المعنى

لا بد و أن يختلج فى صدرك ايها القارى‏ء ان عليّا عليه السلام كان يعيش قبل ثلاثة عشر قرنا و قد خلق اللّه تعالى السماء و الارض قبل آلاف القرون ،

فمن أين علم امير المؤمنين عليه السلام كيفية خلقها ؟ و كيف أخبر عن شي‏ء وقع في زمان لم يكن فيه موجود قط من البشر ؟ فهل نزل عليه الوحي ؟ و الوحي لا ينزل إلا على رسول أو نبي ، و ما كان علي عليه السلام رسولا و لا نبيا ، و هل تعلم ذلك من علماء زمانه و أساتذة عصره ؟ فمن أولئك العلماء ؟

ينبغي أن اذكر نبذة من علوم امير المؤمنين ( عليه السلام ) ، حتى يظهر لك شي‏ء من انواع علومه و مدارك تلك العلوم حتى تعرف الفرق بين هذا العلم و بين سائر العلوم فتعرف الفرق بين هذا العالم و بين غيره من مدّعي العلم .

و لكني رأيت الأحرى و الأنسب تأجيل هذا الموضوع الى شرح كلامه عليه السلام لكميل بن زياد غير اني أذكر هنا نبذة من أقسام علومه و انواع إطلاعه ، كالفهرست لهذا البحث ، و تفصيل الكلام في المستقبل إن شاء اللّه .

فأقول : المستفاد من مطاوي الأخبار و الأحاديث و الروايات الواردة عن

[ 20 ]

أهل البيت ( عليهم السلام ) ان علم امير المؤمنين ( عليه السلام ) على انواع كثيرة ، و المقصود من هذا التنوع هو تنوع مدارك علومه ، و اسباب حصولها ،

أو كيفية تحصيلها ، و ليس المقصود تنوع نفس العلم كعلم الفقه ، و النجوم و الحساب و أمثالها .

فالنوع الأول : هو علم الامامة ، و ذلك بعد أن ثبت ان الامامة منصب إلهي كالنبوة ، أي يكون الاختيار و الانتخاب من اللّه تعالى ، فكما ان علم الانبياء لدنّي : أي من عند اللّه تعالى كذلك علم الامام . و قد ذكرت الأحاديث ان الامام إذا ولد يقذف اللّه في قلبه علوم الأولين و الآخرين . فيعلم بما كان و ما يكون و ما هو كائن الى يوم القيامة .

و ليس هذا بعجيب : فان عيسى ( عليه السلام ) لما ولدته امه ، و حملته و جائت به الى قومها قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا ، يا أخت هارون :

ما كان ابوك أمرء سوء و ما كانت أمك بغياً . فأشارت اليه أي أشارت مريم الى عيسى و هو نائم فى المهد ، أشارت اليه أن اسألوا هذا الطفل . قالوا : كيف نكلم من كان في المهد صبياً . قال عيسى اني عبد اللّه أتاني الكتاب و جعلني نبياً فاذا جاز أن يكون الطفل يوم ولادته نبيا ، و ان يؤتيه اللّه الكتاب و هو صبي ، فما المانع ان يكون الامام اماما يوم ولادته ؟ فيكون علمه كعلم الأنبياء ،

لأن الامامة تالية للنبوة .

و يمكن أن يقال : ان هذا النوع من العلم هو الاطلاع على القضايا و الوقائع التي جرت قبل زمن الامام ، و الوقائع التي تكون بعد ذلك ، من أخبار الملل و الدول ، و الملاحم و الفتن ، و غير ذلك ، و بعبارة أخرى : المقصود

[ 21 ]

من هذا العلم هو العلم بما يتعلق بالزمان ، و إلا فالعلم بالأحكام الشرعية لا يصدق عليه الزمان حتى يقال كان أو يكون و اللّه العالم .