المعنى

ثم انتقل امير المؤمنين ( ع ) الى ذكر الملائكة و بيان اقسامهم بعد ان ذكر كيفية خلق السموات . فأقول قد اختلف حكماء البشر من المجوس و النصارى و المسلمين في حقيقة الملائكة و ماهيتها ، و الحق ان إدراك كنه الملائكة فوق مستوى عقولنا و خارج عن نطاق افهامنا و سنذكر اختلاف الأقوال في المستقبل في شرح خطبته ( ع ) فى بيان صفات الملائكة و نكتفي هنا بما ذكره شيخنا المجلسي قدس سره فلقد احسن و اجاد و جمع فأوعى قال فى البحار :

( اعلم انه اجتمعت الامامية بل جميع المسلمين إلا من شذ منهم من المتفلسفين

[ 53 ]

الذين ادخلوا انفسهم بين المسلمين لتخريب أصولهم ، و تضييع عقائدهم ، على وجود الملائكة و انهم اجسام لطيفة نورانية اولي اجنحة مثنى و ثلاث و رباع و اكثر ،

قادرون على التشكل بالأشكال المختلفة ، و انه سبحانه يورد عليهم بقدرته ما شاء من الأشكال و الصور على حسب الحكم و المصالح ، و لهم حركات صعودا و هبوطا ،

و كانوا يراهم الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام ، و القول بتجردهم و تأويلهم بالعقول و النفوس الفلكية و القوى و الطبائع ، و تأويل الآيات المتظافرة و الاخبار المتواترة ، تعويلا على شبهات واهية و استبعادات وهمية زيغ عن سبيل الهدى و اتباع لأهل الهوى و العمى .

قسم الامام امير المؤمنين ( ع ) الملائكة بحسب الوظائف على اربعة انواع ،

و لا شك ان خلق الملائكة كان بعد خلق السماوات كما يشير الى ذلك ( ثم ) ( فملأهن أطوارا من ملائكته ) ملاء اللّه تعالى السماوات اصنافا مختلفة من ملائكته و هم على اربعة انواع : العبّاد و هم على اربعة اقسام بحسب العبادة ( منهم سجود لا يركعون ) لا يرفعون رؤوسهم عن السجدة ليركعوا [ و ركوع لا ينتصبون ] لا يقومون عن الركوع ليسجدوا [ و صافون لا يتزايلون ] قائمون صفوفا لا يفارقون مكانهم كأنهم بنيان مرصوص ( و مسبحون لا يسأمون ) من التسبيح و لا يتعبون من العبادة و قد أشار القرآن الكريم الى الحالتين الأخيرتين بقوله عز و جل : و انا لنحن الصافون ، و انا لنحن المسبحون .

( لا يغشاهم نوم العيون ) قد مرّ آنفا في كلام شيخنا المجلسي ره : ان الملائكة أجسام لطيفة فليس لهم اجسام كأجسامنا ، و النوم و هو تعطل الحواس الخمسة الظاهرة ، من لوازم المزاج و الجسمية و لأن الملائكة لا يأكلون و لا يشربون ،

فلا يغشاهم نوم العيون أي لا يغطي النوم عيونهم فلا ينامون لما تقدم ، و كل ما كان

[ 54 ]

من لوازم المزاج فلا يصح على الملائكة [ و لا سهو العقول و لا فترة الأبدان ، و لا غفلة النسيان ] السهو و الغفلة و النسيان كلمات متقاربة المعنى مع فرق يسير ، و كلها من توابع بعض الحواس الخمسة الباطنة فيصح سلبها عن الملائكة لعدم وجود تلك القوى في الملائكة ، و أما فترة الأبدان أي الضعف أو التعب أو القصور عن العمل فهي من لوازم البدن الحيواني المركب و قد صرح القرآن الكريم بذلك بقوله تعالى : يسبحون الليل و النهار لا يفترون .

النوع الثاني على اقسام : القسم الأول ( و منهم امناء على وحيه و السنة الى رسله ) اي وسائط بين اللّه تعالى و بين خلقه ، يوصلون اوامر اللّه و نواهيه الى عباده من الأنبياء و المرسلين ، فكأنهم السنة اللّه سبحانه ، فكما ان اللسان يظهر و يعبر عن إرادة النفس و مقصودها كذلك الملائكة تتلقى الأوامر و النواهي من اللّه تعالى الى الأنبياء و الأوصياء ( و مختلفون لقضائه و امره ) اي يترددون بين السماء و الارض بحكم اللّه تعالى و امره و تقديره لخلقه ، و يهبطون و يعرجون لانجاز اوامر اللّه تعالى كالملائكة الموكلين بالرياح و السحاب و الأمطار و قبض الأرواح و غير ذلك من الأعمال التي تتصدى بها الملائكة .

و النوع الثالث هم الموكلون بالعباد و هم على قسمين ( القسم الأول ) هم الحفظة لعباد اللّه يحفظون الناس من المهاوي و المهالك بأمر اللّه ، كما قال عز و جل :

له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر اللّه ( و القسم الثاني ) هم الذين يكتبون اعمال الخلق و افعالهم من الطاعات و المعاصي كما قال تعالى : و يرسل عليكم حفظة . و قال عز اسمه : كراما كاتبين ، يعلمون ما تفعلون . و قال جل ذكره :

ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد . و قد روي عنهم عليهم السلام ان الملائكة يكتبون جميع افعال العبد حتى النفخ في النار و قد اشار عليه السلام

[ 55 ]

اليهم بقوله : ( و منهم الحفظة لعباده ) .

و النوع الرابع هم خدم الجنان و هم الذين يتولون فتح ابواب الجنان و غلقها و يخدمون اهل الجنة و يسلمون عليهم و قد اشار عليه السلام اليهم بقوله :

[ و السدنة لأبواب جنانه ] .

و النوع الخامس هم حملة العرش و هم اعظم الملائكة خلقة و بيان ذلك ( و منهم الثابتة في الأرضين السفلى اقدامهم و المارقة من السماء العليا اعناقهم ) و في بعض النسخ في الأرض السفلى . و الخارجة من السماء العلياء و هي السابعة اعناقهم هذا من جهة الطول و اما من ناحية العرض ( و الخارجة من الأقطار اركانهم ) اي ابدانهم خارجة من أطراف الأرض و أقطار السماء ( و المناسبة لقوائم العرش اكتافهم ، ناكسة دونه أبصارهم ، متلفعون تحته بأجنحتهم ) لما كان العرش هو المعبر عنه ب فلك الأفلاك و هو من أعظم الأجرام و اكبرها و إن كان الكرسي هو الأعظم من الجميع لقوله تعالى : وسع كرسيه السموات و الارض .

و لقد ورد في الحديث ما يدل على شي‏ء من عظمته و ذلك كما في البحار عن ابن عباس ، قال سمعت رسول اللّه يقول : إن للّه تبارك و تعالى ملكا يقال له دردائيل كان له ستة عشر الف جناح ، ما بين الجناح الى الجناح هواء ، و الهواء كما بين السماء و الأرض فجعل يوما يقول في نفسه : أ فوق ربنا جل جلاله شي‏ء ؟ فعلم اللّه تبارك و تعالى ما قال ، فزاده أجنحة مثلها ، فصار له إثنان و ثلاثون الف جناح ، ثم أوحى اللّه عز و جل اليه : أن طر ، فطار مقدار خمسمائة عام ، فلم ينل رأسه قائمة من قوائم العرش ، فلما علم اللّه عز و جل أتعابه ، أوحى اللّه اليه : أيها الملك : عد الى مكانك ،

فأنا عظيم ، فوق كل عظيم ، و ليس فوقي شي‏ء ، و لا أوصف بمكان ، فسلبه اللّه عز و جل أجنحته و مقامه من صفوف الملائكة ، فلما ولد الحسين « ع » هبط

[ 56 ]

جبرئيل في الف قبيل من الملائكة لتهنئة النبي « ص » فمر بدردائيل فقال له : سل النبي بحق مولوده أن يشفع لي عند ربي ، فدعا له النبي بحق الحسين « ع » فاستجاب اللّه دعائه و ردّ عليه أجنحته و ردّه الى مكانه . . . الخ الى غير ذلك من الأخبار الواردة فى بيان عظمة العرش و كبرها ، فلا جرم خلق اللّه تعالى ملائكة ، و جعل اكتافهم مناسبة لقوائم العرش ، كما ان العمد ينبغي ان تكون مناسبة للبناء المحمول عليها ، للزوم التناسب بين الحامل و المحمول ، و هؤلاء عددهم ثمانية كما قال تعالى :

و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية .

و هؤلاء ناكسون أعينهم دون العرش لا ينظرون الى العرش ، إما لشدة خوفهم من اللّه تعالى أو لكثرة شعاع النور المتلألأ من العرش ، فهم مطأطأون رؤسهم ناكسون أبصارهم عن العرش خشية و وجلا ، فلا يرفعون طرفهم ، و هم أشد الخلق خوفا من اللّه تعالى .

و في البحار عن ابن عباس عن رسول اللّه « ص » انه قال : لا تتفكروا في عظمة ربكم ، و لكن تفكروا فيما خلق من الملائكة ، فان خلقا منهم يقال له : اسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله ، و قدماه فى الأرض السفلى ، و قد مرق رأسه من سبع سموات ، و انه ليتضائل يتصاغر من عظمة اللّه حتى يصير كالوصع ،

و هو طائر صغير .

متلفعون بأجنحتهم تحت العرش أي مشتملون و ملتفون بها ، أو أنهم غطوا رؤسهم بأجنحتهم من شدة الخوف أو كثرة النور كما تقدم و قيل : اللفاع ثوب يجلل به الجسد كله ، كساء كان أو غيره « مضروبة بينهم و بين من دونهم حجب العزة و أستار القدرة » الحجاب هو السير الحائل بين الرائي و المرئي ، يعني ان حملة العرش محجوبون مستورون عن غيرهم ، لا يراهم احد إلا اللّه و لعل المعنى انه لا يمكن

[ 57 ]

لأحد أن يدرك كنههم و ذاتهم بسبب الحجب و الأستار بينهم و بين غيرهم .

( لا يتوهمون ربهم بالتصوير ، و لا يجرون عليه صفات المصنوعين ، و لا يحدّونه بالاماكن ، و لا يشيرون اليه بالنظائر ) و في بعض النسخ بالنواظر و في بعضها بالبواطن و معناها الابصار و الأمكنة ، لما ثبت ان الوهم و التصوير من خواص المزاج ،

و الجسم الكثيف ، لأن الوهم يتعلق بالأمور المحسوسة ذات الصور ، و لما كانت الملائكة منزهة عن هذه الأمور ، فلا يتوهمون ربهم بالتصوير ، و لا يعتقدون له صفات المخلوقين ، كالجسمية بأن يعتقدوا له مكانا محدودا ، او يتصوروا له مثيلا أو نظيرا فيجعلوا اللّه نظير ذلك الشي‏ء ، لأن كل هذا من الوهميات ، و الملائكة ذوو عقول صافية لا طريق للوهميات اليها .