المعنى

لما فرغ امير المؤمنين عليه السلام عن بيان التوحيد و ما يتعلق به من خلق السموات و الملائكة و مبدء البشر و هو آدم عليه السلام و ما جرى عليه في الجنة الى هبوطه الى الأرض و تناسله الذرية انتقل الى بيان النبوة لأنه الثالث من أصول الدين فقال عليه السلام : ( و اصطفى سبحانه من ولده انبياء ) صريح هذا الكلام أن انتخاب النبي لا يكون إلا من قبل اللّه تعالى و ليس لمخلوق حق في انتخاب النبي ،

و انما قلنا ذلك لأنا نعتقد أن الامامة تالية لمرتبة النبوة كما مر في أول الكتاب فليس لأحد أن يختار إماما أو خليفة من تلقاء نفسه ، و ان اللّه تعالى أخذ على الوحي ميثاقهم ، و على تبليغ الرسالة أمانتهم لأن النبوة و الرسالة حمل ثقيل ، و قلّ أن

[ 74 ]

يقوم و ينهض احد بالارشاد و الهداية الا و يقل عزمه إذا لم يجد مجيبا من الناس ، فلهذا اخذ اللّه من انبيائه العهود المؤكدة و المواثيق المغلظة ، قال تعالى : و إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح و ابراهيم و موسى و عيسى بن مريم و أخذنا منهم ميثاقا غليظا و جعل اللّه الرسالة كالامانة عندهم و أمرهم بايصالها الى اممهم و إبلاغها اليهم من التوحيد و بيان الواجبات و المحرمات و غير ذلك مما يحتاج اليه البشر من الأنظمة التي بها قوام الحياة الاجتماعية ، فبعث اللّه الأنبياء [ لما بدّل اكثر خلقه عهد اللّه اليهم ] أشار امير المؤمنين الى عالم الذر و الى الفطرة ، و قد اضطربت اقوال المفسرين و العلماء في تفسير الآية و معاني الأخبار الواردة في هذا الموضوع و نكتفي هنا بذكر الآية إجمالا و نشرح ما يتعلق بذلك في المستقبل بمناسبة كلامه عليه السلام في الفطرة قال اللّه تعالى : و إذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريَّتهم و اشهدهم على انفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا . . . الخ و اما الروايات فكثيرة فمنها :

ما في البحار عن تفسير فرات بن ابراهيم عن ابى عبد اللّه الصادق في قوله تعالى : و إذ اخذ ربك من بني آدم الخ قال عليه السلام : اخرج اللّه من ظهر آدم ذريته الى يوم القيامة فخرجوا كالذر ، و عرّفهم نفسه . . . و لو لا ذلك لم يعرف أحد ربه ، قال : أ لست بربكم ؟ قالوا : بلى . . . الخ .

فبدّل خلق اللّه العهد الذي عاهدوا اللّه تعالى عليه في عالم الذر و هو الاقرار بالتوحيد فلما بدّل اكثر الناس ذلك العهد [ فجهلوا حقه ] حق اللّه تعالى هو العبادة و ان لا يشرك به شيئا ، كما في رسالة الحقوق للامام زين العابدين ، في مكارم الأخلاق عن ثابت بن دينار عن سيد العابدين علي بن الحسين عليه السلام قال :

حق اللّه الأكبر عليك ان تعبده و لا تشرك به شيئا ، فاذا فعلت ذلك باخلاص جعل لك على نفسه ان يكفيك أمر الدنيا و الآخرة . . . الخ [ و اتخذوا الانداد معه ]

[ 75 ]

إشارة الى عبادة الأصنام و الأوثان ، إذ ان الناس اتخوا الأوثان آلهة . و زعموا انها أشباه اللّه و نظائره و بيدهم ازمّة الأمور فكانوا يسجدون لها و يعبدونها و يعتقدون ان ازمة الكون و جميع التصرفات و التأثيرات بيد الأوثان و لهذا كانوا يطلبون منها الحوائج ، و يذبحون لها الذبائح [ و اجتالهم الشياطين عن معرفته ] و في نسخة احتالتهم و كيف كان فان الشياطين صرفت الناس عن معرفة اللّه [ و اقتطعتهم عن عبادته ] كما ان قطاع الطريق يمنعون الناس و يسدون طريقهم ، كذلك الشياطين قطعوا طريق الناس عن عبادة اللّه تعالى ، [ فبعث فيهم رسله ] من جملة القواعد المشهورة عند علماء الشيعة هي : قاعدة اللطف ، و قد ذكروا هذه القاعدة في كتبهم و استدلوا عليها بالبراهين العقلية و النقلية من الكتاب في وجوب بعث الأنبياء ، و نصب الأوصياء . و فسروا اللطف بأنه يجب على اللّه عقلا لا حكما و تكليفا أن ينصب الحجة على خلقه ،

و معنى الوجوب هنا : إدراك العقل قبح العقاب بلا بيان ، كما ان العقل يحكم بحسن العدل و قبح الظلم ، و حسن الوفاء و قبح الخيانة و خلف الوعد . . .

الى غير ذلك .

و قد ظفرنا برواية ذكرها المجلسي في البحار عن توحيد الصدوق ، فأحببنا إيرادها تتميما و توضيحا . بعد حذف الرواة عن هشام بن الحكم : قال سأل الزنديق الذي اتى ابا عبد اللّه [ الصادق ] عليه السلام فقال : من أين اثبتّ انبياء و رسلا ؟

قال ابو عبد اللّه عليه السلام : إنا لما اثبتنا ان لنا خالقا صانعا ، متعاليا عنا و عن جميع ما خلق ، و كان ذلك الصانع حكيما ، لم يجز ان يشاهده خلقه ، و لا يلامسوه ،

و لا يباشرهم و لا يباشروه ، و يحاجهم و يحاجوه ، فثبت ان له سفراء في خلقه ، يعبرون عنه الى خلقه ، و يدلونهم على مصالحهم و منافعهم ، و ما به بقاؤهم ، و في تركه فناؤهم ،

فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، و ثبت عند ذلك ان له معبّرين

[ 76 ]

و هم الأنبياء و صفوته من خلقه ، حكماء مؤدبين بالحكمة ، مبعوثين بها ، غير مشاركين للناس في احوالهم ، على مشاركتهم لهم فى الخلق و التركيب ، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة ، و الدلائل و البراهين و الشواهد : من إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الابرص ، فلا تخلو أرض اللّه من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول و وجوب عدالته .

و لشيخنا الطريحي كلام في مادة : لطف . انتخبناه لجامعيته و مانعيته ننقله حرفا بحرف ، قال : و اللطف فى عرف المتكلمين : ما يقرّب من الطاعة و يبعّد عن المعاصي ،

و لا حظ له فى التمكين ، و لا يبلغ الالجاء لمنافاته للتكليف ، كالجذب من الزنا الى مجلس العلم ، و قد يكون من اللّه تعالى كخلق القدرة للعبد ، و إكمال العقل ، و نصب الأدلة و تهيئة آلات فعل الطاعة و ترك المعصية ، فيكون واجبا عليه تعالى بالمعنى المتقدم و اما يكون فعل المكلف نفسه ، كفكره و نظره فيما يجب عليه و يوصل الى تحصيله ،

فيجب على اللّه أن يعرفه ذلك ، و يوجب عليه .

و اما أن يكون فعل غيرهما : من المكلفين مثل الاعانة فى تحصيل مصالحه و رفع مفاسده ، و التأسي به فى افعاله الصالحة ، و إيمانه و طاعته ، و الانزجار عن أفعاله الفاسدة إعتبارا به فيشترط فى التكليف بالملطوف فيه العلم ، بأن ذلك الغير يفعل اللطف ،

و لعلمائنا كلمات مبسوطة فى موسوعاتهم ، حول الموضوع ، يستدلون بها على وجوب بعثة الأنبياء و تعيين الامام و نصبه ، فبعث اللّه تعالى الرسل الى الناس [ و واتر اليهم أنبيائه ] أي ارسل الأنبياء متواترا متقارب الأوقات ، يتبع بعضهم بعضا ، كما قال تعالى : ثم ارسلنا رسلنا تترى كلما جاء امة رسولها كذبوه فاتبعنا بعضهم بعضاً . . . الخ . و الفرق بين الرسول و النبي أن الرسول هو المخبر عن اللّه بغير واسطة بشر ، أعم من أن يكون له شريعة مبتدأة

[ 77 ]

كآدم عليه السلام أو ناسخة كمحمد صلى اللّه عليه و آله . و النبي هو الذي يرى فى منامه و يسمع الصوت و لا يعاين الملك ، و الرسول هو الذي يسمع الصوت و يرى في المنام و يعاين ، و بأن الرسول قد يكون من الملائكة بخلاف النبي ، و قيل غير ذلك ،

و روى المجلسي [ ره ] في البحار عن القواعد للعلامة [ ره ] في عدد الأنبياء ،

قال : إعتقادنا في عدد الأنبياء انهم : ماءة الف نبى و أربعة و عشرون الف نبى . . . و لكل نبي منهم وصي أوصى اليه بأمر اللّه تعالى . . الخ [ ليستأدوهم ميثاق فطرته و يذكروهم منسيّ نعمته ] لما كان الغرض من إرسال الرسل هو الدعوة الى التوحيد و الى عبادة اللّه تعالى ، و أن يطلبوا من الناس أداء الميثاق ميثاق الفطرة لأن البشر مجبل على معرفة اللّه تعالى و اما اخبار عالم الذر و الفطرة فمن متشابهات الأخبار و لا بد لاثباته من تمهيد مقدمات كي يتضح الأمر ، و تظهر الحقيقة و لنا مجال في المستقبل بمناسبة المقام و لكن رعاية لسياق الكلام نذكر هنا شيئا مما يتعلق بعالم الذر و الفطرة قال فى المجمع فى مادة فطر و فى الحديث المشهور بين الفريقين : [ كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون ابواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه ] و الفطرة بالكسر الخلقة ، و هي من الفطر كالخلقة من الخلق في انها للحالة ، ثم انها جعلت للخلقة القابلة لدين الحق على الخصوص و المعنى . كل مولود يولد على معرفته تعالى و الاقرار به فلا تجد أحدا إلا و هو يقر بأن له صانعا ، و إن سماه بغير اسمه أو عبد معه غيره ، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ،

و انما يعدل عنها لآفة من التضليل كالتهويد و التنصر و التمجيس . . . الخ ] و حاصل الكلام : أن كل بشر إذا ولد فهو موحّد فطرة أي يعتقد بوجود اللّه تعالى ، و لكن الأبوين يغيّران تلك الفطرة ، فيكون الولد على دينهما و يعتنق مبدئهما ، و بعبارة واضحة : إذا ولد إنسان سواء كان ابواه مسلمين أو كافرين ، و اخذوه الى مكان

[ 78 ]

لا يرى فيه شيئا من مظاهر الاديان ، و لا يسمع شيئا من التبليغات الدينية فاذا بلغ سن الرشد و سألوه : هل انت تعتقد بوجود إله خلق الموجودات ؟ لا بد و أن يقول : نعم لأن عقل كل ذي عقل يحكم : أن كل مصنوع لا بد له من صانع ، و لا يمكن لبشر أن يخترع هذه الموجودات و يوجدها ، فلا بد من موجد و خالق و صانع غير هذه المخلوقات و هو اللّه تعالى .

و حيث ان الأنسان إذا ولد ينسى ذلك الميثاق و لا بد من تذكيره ، لا جرم أمر اللّه تعالى انبيائه ان يذكروا الناس تلك النعمة و هي المعرفة المنسية ، فيتذكرون بالفطرة الذاتية التي تقدم ذكرها ، كما قال تعالى : و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض ؟ ليقولن اللّه [ و يحتجوا عليهم بالتبليغ ] إذ لو لا الأنبياء لكان الحجة للناس على اللّه ، فكان لهم أن يقولوا يوم القيامة : لو لا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك من قبل ان نذل و نخزى فلما بعث اللّه تعالى الأنبياء و المرسلين تمت الحجة للّه على الناس بعد التبليغ و الانذار و التبشير ليهلك من هلك عن بينة ، و يحيى من حيى عن بينة و لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل [ و يثيروا لهم دفائن العقول ] هذه كلمة قليلة اللفظ ، كثيرة المعنى إذ الانسان كما ورد في الحديث : [ الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة ] يعني لكل انسان اهلية و قابلية و استعداد و لياقة بأن يبلغ مراتب الكمال سواء بأمور الدنيا أو الدين و الآخرة ، ففي الانسان إستعداد لأن يكون كاتبا و شاعرا و رياضيا فنيا ، و مهندسا و طبيبا و مخترعا و مكتشفا ، و ميكانيكيا و كل شي‏ء ، و لكنه يضيّع ذلك الاستعداد و يميت تلك القابلية اذا لم يطلب العلم ،

كل إنسان يستطيع ان يصنع الطائرة و التلفزيون و الرادار و غير ذلك من عجائب الاختراعات ، يستطيع كل ذلك بالتمرين و التدريب و التعلم و الممارسة بالصناعة تدريجا ،

إذ هؤلاء المخترعون و المكتشفون في العالم لم يكونوا من الملائكة و لا من الجن ، بل

[ 79 ]

بشر أمثالنا ، و انما وصلوا الى ما وصلوا باستعمال افكارهم و تجربياتهم سنين متطاولة كذلك باستطاعة الانسان الوصول الى مراتب الصديقين و الأولياء ، بالتقوى و التقرب الى اللّه تعالى مثل : لقمان الحكيم و سلمان الفارسي و نظرائهم من اخوانهم ، فالناس معادن فاذا استخرجوا تلك الجواهر الثمينة و اللئالى الغالية ربحوا و فازوا و قالوا ما ارادوا و إن لم يستخرجوا نتائج افكارهم و عقولهم فحالهم كحال المعادن المجهولة في بطون الأرض ، كما ان تراب الأرض كذلك فان استفيد من بركاتها بالزراعة ، فروح و ريحان و جنة نعيم ، و ان تركوها هملا فالنتيجة معلومة ، فالعقول دفائن و معادن و منابع المنافع ، كالمواد المودعة في التراب . يظهر أثرها و خواصها في الزرع و في كل ما انبتته الأرض ، فيجب إثارة الأرض أي قلبها بالحرث لتظهر المواد المخفية تحت التراب ، كذلك كان المقصود من بعث الأنبياء و المطلوب منهم ان يثيروا دفائن العقول كي يعرف الناس ما في الكون من حكم ، و عجائب مدهشة ، و غرائب مذهلة ، فيزدادوا إيمانا و تثبتا ، و معرفة و توحيدا ، [ و يروهم الآيات المقدرة ] و في بعض النسخ : و يروهم آيات القدرة ، أو المقدرة . إذ من جملة طرق المعرفة و العلم هو النظر و الرؤية ، و لهذا أمر اللّه تعالى بالنظر في بعض الأمور لتحصيل المعرفة قال تعالى : فلينظر الانسان ممّ خلق ؟ ] فاذا نظر الانسان بنظر الدقة و الاعتبار الى الآيات و الشواهد التي تدل على قدرة اللّه و حكمه المتقنة ، و ما فى الكون من تحولات و تغيرات ، لأجبره العقل و ألزمه بالاقرار بوجود الصانع المدبّر أقر بلسانه أم لا ،

[ من سقف فوقهم مرفوع ، و مهاد تحتهم موضوع ] لقوله تعالى : و السقف المرفوع و أ لم نجعل الأرض مهاداً و ان حياة البشر بالأكل ، لأنه قوام الحياة و فنائه بالأجل الذي قدّر له ، و يشيب بسبب الأمراض و المصائب التي تتجدد له و النوائب التي تضعف البدن و القوى ، و تزيل طروة الوجه و نضارة البدن ، و هذه

[ 80 ]

كلها عبر لمن اعتبر فقال عليه السلام : [ و معايش تحييهم ، و آجال تفنيهم ، و أوصاب تهرمهم ، و احداث تتابع عليهم ] .

و في كل شي‏ء له آية
تدل على انه واحد