المعنى

هذا البحث و هو موضوع إيجاد العالم و خلق السموات و الأرض من أهم المواضيع عند الحكماء و العلماء ، و قد كتب آلاف الكتب المطولة المبسوطة بجميع اللغات في جميع العالم حول هذا المعما ، مع اختلاف كثير بين المتقدمين من الفلاسفة و المتأخرين و حتى فى زماننا هذا كما لا يخفى على البصير ، و قد سبق منا الوعد الكثير فيما سبق بتأجيل ذكر بعض المواضيع في المستقبل ، و هذا امر لا بد منه ، إذ ان كتاب نهج البلاغة قد تكرر فيه بعض المطالب فلو اراد الشارح ان يستوفي الكلام في شرح واحد منها لبقي الآخر بلا شرح ، فلأمير المؤمنين ( ع ) كلام في ذكر السموات و الأرض و له كلام في صفات الملائكة في غير هذه الخطبة كما و ان له خطبا كثيرة في غزواته و بعدها فلا ينبغي تكرار الشرح فى كل فصل فصل ، و لا بد من توزيع الشرح على الجميع ، أو استيفائه في مكان واحد و انا سنذكر ان شاء اللّه كلام علماء الهيئة و الفلك و الفلاسفة فى المستقبل ، مع التطبيق بين كلامه ( ع ) و كلامهم ، و نشرح كلام الامام جملة فجملة مع رعاية الاختصار .

[ 48 ]

و الملتقى في المستقبل القريب ان شاء اللّه .

( ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء و شق الأرجاء و سكائك الهواء ) لما فرغ ( ع ) مما يتعلق بالتوحيد انتقل الى بيان إيجاد السموات فأشار أو لا الى تعدد طبقات الهواء لأن الأجواء و الأرجاء و السكائك كلمات متقاربة المعنى و معناها الفضاء و يعبر عنها بالطبقة الأثيرية و البنفسجية و غير ذلك و بعد أن خلق اللّه تعالى الفضاء الذي هو أمر وجودي ، ( أجرى فيها ) في تلك الطبقات و في ذلك الفضاء ( ماء متلاطما تياره ) أي شديد التموج ( متراكما زخاره ) شديد الارتفاع و الامتداد ( حمله على متن الريح العاصفة ) جعل اللّه ذلك الماء العظيم على الريح العاصفة و العصف الجري بشدة و قوة و إنما سميت بالعاصفة لأنها تعصف لشدة هبوبها كأنها تهلك الناس ، ( و الزعزع القاصفة ) صفتان من صفات الريح الشديدة القوية و الزعزع الريح التي تزعزع كل شي‏ء ثابت في الأرض ، و القاصفة هي التي تحطم كل شي‏ء أو الشديدة الصوت . فصارت الريح مكانا لذلك الماء الموّاج الجاري فجعل الماء يجري بطبعه على ظهر تلك الريح الشديدة ( فأمرها برده ) فأمر اللّه تعالى الريح بأن ترد الماء و تمنعه عن الجريان ( و سلطها على شده ) سلط اللّه الريح على الماء فصارت كأنها وعاء ذو جدران محيطة بجميع جهات الماء ، قادرة على حفظه و ضبطه و لعل هذا معنى كلامه ( ع ) ( و قرنها الى حده ) .

فصارت الريح حاملة للماء محمولة على القضاء بقدرة اللّه تعالى الهواء من تحتها فتيق ) أي الهواء منبسط مفتوح تحت الريح ( و الماء من فوقها دفيق ) و الماء من فوق الريح متدفق و ذا من أعجب العجب .

( ثم انشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها ) و في نسخة اعقم مهبتها أي خلق اللّه تعالى ريحا أخرى عقيمة لا تلقح سحابا و لا شجرا ( و أدام مر بها ) جعل اللّه تلك

[ 49 ]

الريح الاخرى ملازمة لذلك الماء و تحريكه و فى نسخة مدّ بها اي حركتها ( و اعصف مجراها ) اي اجراها قويا شديدا على ذلك الماء [ و ابعد منشأها ] و جعل مبدأها بعيدا بحيث لا يرى من أين تهب ( فأمرها بتصفيق الماء الزخار ) . امر اللّه تعالى الريح بضرب الماء بعضه ببعض و قلبه بكل قوة و شدة . ( و إثارة موج البحار ) يقال : ( ثار العجاج و الغبار ) إذا ارتفع شي‏ء منه عن الأرض و كذلك إثارة الموج تهييجه و تحريكه فصارت الريح تجري على الماء و تصعد به و تنزل ( فمخضته مخض السقاء ) كما ان القربة التي توضع فيها اللبن تحرك ليخرج منه الزبد كذلك الريح تحرك الماء ( و عصفت به عصفها بالفضاء ) أي عصفت الريح بذلك الماء العظيم ، كأنها تجري في الفضاء من حيث عدم وجود جسم مانع كأنها تجري في مكان لا شي‏ء فيه من فرط شدتها و قوتها ، فكانت ( ترد أوله على آخره و ساجيه الى مائره ) كما ان الانسان إذا أدخل يده في إناء من الماء و حركها حركة شديدة فان الماء يصعد و ينزل و يختلط و يمتزج بعض جوانبه بالبعض الآخر كذلك الريح ترد أول الماء الى آخره ، أي من هذا الجانب الى الجانب الآخر ، أو من سطح الماء الى قعره و تجعل الماء الساكن مكان الماء المتحرك ( حتى عب عبابه ) أي ارتفع معظم الماء ( و رمى بالزبد ركامه ) أي المتراكم المجتمع بعضه على بعض من الزبد ( فرفعه فى هواء منفتق ) أي فرفع اللّه ذلك الماء في هواء مفتوح ( و جو منفهق ) أي متسع و قيل بل رفع اللّه الزبد في هواء منفتق ( فسوى منه سبع سموات ) أي خلق اللّه تعالى من ذلك الماء أو الزبد سبع سموات ( جعل سفلاهن موجا مكفوفا ) أي جعل سبحانه قعر تلك السموات و الجانب الأسفل منها ماء مضطربا مواجا لكنه ممنوع من السيلان بقدرة تبارك و تعالى . اما بالجاذبية و اما بالثلوج المحيطة بذلك الماء ، هذا إذا حملنا كلامه عليه السلام على المعنى الحقيقي ،

[ 50 ]

و ان حملناه على المعنى المجازي فباب المجاز واسع ( و علياهن سقفا محفوظا ) و جعل اللّه سبحانه سطح تلك السموات و أعاليها محفوظا من الهدم و في القرآن ما يشير الى ذلك لقوله تعالى : و جعلنا السماء سقفاً محفوظاً 1 . فان هذه الآية الكريمة تدل على كون السماء سقفا مانعا عن وقوع بعض الأجسام ، و قد انكشف اخيرا في علم الفلك ان بعد مسافة بعيدة عن الأرض توجد فى الفضاء طبقة عالية محيطة بالارض تسمى بالطبقة [ النتروجينية ] و هي مانعة عن وصول القذائف التي تهدف الأرض من الطبقات العالية ، فانها إذا وصلت الى هذه الطبقة تحطمها تحطيما ، و تجعلها هباء منثورا ، و يتكون منها قتام الأفق المرئي ، و لو لم تكن هذه الطبقة لأصبحت الاحياء مستحيلة البقاء على وجه الارض هذا ما يحتمل فى هذه الآية و في كلام امير المؤمنين ( ع ) على حد سواء و من المحتمل ان يكون المراد بالسقف المحفوظ ما في سورة الصافات من كون الرصد الذي جعل فى السماء يمنع الشياطين عن استراق السمع و سماع الى ما في الملأ الأعلى ( و سمكا مرفوعا ) قال تعالى : رفع سمكها فسوّاها أي و بناء مرفوعا و رفع بنائها ( بغير عمد يدعمها و لا دسار ينظمها ) و في بعض النسخ ينتظمها و كيف كان فالمعنى : ان اللّه تعالى رفع السموات و أمسكها بغير عمد يدعمها أي يمنعها من السقوط ، لأن الدعامة هي ما يسند به الحائط إذا مال يمنعه السقوط ، و في القرآن قوله تعالى : اللّه الذي رفع السموات بغير عمد ترونها . فهناك خلاف بين المفسرين في كلمة ترونها فقال بعضهم : النفي واقع على الصفة و الموصوف فلا عمد و لا رؤية .

و قال الآخرون : بل النفي واقع على الصفة الرؤية وحدها ، فهناك عمد غير مرئي .

و لعل هذا القول هو الأصح ( ثم زينها بزينة الكواكب و ضياء الثواقب ) الظاهر ان ضمير زينها راجع الى السموات و لكن فى القرآن الكريم تصريح بأن السماء

-----------
( 1 ) سورة الانبياء الآية 32 .

[ 51 ]

الدنيا هي المزينة قال عز من قائل : انا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب . 1 و زينا السماء الدنيا بمصابيح . 2 و لقد زينا السماء الدنيا بمصابيح . 3 و اما ضياء الثواقب فهي الكواكب المضيئة أو الثاقبة للهواء بضوئها كما قال تعالى و النجم الثاقب ( و أجرى فيها سراجا مستطيرا و قمرا منيرا ) السراج المستطير أي المنتشر الضياء هو الشمس لقوله تعالى : تبارك الذي جعل في السماء بروجا و جعل فيها سراجا و قمراً منيراً . 4 و جعل القمر فيهن نوراً و جعل الشمس سراجا . 5 ثم ذكر ( ع ) مجرى الكواكب و النجوم و الشمس و القمر بقوله ( في فلك دائر و سقف سائر و رقيم مائر ) أي لوح متحرك . و سنذكر فى المستقبل بعون اللّه تعالى زيادة إيضاح بمناسبة المقام و اللّه ولي التوفيق .