المعنى

( ثم أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشته ) لما طرد اللّه تعالى ابليس من الجنّة ، و وقعت العداوة بينه و بين آدم ، أسكن اللّه تعالى آدم الجنة ،

و قال له : يا آدم اسكن انت و زوجك الجنة و كلا منها رغداً حيث شئتما و أباح له

[ 68 ]

جميع الجنة بما فيها و لزوجته تفضلا منه و كرما ، لا جزاء لعمل أو اجرا لطاعة ، كما يدخل أطفال المؤمنين الى الجنة .

و المستفاد من مجموع الأخبار و مطاوي الأحاديث انها كانت هي الجنة التي أعدت للمتقين في الآخرة ، و كان كانت الاخبار مختلفة في هذا المقام . و أما ما يورد على هذا القول : بأنها لو كانت الجنة المشهورة لكان آدم خالدا فيها ، و ما كان يخرج منها ، مستدلين بآيات الخلود فى الجنة ، فنقول اولا : ان اللّه تعالى خلق آدم ليسكنه الارض لا الجنة لقوله تعالى : اني جاعل فى الارض خليفة و ثانيا : ان الخلود في الجنة في الآخرة ، لا لكل من دخلها ، فان رسول اللّه [ ص ] دخل الجنة ليلة المعراج و خرج منها ، و لأن التمسك بالخلود : فان الخلود فى الجنة يكون فى الآخرة جزاء لأعمالهم ، كما علل بأن اهل الجنة لو كانوا خالدين فى الدنيا لثبتوا على الايمان ، و كذلك اهل النار لو كانوا خالدين فى الدنيا لكانوا مستمرين على المعصية ،

فلا ينبغي التمسك بآيات الخلود ، أضف الى ذلك كله ، صريح الآيات المكررة فى القرآن ، فقوله سبحانه : انَّ لك ان لا تجوع فيها و لا تعرى ، و انك لا تظمأ فيها و لا تضحى فان معنى تضحى كما فى التفسير : لا يصيبك حرّ الشمس معللا انه ليس فى الجنة شمس ، و انما فيها ضياء و نور ، و ظل ممدود ، و أما جنة الدنيا كما فى الخبر تطلع عليها الشمس و القمر ، و سيأتي ، و لقد مرّ كلامه عليه السلام في آخر هذا الفصل : ( و وعده المرّد الى جنته ) اذ لو كان الى جنة أخرى لما صلح المردّ .

و أما الأحاديث المخالفة لما قدمناه : فقد روى المجلسي [ ره ] فى الخامس من البحار ، عن الحسن بن بشار عن ابي عبد اللّه الصادق قال : سألته عن جنة آدم ، فقال : جنة من جنان الدنيا ، يطلع فيها الشمس و القمر ، و لو كانت من

[ 69 ]

جنان الخلد ما خرج منها ( ابي رفعه ) قال ، سئل الصادق عليه السلام عن جنة آدم ،

أ من جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة ؟ فقال : كانت من جنان الدنيا ،

تطلع فيها الشمس و القمر ، و لو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها .

و أما الروايات التي يمكن الاستدلال بها على ما قلنا فهي كما في البحار عن جامع الأخبار ، عن ابان ، عن ابن سيان ، عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السلام قال : لقد طاف آدم عليه السلام بالبيت مائة عام . . . الى ان قال فقال : ( اللهم اقلني عثرتي ، و اغفر لي ذنبي ، و اعدني الى الدار التي أخرجتني منها ) فقال اللّه عز و جل : قد أقلتك عثرتك ، و غفرت ذنبك ، و سأعيدك الى الدار التي أخرجتك منها منها . [ قال المجلسي ] أقول : لا يخفى ان هذا الخبر مما يدل على ان جنة آدم هي جنة الخلد ، و كذا خبر المفضل حيث قال : فنظر الى منزلة محمد و علي ، إذ الظاهر انه رأى منازلهم في جنة الخلد ، إلا ان يقال : كان جنته في الأرض التي تأوى اليها أرواح المؤمنين في البرزخ ، كما تدل عليه الأخبار ، و المراد بالعود العود اليها في البرزخ ، و كذا المراد برؤية المنازل منازلهم في تلك الجنة .

روى السيد بن طاووس في كتاب سعد السعود : انه رأى في صحف إدريس عليه السلام أمر اللّه الملائكة فحملت آدم و زوجته حواء على كرسي من نور و أدخلوهما الجنة ، فوضعا في وسط الفردوس من ناحية المشرق . . . . الخ [ فأما ما ذكره المجلسي ] : الا أن يقال الخ فهو بعيد ، و أحوط الأقوال و أحسنها ما قاله في ختام تحقيق له ، فلنختم هذا الفصل بما قاله [ ره ] في هذا المقام بعد ذكر الأقوال المختلفة [ فالجزم بأحد المذاهب لا يخلو من إشكال ] .

( و آمن فيها محلته ) لا شك ان الجنة دار أمن و أمان لمن دخلها لقوله تعالى أدخلوها بسلام آمنين .

[ 70 ]

( و حذّره إبليس و عداوته ) لأن اللّه تعالى قد حذّر آدم من إبليس و عداوته بقوله عز و جل : فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك و لزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى .

[ و اغترّه عدوه نفاسة عليه بدار المقام ] أي إبليس خدعه و أظهر المكر بخلا و حسدا على ما رآه في دار المقام أي الاقامة [ و مرافقة الأبرار ] أي مصاحبة الملائكة الأبرار الأخيار و أما كيفية وصول إبليس الى آدم فى الجنة مع ما انه كان مطرودا منها ، ممنوعا من الدخول فيها ، فقيل بطريق الوسوسة كما قال تعالى :

فوسوس اليه الشيطان و حلف له كاذبا [ انه له من الناصحين ] ، و كان اللّه قد نهاه عن تناول فاكهة شجرة البر أو العنب أو العناب أو غيرها فحلف له إبليس انه ان أكل من تلك الشجرة كان خالدا في الجنة فقال : يا آدم هل ادلك على شجرة الخلد و ملك لا يبلى و قال لهما : ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، و قاسمهما اني لكما من الناصحين فما كان آدم يظن أن احدا يتجرأ ان يحلف باللّه كاذبا و ذلك قوله عليه السلام [ فباع اليقين بشكه ] لأن نهي اللّه تعالى كان هو المتيقن عند آدم و كلام إبليس كان مشكوكا فيه لمعارضته نهي اللّه فترك آدم اليقين و أخذ الشك [ و العزيمة بوهنه ] أي ترك و باع العزم القوي و الارادة المؤكدة بالوهن و الضعف و هو النسيان كما قال تعالى : و لقد عهدنا الى آدم من قبل فنسي و لم نجد له عزما .

[ و استبدل بالجذل وجلا ] لأنه حينما كان في الجنة كان في نعيم و خير دائم و فرح و سرور فبدّل ذلك الفرح بالخوف [ و بالاعتزاز ندما ] و في بعض النسخ الاغترار أي بدّل العزّة بالندم .

و أما الروايات و الاخبار و الأقوال حول آدم و تلك الشجرة و ما يتعلق بذلك

[ 71 ]

من عصمة الأنبياء ، فكثيرة الاختلاف جدا فرأيت الأحسن بيان هذا الحديث الشريف المروي عن ابى الحسن الرضا صلوات اللّه عليه ففيه شفاء العليل ، و إن كانت الأخبار تعارضه معارضة شديدة .

في الخامس من البحار بعد حذف الرواة عن محمد بن الجهم قال :

حضرت مجلس المأمون ، و عنده الرضا علي بن موسى [ ع ] ، فقال له المأمون :

يابن رسول اللّه أليس من قولك ان الأنبياء معصومون ؟ قال : بلى . قال : فما معنى قول اللّه عز و جل : و عصى آدم ربه فغوى ؟ . فقال ( ع ) : إن اللّه تبارك و تعالى قال لآدم ( ع ) : أسكن انت و زوجك الجنة و كلا منها رغدا حيث شئتما و لا تقربا هذه الشجرة . و أشار لهما الى شجرة الحنطة ( فتكونا من الظالمين ) و لم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشجرة و لا مما كان من جنسها ، فلم يقربا تلك الشجرة ، و انما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان اليهما ، و قال : ( ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة ،

و انما نهاكما ان تقربا غيرها ، و لم ينهكما عن الأكل منها إلا ان تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، و قاسمهما اني لكما لمن الناصحين . و لم يكن آدم و حوا شاهدا قبل ذلك من يحلف باللّه كاذبا ، فدليهما بغرور ، فأكلا منها ثقة بيمينه باللّه ، و كان ذلك من آدم قبل النبوة ، و لم يكن ذلك بذنب كبير استحق به دخول النار ، و انما كان من الصغائر الموهوبة ، التي يجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم ، فلما اجتباه اللّه تعالى ، و جعله نبيا ، كان معصوما ، لا يذنب صغيرة و لا كبيرة ، قال اللّه عز و جل :

و عصى آدم ربه فغوى ، ثم اجتباه ربه فتاب عليه و هدى . و قال اللّه عز و جل :

إن اللّه اصطفى آدم و نوحا و آل ابراهيم و آل عمران على العالمين .

[ ثم بسط اللّه سبحانه له فى توبته ، و لقّاه كلمة رحمته ، و وعده المردّ الى جنته ] اختلف المفسرون فى توبة آدم هل كانت قبل الهبوط أو بعده ، و في القرآن ما بدل

[ 72 ]

على كلا القولين إذ يقول عز و جل : فعصى آدم ربه فغوى ، ثم اجتباه ربه فتاب عليه و هدى ، قال اهبطا منها جميعاً . . . الخ 1 فالمستفاد من هذه الآية ان التوبة كانت قبل الهبوط ، و قال عز من قائل : فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو و لكم في الأرض مستقر و متاع الى حين ، فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم ، قلنا اهبطوا منها جميعاً . . . . الخ 2 فانك ترى ان التوبة بعد الهبوط و قبله ، و لو لا خوف الوقوع في الخطأ ، و النهي عن التفسير بالرأي لكان لنا مجال في التصرف في [ اهبطوا ] الأولى بأنه هبوط من الجنة الى السماء ، كما قال تعالى : اهبطوا مصراً ، و يظهر لمن تصفّح الأخبار و الأحاديث الواردة في المقام هذا الاختلاف لا تصريحا بل تضمنا . و الأحسن ما قاله شيخنا المجلسي [ ره ] في غير هذا الموضع : فالجزم بأحد المذاهب لا يخلو من إشكال .

و لكن المستفاد من كلام امير المؤمنين عليه السلام هنا بغير تصرف و تأويل ان التوبة كانت قبل الهبوط ، و كيف كان فقد بسط اللّه تعالى أسباب التوبة لآدم بنزول جبرئيل ، أو الخطاب ، [ و لقّاه كلمة رحمته ] أي علمه اللّه و لقنه الكلمة التي إن قالها رحمه اللّه و غفر له ، و هي التوسل بمحمد و آله الطاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين ، كما في التفسير و بعض كتب الأخبار ، و حينما قبل اللّه توبة آدم سأل آدم جبرئيل أراجعي الى الجنة ؟ فقال اللّه تعالى سأعيدك الى الجنة التي أخرجتك منها .

كما فى الخبر .

( فأهبطه الى دار البلية ، و تناسل الذرية ) أمر اللّه تعالى آدم و حواء و ابليس بالهبوط الى الأرض التي هي دار البلية دار الحزن و الغم دار التعب و النصب ، و المرض

-----------
( 1 ) سورة طه الآية 122 .

-----------
( 2 ) سورة البقرة الآية 37 .

[ 73 ]

و الموت ، و المهاوى و المهالك . و دار التوالد و التناسل و التناكح و التكاثر ، هذا و لو أردنا إيراد بعض الأخبار المناسبة لخرج الكتاب عن اسلوبه ، و المراجع يراجع .