المعنى

( انشأ الخلق انشاء ) اوجد اللّه تعالى هذه العوالم و الأفلاك و الكرات و ما فيها و من فيها و المخلوقات الأولية كلها من العدم اذ كل شي‏ء سواه مخلوق حادث اي لم يوجدها من مادة قديمة غير حادثة و هذا معنى الانشاء .

( و ابتدأه ابتداء ) اي خلقهم لا عن مثال خارجي ، او تقليد ، كما هو شأن المخترعين و المكتشفين و سائر المخلوق . لأن المخترع إنما يحصل له الاختراع بعد تصوير المصنوع في الخيال او التقليد عن بعض المشاهدات و في هذه الجملة و ما بعدها مما فى سياقها يظهر الفرق الكثير بين صنع اللّه و صنع المخلوقين اذ قال ( ع ) :

[ 41 ]

( بلا رويّة اجالها ) لأن الأعمال الاختيارية لا تصدر الا بعد صرف الفكر فى ذلك العمل ، و الصنائع تكون اكثرها من التجربة كما ينسب الى المخترعين فى العالم و لكن اللّه تعالى خلق الخلق بلا فكر ( و لا تجربة استفادها ) و هذا بديهي لأن اللّه تعالى ازلي و قبل كل شي‏ء و لم يكن قبله شي‏ء فما كان قبله صانع و لا مصنوع فلا يجوز القول عليه بالتجربة .

( و لا حركة احدثها ) كما تقدم فى قوله ( ع ) ( فاعل لا بمعنى الحركات و الآلة ) لأن المخلوق يحتاج فى أفعاله الاختيارية الى الحركة ، و الحركة من لوازم الجسمية و اللّه تعالى منزه عن ذلك .

( و لا همامة نفس اضطرب فيها ) لأن التردد و هو اضطراب الفكر في الاقدام على الفعل من صفات العبد و اللّه تعالى منزه عن ذلك كله .

و اعلم ان اكثر جملات هذه الخطبة إشارة الى إثبات قاعدة كلامية و إنكار أقوال أصحاب المذاهب الباطلة ، و ردّا على عقائدهم و بيان ذلك في هذا المقام خارج عن الأسلوب و لكنا سوف نذكر ذلك فى المستقبل بالمناسبة إن شاء اللّه .

( احال الأشياء لأوقاتها ) هذا معنى قريب من الحديث المشهور : ( الأمور مرهونة بأوقاتها ) و قد اختلفت النسخ فى كلمة ( احال ) فقيل : ( اجال ) بالجيم .

و ( احلّ ) و ( اجلّ ) و على جميع التقادير فالمعنى انه تعالى جعل للأشياء أوقاتا ،

و أقر الأشياء لأوقاتها ، كالفصول و الأمطار و الفواكه و الأثمار . و غيرها من مكث الجنين فى بطن أمه و انتقاله من خلقة الى أخرى ، و تحوله من دور الى آخر و وقت ولادته و عمره و أجله ، و ما يتعلق بالأشجار و الزرع من غرسها و زرعها و مدة نموها و نضجها و اصفرارها و احمرارها و غير ذلك من آلاف الملايين من الأمثلة .

( و لائم بين مختلفاتها ) كالجمع بين الضدين كالملائكة و بين الروح و الجسد .

[ 42 ]

و غير ذلك .

( و غرّز غرائزها ) و ألزمها أشباحها ) الغريزة الطبيعة . و غرز الابرة في الثوب إذا أثبتها ، و انما سميت الطبيعة غريزة لثبوتها و تركبها في صاحبها ، و غرز غرائزها أي أثبتها و ركبها ، و الغرائز كثيرة جدا في الانسان و الحيوان و هي لازمة لها ، ثابتة فيها ، كما قال ( ع ) : ( و ألزمها أشباحها ) أي ألزم اللّه تلك الغرائز أشباحها اي اشخاصها و اصحابها ، هذا إذا كان ضمير ( الزمها ) راجعا الى الغرائز أما إذا كان الضمير راجعا الى ( الأشياء ) فيكون المعنى الزم اللّه الأشياء اشباحها و أشكالها و هياكلها و قوالبها . فالانسان مستقيم القامة يمشي على رجلين ، و الحيوانات منها ما تمشي على رجلين و منها على اربع و منها ما تمشي على بطنها كالحية : فجعل بعضها ظاهر البشرة كالانسان ، و بعضها مستور البشرة بالشعر و الوبر و الصوف و الريش و الفلس و العظم كالسلحفاة .

ثم الغرائز في الانسان كثيرة فمنها غريزة الشهوة ، الغضب ، حب الحياة ،

حب الجاه ، حب الاستقلال ، التمدن و غيرها ، و كذلك الغرائز الموجودة فى الحيوانات فهي اكثر بكثير ، حتى صارت بعضها سببا لبقاء صاحبها و حياته و تحصيل معاشه و نظم أمره .

فهذه الفأرة تدخل ذنبها فى قارورة الدهن ، ثم تخرجه و تلحسه لأنها تعلم ان رأسها لا يدخل فى القارورة .

و هذه النحل تبني البيوت المسدسة ، و في الشكل المسدس مزية ليست فى سائر الأشكال . فان المربعات و المسبعات أو غيرها إذا انضم بعضها الى بعض لا تمتلى‏ء العرصة . بل تبقى زواياها معطلة . و لكن المسدسات عند الانضمام لا تبقى زواياها معطلة و النحل تبني هذه المسدسات بلا إحتياج الى المسطرة أو البركار أو غير ذلك

[ 43 ]

من الآلات و الأدوات .

و تلك النمل الصغيرة تسعى فى إعداد الذخيرة لنفسها لعلمها انها سوف تحتاج اليها فى المستقبل و تحمل الحبة الى جحرها ، و تشقها نصفين لئلا تنبت فتفسد ،

و إذا أثرت النداوة فى الحبة تخرجها من ثقبها اذا طلعت الشمس حتى تجف ، و لها المام و اطلاع عجيب بالأنواء الجوية فانها اذا حملت متاعها الى جحرها فهو انذار بنزول الأمطار أو هبوب الرياح .

و هذه العنكبوت تنسج شبكتها و هي مصيدتها ، تصيد بها الذباب و يأتيها رزقها في بيتها .

و هذا القطا يعرف الطريق من بلدة الى اخرى بل من قارة الى غيرها بغير العلامات الأرضية كالجبال و غيرهما . كما قال الشاعر :

( تميم بطرق اللوم أهدى من القطا )

و هذه النعامة اذا اجتمع لها من بيضها عشرون أو ثلاثون ، فانها تقسمها أثلاثا ، فتدفن الثلث تحت الأرض ، و تترك الثلث الآخر في الشمس ، و تحتضن الثلث الأخير ، فاذا خرجت الأفراخ عمدت الى الثلث المتروك أمام الشمس و سقت افراخها ما فى البيضة من الرطوبات التي ذوبتها الشمس و رققتها . فاذا قويت الفراريخ اخرجت الثلث المدفون و ثقبتها ، و قد اجتمع فيها النمل و الذباب و الديدان و الحشرات فتجعل تلك الأشياء طعمة لأفراخها ، فاذا تم ذلك فقد صارت افراخها قادرة على الرعي .

و هذا التمساح ليس له مخرج دبر فاذا امتلأ جوفه خرج الى البر و فتح فاه ، فيجي‏ء طائر يقال له القطقاط فيلقط ذلك من فيه ، فيكون في ذلك غذاء و راحة للتمساح ، و لهذا الطائر فى راسه شوكة ، فاذا اطبق التمساح فمه عليه نخسه ،

فيترك الطير حتى يخرج .

[ 44 ]

الى غير ذلك من الأمثلة . هذا و قد طال الكلام في هذا المقام فلقد انتقلنا من شرح الخطبة الى بيان حياة الحيوان ، و لم نقصد بها سوى بيان شي‏ء يسير من اسرار الخلقة التي اودعها الحكيم الذى اتقن كل شي‏ء خلقه . و ثبتها فى مخلوقاته على اختلاف اجناسهم و انواعهم و اشكالهم ا فبعد هذا كله هل يشك احد فى اللّه ؟ او هل يقول احد بالطبيعة و يعتقد بها ؟ فينكر الصانع و يجحد الخالق كما هو شأن المبادى‏ء الهدامة .

ثم ليت شعري و ليتني كنت ادري ما هذه الطبيعة المزعومة التي تنسب اليها هذه الأفعال المدهشة و الاتقان المحكم فى الخلق ، و الأعمال التي عجزت عقول الحكماء و أفهام العلماء عن إدراك حقيقتها ؟ فهل هذه الطبيعة ( المجهولة الهوية ) ذات علم و قوة و إدراك و إحاطة و قدرة ؟ فان كانت كذلك فما المانع من إثبات ذلك للّه عز و جل ؟

و ان كانت الطبيعة لا تشعر و لا تدرك و لا تعقل فكيف صدرت عنها هذه العجائب ؟

هذا و الكلام طويل و لنا مجال فى المستقبل لبسط الموضوع .

و اعلم ان الطبائع الغرائز موجودة فى الانسان ملازمة له ، بحيث تبدو و تنمو و تظهر و تكبر تدريجا و تضعف و تقل شيئا فشيئا ، و موجودة في الحيوان كالأمثلة المتقدمة و موجودة فى النبات كالأدوية و العقاقير ، و في الجماد كبعض المعادن و المياه المعدنية .

( عالما بها قبل ابتدائها ) أي كان اللّه عالما بالأشياء قبل وجودها ، و كان علمه بالأشياء قبل وجودها كعلمه بعد الوجود ، و اعلم ان هذا الموضوع معترك آراء الحكماء و الفلاسفة من القدماء و المتأخرين ، فذهب كل قوم منهم الى قول ، و هذا طريق زلق ، و بحث دقيق ، يحتاج الى فكر وقاد و ذهن صافي كالمرآة ، و تأمل و تدبر و اطلاع وافر على المسائل الحكمية ، و لا بأس بذكر الأشكال إجمالا و موضع الخلاف :

[ 45 ]

فهؤلاء الاشراقيون و هم تلامذة افلاطون ينفون علم اللّه تعالى بالأشياء قبل وجودها مستدلين فى ذلك بأن تعلق العلم بالمعلوم لا يكون إلا بعد حضور ذات المعلوم الموجودة عند العالم و المعلوم قبل الوجود لا حضور له فلا يتعلق به العلم و هذا الكلام صحيح وجيه إذا نسب الى علم المخلوق و لكن نسبة هذا الى اللّه تعالى جهل و ضلالة ، بيان ذلك قد سبق القول ان صفات اللّه عين ذاته و علمه صفته ، و ذاته قديم ازلي فلا بد من القول بأنه كان عالما بجميع الأشياء قبل وجودها ، و إلا لزم القول بأن لصفته حد محدود و وقت معدود و أجل ممدود ، و لقد سبق نفي ذلك في صدر الخطبة و توضيح المقال يأتي في البحث عن الجبر و التفويض إن شاء اللّه ، و لقد ذكرت الآيات و الأحاديث الصحيحة الواردة عن أهل البيت ( ع ) في بيان ذلك . ففي التوحيد عن الحسين بن بشار عن ابي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام قال : سألته أ يعلم اللّه الشي‏ء الذي لم يكن ان لو كان كيف كان يكون أو لا يعلم الا ما يكون ؟ فقال ( ع ) :

ان اللّه تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء ، قال عز و جل : انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون . و قال لأهل النار : و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه و انهم لكاذبون فقد علم اللّه عز و جل بأنهم لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه . و قال للملائكة : لما قالت أ تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال : اني اعلم ما لا تعلمون . فلم يزل اللّه عز و جل علمه سابقا للأشياء ، قديما قبل أن يخلقها ، فتبارك ربنا و تعالى علوا كبيرا ، خلق الأشياء و علمه سابق لها كما شاء كذلك لم يزل ربنا عليما سميعا بصيرا .

( محيطا بحدودها و انتهائها ) و معنى الاحاطة هنا إحاطة العلم و القدرة كما قال عز من قائل : الا انه بكل شي‏ء محيط و أحاط بكل شي‏ء علماً و إحاطة العلم هي شمول العلم بوجود الشي‏ء و جنسه و جميع خصوصياته . و حدودها و انتهائها

[ 46 ]

أي جميع أطرافها و جهاتها .

( عارفا بقرائنها و احنائها ) قال بعض أهل التحقيق ان الفرق بين العلم و المعرفة ان المعرفة معناها إدراك الشي‏ء ثانيا بعد توسط النسيان ، و من ثم لا يجوز إطلاق العارف على اللّه إذ لا طريق للنسيان فى علم اللّه تعالى و تخلصا من هذا التحقيق حملوا كلامه ( ع ) ( عارفا ) على المجاز و حملوا معنى المعرفة هنا على العلم مجازا . و هذا أعجب العجب إذ ان كلام الامام أمير المؤمنين ( ع ) حجة شرعية لغوية عرفية فالأحرى ان يستدل بها لا أن يستدل بغيرها عليها إذ كلام الامام ( ع ) صريح فى جواز إطلاق العارف على اللّه تعالى فالأحسن نفي صحة معنى المعرفة المتقدم إذ الأصل فى الكلام الحقيقة ، و الأصل أصيل إذ لا دليل على خلافه ، و اللّه العالم .

و قرائنها نفوسها ، و احنائها جوانبها أو اعضائها المعوجة كما سبق .