المعنى

الظاهر ان السيد الرضي قدس سره قد قطّع الخطبة تقطيعا ،

و أسقط منها بعضها ، و يدل عليه قوله ره : منها في صفة خلق آدم عليه السلام .

فكلمة منها تدل على الأسقاط و التقطيع و هذا مما يؤسف له و كيف كان فقد انتقل امير المؤمنين عليه السلام من بيان صفة الملائكة الى بيان خلق آدم أبي البشر عليه السلام فقال : ( ثم جمع سبحانه من حزن الأرض و سهلها ، و عذبها و سبخها ) لا شك أن نسبة الجمع الى اللّه تعالى كنسبة بناء المدينة للأمير ، كما تقول : بنى الأمير المدينة . فانك لا تقصد ان الأمير بنى المدينة بنفسه ، بل إن الأمير أمر الناس فبنوا مدينة ، و كذلك جمع التربة ، امر اللّه تعالى عزرائيل أن يأخذ شيئا من تراب الأرض كما في الخبر ، فجمع اللّه تعالى بالمعنى السابق ترابا من الأماكن الصلبة و اللينة ، و الطيبة القابلة للزرع و النبات ، و المالحة ( تربة سنّها بالماء حتى خلصت ) أي صب عليها الماء شيئا فشيئا و مزجها حتى صارت طينة خالصة و في رواية : حتى خضلت . ( و لاطها بالبلّة حتى لزبت ) اى و عجنها بالرطوبة حتى

[ 59 ]

التصقت و صلبت و اشتدت ، و تداخل بعضها في بعض ( فجبل منها صورة ذات أحناء و وصول ، و أعضاء و فصول ) و في نسخة : فجعل صورة فخلق من تلك الطينة صورة و مشكلا ذا إعوجاج و جوانب ، و مفاصل و اعضاء و فصول ( اجمدها حتى استمسكت ) أي ايبسها حتى نشف شى‏ء من الرطوبة و استمسكت أي تلاصق بعضها ببعض كاللحم و الأعصاب و العروق ( و أصلدها حتى صلصلت ) أي جعلها صلبة متينة حتى يبس و الصلصال هو الطين اليابس الغير المطبوخ لوقت معدود و أجل ممدود ) لعله عليه السلام اشار الى المدة التي كان آدم عليه السلام صورة مطروحة بغير روح كما في كلام طويل ، أن طينة آدم عليه السلام عجنت أربعين سنة ، ثم جعلت لازبا ، ثم جعلت حماء مسنونا أربعين سنة ، ثم جعلت صلصالا كالفخار اربعين سنة ، ثم جعلت جسدا ملقى على طريق الملائكة اربعين سنة ، و نفخ فيها من روحه بعد تلك المدة . . . الخ و لعل هذا هو المقصود من قوله تعالى : هل اتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا . ( ثم نفخ فيها من روحه ) يستفاد من كلمة ( ثم ) الفصل و التراخى بين الخلق و بين نفخ الروح ، و في إسناد النفخ في حق اللّه تعالى ،

و اضافة الروح اليه نكتة لطيفة ، و استعارة حسنة : فان معنى النفخ إدخال الريح في جوف وعاء ، و النفخ هنا إفاضة الروح في جميع الجثة ، ظاهرها و باطنها .

ثم ان ماهية الروح و حقيقتها معمّا لا ينحلّ إلاّ للمعصومين إذ إدراكها خارج عن ربقة عقولنا و أفهامنا ، و لكن القدر المسلّم أن الروح جوهر مخلوق للّه تعالى :

و لهذا أسندها اللّه تعالى الى نفسه تعظيما و تشريفا ، كما نسب البيت الى نفسه بقوله تعالى : و طهّر بيتي للطائفين . اذ هي قوام الحياة و لأن الروح من اللّه تعالى لا غير ،

و لا يمكن لأحد إيجاد الروح ، و كيف يمكن ذلك و ماهية الروح بعد مجهولة عند البشر ، فهذه الكتب محتوية على اقوال الحكماء و الفلاسفة حول الروح و كل قول

[ 60 ]

يخالف القول الآخر ، و رأي كل واحد منهم يناقض آراء غيره ، فمن اين يعلم الصواب و لعل هذه الآية تشير الى عجز البشر عن إدراك ماهية الروح بقوله تعالى :

و يسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربي ، و ما اوتيتم من العلم إلا قليلا . و اليك بعض أقوال الحكماء :

القول الأول : الروح جسم رقيق هوائي متردد في مخارق الحيوان . و هذا قول اكثر المتكلمين .

الثاني : هو جسم هوائى على بنية حيوانية ، في كل جزء منه حيوة .

الثالث : هو الحياة التي يتهيّأ بها المحل لوجود العلم و القدرة و الأختيار .

الرابع : هو الدم ، الخامس : بخار الدم ، السادس : الحرارة الغريزية ، الى غير ذلك من الأقوال التي تنيف على اربعة عشر قولا ، و اللّه هو العالم بحقائق الامور .

فلنرجع الى كلامنا ، نفخ اللّه تعالى الروح في بدن آدم عليه السلام ، ( فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ، و فكر يتصرف بها ، و جوارح يختدمها ، و أدوات يقلّبها ) اي قامت الصورة منتصبة انسانا صاحب اذهان يجيلها و يحرّكها في ما يعقل و صاحب فكر يتصرف بها فيما يريد مما يحتاج الى التفكير ، و الفكر بكسر الفاء و فتح الكاف جمع فكرة ، و صاحب جوارح أي اعضاء كاليد و الرجل و غيرهما ،

يختدمها و يستعملها في احتياجاته ، كأن تلك الجوارح خدم له ، و صاحب أدوات و آلات يستفيد منها في أعماله كالعين و الأذن و اللسان و غيرها ، ( و معرفة يفرّق بها بين الحق و الباطل ) المعرفة هنا العقل اي القوة العاقلة التي تفرق بين المحسوسات و المعقولات ، و بتلك القوة يفرّق الأنسان ما يدركه بالحواس الخمس الظاهرة فيعرف ( الأوذاق و المشامّ ) و يفرق بينها بالقوة الذائقة الكائنة في اللسان ، و بالقوة الشامة التي محلها فى مقدم الدماغ تشبه حلمة الثدي ، يفرق بها بين الأشياء بروائحها ، و بالقوة

[ 61 ]

الباصرة يدرك ( الألوان و الاجناس ) و المرئيات ، و اما الاجناس فليس المقصود منها الجنس المنطقي الذي اعم من النوع ، لانها معاني مستحدثة في العصر العباسى ،

بل الجنس كل ضرب من الشى‏ء فلعلّ المقصود هي ماهية الاشياء ، و لم يذكر الامام عليه السلام القوة السامعة فلعل فى العبارة سقطا ( معجونا بطينة الالوان المختلفة ،

و الأشباه المؤتلفة ) اشارة الى اختلاف الوان الأبدان ، فمنهم الأبيض و الأشقر و الأسمر و الأسود ، أو إلى اختلاف الوان بدن الأنسان ، فترى البياض في الأسنان و العظام و الحمرة فى الدم ، و السواد فى الحدقة و الشعر و غير ذلك ، و اما الأشباه المؤتلفة كالأسنان فانها شبيه بعضها بالآخر و قد ائتلفت ، أو العظام فانها إجسام متشابهة ائتلفت فقامت الصورة البدنية ( و الأضداد المتعادية ، و الأخلاط المتباينة ، من الحرّ و البرد ، و البلة و الجمود ، و المسألة و السرور ) لعل المقصود من الاضداد المتعادية هي العناصر الأربعة و هى الماء و الهواء و النار و التراب ، و المقصود من الأخلاط المتباينة هي الأخلاط الأربعة الموجودة فى المزاج فالحر هو الصفراء ،

و البرد هو البلغم و البلة هي الدم و الجمود هو السوداء و يمكن ان يقال : ان المقصود من الأضداد و الأخلاط هي الأخلاط الأربعة ، و هي فى البدن بمنزلة العناصر الأربعة أو مثلها .

و اما المسألة و السرور فهي من حالات النفس و عوارضها .

و ملخص الكلام أن آدم عليه السلام بل كل بشر مركب من الألوان المختلفة و الأجسام المتشابهة و الأضداد و الأخلاط و الغم و السرور ، و اللّه تعالى هو العالم .