى يجعل فيها رأس البهيمة .

[ 18 ]

نهج السبيل ، و رشاد الدليل 1 إن شاء اللّه .

و رايت من بعد تسمية هذا الكتاب ب « نهج البلاغة » إذ كان يفتح للناظر فيه ابوابها ، و يقرّب عليه طلابها ، و فيه حاجة العالم و المتعلم و بغية البليغ و الزاهد ، و يمضي فى اثنائه من عجيب الكلام في التوحيد و العدل ، و تنزيه اللّه سبحانه و تعالى عن شبه الخلق ، ما هو بلال كل علة 2 ، و جلاء كل شبهة 3 و من اللّه سبحانه استمد التوفيق و العصمة ، و اتنجز التسديد و المعونة 4 و استعيذه من خطأ الجنان قبل خطأ اللسان ، و من زلة الكلم قبل زلة القدم 5 .

و هو حسبي و نعم الوكيل .

-----------
( 1 ) نهج السبيل : ابانته و ايضاحه ، و قريب منه رشاد الدليل . و وجه الاضافة فى الجملتين ان من السبيل ما ليس نهجا ، و من الدليل ما لا رشاد فيه .

-----------
( 2 ) و فى بعض النسخ ، بلال كل غلة ، و شفاء كل علة . و العلة : العطش ،

و بلالها ما تروى به . و العلة الداء ، و شفائها برئها .

-----------
( 3 ) جلاء الشبهة : وضوحها حتى لا تبقى .

-----------
( 4 ) لأنّه القائل عز اسمه : و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، و القائل سبحانه :

ان تنصروا اللّه ينصركم ، فان التنويه بذكر أوليائه و نشر آثارهم مجاهدة فيه و نصرة له .

-----------
( 5 ) زلة الكلم : الخطاء فى القول ، و زلة القدم : عثرتها .

[ 19 ]